القاهرة ـ «القدس العربي»: ليلة لا تشبها ليلة تلك التي مرت بالمصريين أمس الجمعة 28 أكتوبر/تشرين الأول، إثر عملية “الدهس” التي تعرضت لها عملتهم الوطنية، التي فقدت قدرا غير مسبوق من قيمتها. عمّ الحزن أوساط الكثيرين، خاصة أولئك الذين كانوا يدخرون ثرواتهم بالعملة المحلية، لتقلبات الأيام إذ استيقظ هؤلاء على وقع فقد قرابة خمس ثرواتهم، وبينما انتقد كثير من المراقبين قرار الحكومة “تعويم” الجنيه بعد ساعات من قرارات منح علاوات استثنائية، وزيادة الحد الأدنى للأجور، ما ضيع أي إحساس بالأمان لدى المواطنين، الذين باتوا يدركون أنهم في انتظار أوضاع أشد قسوة، يرى فريق آخر من المختصين، أن الدولة أدت ما عليها من خلال إطلاق حزمة الإجراءات التي وجّه بها الرئيس السيسي لدعم المواطنين، وأيضا تثبيت أسعار الوقود وتأجيل تحريك أسعار الكهرباء، كل ذلك يعني أن الدولة أدت ما عليها، رغم الظروف الاقتصادية العالمية، ويبقى على التجار أن يمدوا أيديهم للدولة، لا في جيوب الموظفين وأصحاب المعاشات للاستيلاء على علاوة الموظف وزيادة المعاش.
ومن أخبار المؤسسة الدينية: قرر الدكتور محمد مختار جمعة وزير الأوقاف إطلاق مجلس العلماء قريبا، ويشمل مجلس أهل الحديث ومجلس أهل الفقه ومجلس المفكرين والكتاب ومجلس المؤرخين ومجلس اللغويين وغيرها من المجالس. وأوضح الوزير أن بعض المجالس سيكون خاصا مغلقا لمناقشة ودراسة قضية ما، وبعضها سيكون عاما مفتوحا لطلاب العلم والثقافة، بتنظيم من المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية. فيما أدى أئمة وخطباء وزارة الأوقاف موضوع خطبة الجمعة تحت عنوان: “حق الوطن”. وأكدت الأوقاف على جميع الأئمة الالتزام بموضوع الخطبة نصّا أو مضمونا على أقل تقدير، وألا يزيد أداء الخطبة عن عشر دقائق للخطبتين الأولى والثانية. ومن أخبار الأحزاب: توافد أعضاء الجمعية العمومية لحزب الوفد للإدلاء بأصواتهم في انتخابات الهيئة العليا 2022، وفتحت أبواب اللجان أمام الناخبين. ويبلغ عدد المرشحين لمقاعد الهيئة العليا لحزب الوفد 141 مرشحا يتنافسون على 50 مقعدا بالانتخابات، كما يبلغ عدد المرشحين لمقاعد سكرتارية الهيئة العليا 17 مرشحا يتنافسون على 5 مقاعد.
مصنع البطولة
بإيحاء الأسماء والأوصاف، والتعبير لعبد الله السناوي في “الشروق” نحن أمام نقلة نوعية في الضفة الغربية المحتلة، تعبر عن أحدث أجيال الكفاح المسلح الفلسطيني. لم تنتسب جماعة «عرين الأسود»، التي أنشئت أخيرا، إلى طلب تحرير الأرض المحتلة بقوة السلاح، كأغلب التنظيمات المسلحة التي أنشئت بعد هزيمة (1967) مثل «فتح» و«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»، أو التي ولدت تاليا في مجرى الصراع مثل «حماس» و«الجهاد». أهدافها محدودة ومحددة بالقياس إلى ما طلبته المنظمات السابقة من تحرير كامل الأراضي المحتلة، لكنها تكتسب شرعيتها وشعبيتها من أوضاع الفلسطينيين تحت الاحتلال من قمع وإذلال وقتل بدم بارد، دون رادع. «العرين» هنا: مدن الضفة الغربية المنتهكة.. و«الأسود» هم: شبابها الذين نذروا حياتهم للحياة بكرامة ورد الصاع صاعين. تضم بنيتها التنظيمية عناصر من تنظيمات مختلفة تنتمي لأيديولوجيات متباينة. هذا يوحي بما قد يحدث مستقبلا في بنية وتوجهات العمل الفلسطيني. نشأت في مواجهات الشوارع مع قوات الاحتلال لا في الغرف المغلقة، باحتياجات اللحظة الحالية لا باعتبارات الأيديولوجيا. كانت المقاومة الشعبية، التي تصدر مشاهدها الشباب الفلسطيني في باحات وحول المسجد الأقصى، لاقتحامات جماعات المستوطنين نقطة تبلور الفكرة. في تجربة جنين تأكدت ملحمية المقاومة والاستعداد لمواجهة آلة الحرب الإسرائيلية بأبسط الإمكانات. كانت صور استشهاد عدي التميمي، وهو يقاتل حتى النفس الأخير، تعبيرا عن الروح الجديدة التي تعتري أجيال الشباب. وفي تجربة نابلس، حيث أعلنت جماعة «عرين الأسود» تأكدت الروح نفسها والمعاني عرضت على العالم، أن هناك شعبا يطلب حقه في الحرية والاستقلال ومستعد أن يدفع الثمن مضاعفا. هناك شيء جديد يولد في الضفة الغربية المحتلة، القضية فوق الفصائل. الانقسام استنزف الفلسطينيين، ونال من سمعة القضية، كأننا في صراع على سلطة لا أمام قضية تحرر وطني. الفكرة الرئيسية لـ«عرين الأسود» نبذ الفرز الفصائلي وتغليب القضية على ما عداها. هذه هي الرسالة الرئيسية. بصورة أو بأخرى أعادت جماعة «عرين الأسود» إنتاج ما يعرف بغرفة التنسيق بين الفصائل المتناحرة على ما يجمع ويوحد، دون أن يستبين حتى الآن مدى التداخل التنظيمي. تنسيق جديد داخل الأطر والهياكل المعتادة؟ أم بناء مختلف يحاول تجاوز أوضاع الانقسام الحالية؟ فيما هو جديد ومختلف ويؤشر إلى اهتزاز عميق في معادلات التعاون الأمني بين السلطة والاحتلال، الأمن الفلسطيني هو الذي بادر بالاشتباك مع المفرزة الإسرائيلية لاقتحام نابلس عندما اكتشف وجودها. كان ذلك تطورا جوهريا يناقض الدور الذي صمم وفق «اتفاقية أوسلو» للأمن الفلسطيني، أن يتولى بالنيابة حماية الأمن الإسرائيلي، يعتقل بالنيابة ناشطين ومقاومين، ويبلغ بما يتوافر لديه من معلومات حتى يمكن تصفيتهم. هذه المرة هو الذي تصدى واشتبك قبل أن تنتبه قيادات «عرين الأسود» المتمركزة في البلدة القديمة إلى عملية التصفية التي توشك أن تبدأ.
إرادة المقاومة
يواصل عبد الله السناوي: أفضى ذلك التطور الجوهري لانزعاج بالغ في دوائر الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، دعت رئيس الوزراء يائير لبيد إلى إنذار رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس.. إما أن يضبط أدوار الأمن الفلسطيني على مسارها السابق، أو تتهدد سلطته في وجودها. لم يكن هناك أمام رئيس السلطة سوى طلب التدخل الدولي العاجل لوقف التصعيد الإسرائيلي. وكان أقصى ما فعلته الإدارة الأمريكية أن تصدر تصريحا باهتا ومعتادا على لسان المتحدث باسم خارجيتها، يدعو إلى عدم التصعيد. لم تكن معركة نابلس حدثا عابرا في وقائعه ورسائله وتداعياته. استخدمت قوات الاحتلال قذائف تخترق الدروع، ومسيرات صغيرة لكنها بالغة التقدم تقنيا قادرة على اختراق الأبنية والغرف قبل إطلاق الرصاص. في اليوم التالي تأكدت إرادة المقاومة بجنازة حاشدة اخترقت شوارع نابلس تودع الشهداء بالسلاح. شاعت عبارة وردت في بيان المجموعة المسلحة الجديدة: «جاء وقت خروج الأسود من عرينها». هناك ما يؤكد أن الضفة الغربية على وشك إعلان انتفاضة شعبية جديدة. وهناك ما يوحي باحتمال انفجار آخر يشمل الأراضى الفلسطينية التاريخية كلها، الضفة وغزة وخلف الجدار. إذا ما تفاقمت الأمور فليس من المستبعد أن تدخل غزة في عمل عسكري لإسناد المقاومة في الضفة الغربية. هكذا بدا الأمن الإسرائيلي مجددا في أحوال انكشاف. الأرض المحتلة تهتز من تحت أقدامه والمقاومة المسلحة تنبئ بتصعيد يصعب تحمله.
الكتالوغ الصيني
لا يهم لون القطة أبيض أم أسود.. المهم أنها تصطاد الفئران.. هذا هو مفهوم البراغماتية على الطريقة الصينية كما يوضحه الدكتور جمال الشاعر في “الأهرام”: مصر إذا أرادت إحداث نقلة حضارية سريعة ومدهشة.. فليس أمامها إلا الكتالوغ الصيني فهو جاهز جدا وعصري ومتجدد.. ولم تستطع البجعة السوداء أن تهزمها.. ولم يستطع وحيد القرن الرمادي أن يكعبلها.. كيف؟ تكمن مشكلة البجعة السوداء وفقا لنسيم ـ طالب ـ في أن رؤيتنا للبجع الأبيض فقط لا يعني عدم وجود بجع بألوان أخرى.. لقد اكتشفوا مؤخرا بجعا لونه أسود في أستراليا.. ملخص تلك الفكرة هي فتح باب التوقعات والتنبؤات على مصراعيه.. لتقليل حجم الخسائر الناتجة عن الكوارث المفاجئة مثل جائحة كورونا وفقاعات الرهن العقاري.. الصين كانت مستعدة دوما للمواجهة.. رفعت شعار.. زيرو مفاجآت.. عندهم مناعة اقتصادية وتكنولوجية قوية.. وبالتالي سيطروا على تداعيات تلك المصائب في سرعة البرق. وفي تقرير مهم.. حذر الرئيس الصيني شي من وحيد القرن الرمادي ويقصد به الخطر البطيء الذي يبدو تافها ولا يمثل تهديدا مثل وحيد القرن الرمادي الكسول جدا ولا يعيره أحد اهتماما.. ولكنه يثور فجأة ويدمر كل شيء.. مثال.. تضخم الجهاز الإداري للدولة وتكلسه.. إذا تركناه فسوف يتضخم ويزداد تخلفا ويصير معوقا لكل مشاريع التنمية والإصلاح.. إذن هما نقطتان.. الأولى هي تغيير محدودية التنبؤ لتصبح بلا حدود.. والثانية.. عدم الصهينة على مشاكل تبدو هامشية، ولكنها تشبه القنابل الموقوتة.. تنفجر فجأة.. الحزب الشيوعي الصيني أعلن أنه على أتم الاستعداد للصمود أمام الرياح العاتية والأمواج المتلاطمة والعواصف الخطيرة.. وأن الصين تتمسك بالمسار الصحيح للعولمة الاقتصادية، وتعارض جميع أشكال الأحادية والهيمنة وسياسات القوة، وعقلية الحرب الباردة، والتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، والمعايير المزدوجة.. السؤال الملح دوما هو: كيف تقدمت الصين؟ الوصفة جاهزة..
اشتغالات إلهائية
المدهش الذي اثار اهتمام الدكتور جمال الشاعر أن عراب التقدم الصيني كان شخصية عربية وأستاذا في جامعة أوكسفورد.. عراقي الجنسية واسمه إلياس كوركيس.. ويشتهر بكونه مؤسس استراتيجية النهضة الصينية.. ماذا فعل؟ إليك الروشتة.. أولا.. قام شخصيا بتدريب الوزراء على الإدارة والقيادة وتعلم الإنكليزية.. ونقل الوزراء هذه التجربة إلى موظفي وزاراتهم.. بعد ثلاث سنوات من بداية عمله ووضعه خطة استراتيجية لكل وزارة.. أخذت تجربته الإصلاحية لاقتصاد الصين تظهر للعيان.. وبعد خمس سنوات من عمله استطاعت الصين بلورة مفهوم اقتصاد السوق الاشتراكي وخلق فضاءات أو جزر اقتصادية ليبرالية متعولمة من جهة.. ومن جهة أخرى عمل البروفيسور كوركيس على ربط الاقتصاد الصيني بالاقتصاد العالمي، وتلك التجربة الحديثة سمحت للصين بالاندماج دون أن تعاني الزلازل التي تواكب عادة التحول من اقتصاد مغلق إلى اقتصاد متعولم.. بدأ البروفيسور كوركيس الإصلاح في المناطق الريفية بتدشين نظام الأسر المنتجة. ثانيا.. هندس التحول التدريجي إلى اقتصاد السوق، وفتح الباب أمام الاستثمارات الأجنبية خاصة في مجال الصناعة.. ثالثا.. شجع الصين سياسيا على بناء نفسها أولا وعدم الدخول في منافسات سياسية أو منازعات دولية.. والجدير بالذكر أن أمريكا لم تنجح في جرجرتها إلى أي اشتغالات إلهائية. رابعا.. التمكين الاقتصادي للفلاحين والصنايعية والمبادئين والمخترعين والمبتكرين.. فضاء محرض على الإبداع بقوة.. باختصار شديد.. الصين استطاعت بناء عقد اجتماعي جديد.. ونحن ما أحوجنا إلى ما فعلته الصين الشقيقة المتماثلة معنا كثيرا اجتماعيا وتنمويا وحضاريا.. الفيلسوف كونفوشيوس ساهم أيضا في تغيير عقلية الصينيين.. إذ إنه كان يقول.. أن حب واحترام الناس هو الذي يجعلهم يشعرون بالكرامة والفخر ومن ثم يناضلون من أجل رفعة بلدهم .. فالرقي الذاتي هو أساس الرقي الاجتماعي.
الأزمة قديمة
الاستقرار لا يعني من وجهة أحمد عادل هاشم في “المشهد” بقاء السلطة في مواقعها لفترات طويلة، إنما يعني بقاء السياسات وعدم تغيرها لمدد طويلة، خصوصا ما يتعلق منها بحياة البشر، إلا إذا استدعت الحاجة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ذلك. من يقتنع ويصدق، فلا داعي لقراءة السطور المقبلة.. أما من لا يعتقد وشكك في النتيجة، فربما تقنعه الحقائق التالية: ترسخ في أذهان النخبة الحاكمة واتباعها، مصطلح “الاستقرار” باعتباره الطريق الأوحد للتنمية الاجتماعية والبشرية، بمعنى أن الأخيرة لا يمكن أن تتم إلا في غياب اضطرابات سياسية أو فئوية عموما، بما اختزل المصطلح في النهاية إلى معنى واحد: البقاء في السلطة دون أي منغصات لها. بهذا المعيار “النخبوي” فإن وزارة التربية والتعليم كانت الأكثر استقرار في عهود الرؤساء المتعاقبين على الحكم في مصر منذ حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 وإلى الآن. الدكتور مصطفى كمال حلمي، تولى وزارة التعليم في أول حكومة تم تشكيلها بعد نصر أكتوبر، منذ إبريل/نيسان 1974 وظل في الوزارة لمدة 10سنوات، وانتهت في نوفمبر /تشرين الثاني 1986، لم تشهد سياسة الوزارة في عهده أي تحولات مفاجئة.. فقد استمر المضي على ما كان معمولا به، سواء على مستوى المناهج أو الإنفاق الحكومي على التعليم، بينما بدأ نجم “الدروس الخصوصية” يتعاظم في عهده.. بعد أن كان خجولا ومواربا قبل نصر أكتوبر.. إلا أن التغييرات الاجتماعية والسياسية التي حدثت بعد الحرب، كانت لها تداعيات كبرى على العملية التعليمية، دفعت الباحثة أمل سعودي عبد الظاهر، إلى إجراء دراسة تحليلية على النظام التعليمي في عام 1980، لنيل درجة الدكتوراه، كان أهم ما فيها على الإطلاق عدم الربط بين سياسة التعليم والسياسة العامة للدولة ـ حيث كانت معظم قوانين التعليم ترتبط بشخص الوزير، ونتج عن ذلك إجراء بعض التعديلات، أو إلغاء إجراءات كانت ثابتة تتعلق بالتعليم الحكومي. القصور في توفير الموارد المالية والبشرية اللازمة لتطوير التعليم..
استيكة لكل وزير
بعد ثورة يناير/كانون الثاني 2011، والكلام لأحمد عادل هاشم، الذي استشهد بدراسة للباحثة أمل سعودي، تعاقب على الوزارة كل من أحمد جمال الدين موسى (11 شهرا)، جمال العربي (7 شهور)، إبراهيم غنيم (11 شهرا)، محمود أبو النصر (سنة ونصف السنة)، محب الرفاعي (6 شهور) ثم الهلالي الشربيني (سنة وخمسة أشهر/ من 19 سبتمبر/أيلول 2015 ـ 16 فبراير/شباط2017) وخلال تلك السنوات كانت العملية التعليمية تدارعلى القواعد السابقة، التي كان أبرز مشاهدها انهيار التعليم الحكومي تماما، وفتح الأبواب على مصراعيها أمام الوافد الجديد “السناتر التعليمية)..طارق شوقي (خمس سنوات ونصف السنة / 16 فبراير 2017 ـ 13 أغسطس/آب 2022)، قدم سياسة جديدة فكرتها تنطلق من التحول نحو استخدام الأجهزة اللوحية، عوضاَ عن الكتب المدرسية التقليدية، مرورا بقرار التحول نحو التعليم عن بعد، وعقد الامتحانات إلكترونيا بسبب وباء كورونا، إلا أن مشروع الوزير وفكرته كانا يقفزان فوق واقع اجتماعي (الفقر) وتكنولوجي (شبكة الإنترنت) ما أدى إلى سقوط المشروع والفكرة وقدوم الوزير الجديد، لكن سياسة الوزير تميزت بملاحقة ما يسمى بـ”سناتر” الدروس الخصوصية، وتجريمها. رحل طارق شوقي، وجاء الدكتور رضا حجازي وزيرا جديدا، وكانت أولى قراراته المشي بـ”استيكة” على قرارات رئيسه السابق طارق شوقي، وألغى تجريم السناتر، وحللها وطالب بتقنينها، بما يعني إلقاء راية الاستسلام أمام السقوط الأخير للتعليم في مصر، لم يضمن بقاء وزراء التعليم على مقاعدهم لسنوات طويلة، استقرار النظام التعليمي في مصر، بل لم يمنع البقاء على الكرسي لمدد طويلة نسف وتغيير السياسات من وزير إلى آخر.. وتسبب ذلك في الانهيار التعليمي.. ما يعني أن الاستقرار لا يكون باستمرار السلطة على مواقعها، إنما في تواصل واستمرار السياسات، سواء كانت في التعليم أو الصحة أو غيرها.
في مهب الريح
كل من يريد تقييم السياسات المصرية في إدارة الأزمة العالمية يجب أن ينظر للأمر وفق رؤية أكرم القصاص في “اليوم السابع” من زاوية أوسع، مع نظرة على حال الاقتصادات العالمية الكبرى، والتأثيرات الواضحة على هذه الدول، حيث جاءت تأثيرات تضخمية بعد كورونا، ضاعفتها الحرب الروسية الأوكرانية، انعكست في وضع الطاقة وارتفاع الأسعار التي أصبحت الشغل الشاغل لمواطني العالم ومنهم المصريون، بعد موجة الغلاء التي طالت أغلب السلع والخدمات. وتزامن هذا مع قرارات البنك الفيدرالي الأمريكي برفع أسعار الفائدة، وهو ما انعكس على الفائدة في كل البنوك المركزية في العالم، فقد رفع البنك الأوروبي الفائدة يوم الخميس الماضي، تزامنا مع قرارات البنك المركزي المصري، وبالتالي فإن الإجراءات والقرارات تأتي بناء على آراء وتحليلات الخبراء للتعامل مع أزمة غير مسبوقة، وسيناريو غير واضح المعالم لنهايته. وقد واجه الاقتصاد العالمي سوء حظ مزدوج، حيث لم تنته تأثيرات كورونا، حتى بدأت الحرب الروسية الأوكرانية بتداعياتها الواضحة، التي تتطلب الكثير من الصبر والدقة، في التعامل، وقد نجحت إجراءات الإصلاح الاقتصادي الأولى في تمكين الاقتصاد من امتصاص صدمة كورونا والتعامل معها بسياسات مرنة، وإتاحة القدرة على إنجاز مشروعات كبرى تمثل إضافات لأصول الدولة، فضلا عن تسهيل فرص الاستثمار الصناعي والزراعي، بجانب مشروعات زراعية وصناعية استراتيجية أدت إلى توفير احتياطيات السلع الأساسية من القمح والمواد الأساسية. مبكرا بدأت الحكومة معالجة التأثيرات المباشرة، مع الحفاظ على حركة الاقتصاد واستمرار الاستثمارات وخلق فرص عمل، من خلال القطاع الخاص والأنشطة المختلفة والمشروعات.. وأكدت الحكومة ضمان احتياطي القمح والسلع الأساسية، مع دعم إضافى للفلاحين ورفع أسعار توريد القمح لضمان تدفقه إلى الصوامع بما يؤمن الاحتياجات الأساسية من الخبز لمدة 6 أشهر.
المهم الرقابة
في ما يتعلق بضبط الأسعار، وجه الرئيس السيسي الحكومة إلى جانب توفير الاحتياطي من القمح والسلع الأساسية، بتوسيع الرقابة على الأسواق، وهو ما انعكس، كما أشار أكرم القصاص في لجان وضبطيات نجحت في وقف الاحتكار من بعض التجار، مع دراسة تكلفة إنتاج رغيف الخبز الحر غير المدعم وتسعيره، وأن توفر وزارة التموين الدقيق اللازم للمخابز لضبط السعر، مع قيام مباحث ومفتشي التموين بالتأكد من التنفيذ. ويفترض أن توسع الأجهزة الرقابية عملها بشكل كبير، لمواجهة التلاعب في الأسعار، والتعامل بحسم مع تطبيق القانون وتفعيل عمل حماية المستهلك وجمعيات حماية المستهلك وأجهزة الرقابة التموينية والمحلية، بالشكل الذي يجعل تأثيرات التضخم في حدها الأدنى. وقبل قرارات البنك المركزي الأخيرة، وجه الرئيس الحكومة بعدم فرض أعباء جديدة على المواطن، والسعى لزيادة إجراءات الحماية الاجتماعية، وأعلنت الحكومة حزمة من القرارات المتعلقة بالحماية الاجتماعية، سبقتها بتثبيت أسعار الوقود، وحزمة يبدأ تطبيقها الشهر المقبل بتكلفة 67 مليار جنيه، تتضمن رفع الحد الأدنى للأجور وعلاوة استثنائية لمجابهة غلاء المعيشة بقيمة 300 جنيه لجميع العاملين بالدولة وتشمل أصحاب المعاشات، واستمرار عدم زيادة الكهرباء للعام الثالث على التوالي، ورفع حد الإعفاء الضريبي ودعم للشركات التي تعثرت لمنع تسريح العمالة. بالطبع فإن قرارات البنك المركزي الأخيرة جاءت للسيطرة على معدلات التضخم وضمان استقرار الأسعار في السوق بشكل سريع، خاصة أن استمرار وجود أكثر من سعر للدولار، ووجود سوق مواز تسببا في نقص العملة، وارتباك الاستيراد لمستلزمات الإنتاج، وكان ضروريا أن يتم اتخاذ إجراءات لاستمرار الحفاظ على صلابة القطاع المصرفي، ورفع كفاءة عمل سوق سعر الصرف بما يسهم في تعزيز الاستدامة والصلابة للاقتصاد، وزيادة رصيد الاحتياطيات الأجنبية على نحو تدريجي ومستدام، والانتقال وبصورة دائمة إلى نظام سعر صرف مرن حيث يعتبر ذلك خطوة مهمة للتعامل مع أي فجوات في ميزان المدفوعات ولتعزيز قدرة مصر التنافسية.
كي ننجو
بعد المؤتمر الذي يصفه محمد بركات بالمهم «مصر 2022» الذي اختتم أعماله الثلاثاء الماضي، أعرب الكاتب في “الأخبار” عن أمله في أن تترسخ في نفوسنا جميعا أهمية الاهتمام بالصناعة والتركيز على تنميتها وتطويرها بكل السبل الممكنة. وفي ذلك يجب أن ندرك بكل الوعي أهمية وضرورة أن نضع قضية تطوير وتحديث الصناعة على رأس أولوياتنا، بوصفها القاطرة الطبيعية والصحيحة لنمو الاقتصاد، وضمان احتلاله المكانة اللائقة به كوسيلة ضرورية لتقدم وقوة الدولة في جميع المجالات. وأحسب أننا جميعا على وعي كامل بأن قضية التصنيع هي ركيزة اقتصادية بالغة الأهمية، في كل المراحل والخطط الخاصة بالتنمية الشاملة حاليا ومستقبليا، في ظل السعي الجاد من الدولة لجذب المزيد من الاستثمارات في المجال الصناعي. وفي هذا الخصوص لا بد من القول بأننا نتطلع إلى اليوم الذي تكون فيه جميع السلع والصناعات وكل المنتجات في أسواقنا، سواء تلك الموجودة لدى الباعة على الأرصفة، أو في المحلات العامة الكبيرة والصغيرة، كلها ودون استثناء أو حتى أغلبها على الأقل، تحمل صكا واحدا وكلمة واحدة تقول بأنها صناعة مصرية. ليس هذا فقط، بل أن تكون في الوقت ذاته على مستوى من جودة الصناعة وحسن الإنتاج ينافس ويضاهي المنتج نفسه، أو السلعة نفسها المنتجة في أرقى المصانع في أكبر الدول وأكثرها تقدما. وهذا يعني بكل بساطة أننا نأمل بأن تكون الصناعة المصرية على قدر من الجودة والإتقان، يفوق أو على الأقل يضاهي الصناعات العالمية المتطورة، حتى ننطلق على طريق التقدم والتطور ونحقق ونأخذ المكان والمكانة التي تستحقها الدولة المصرية إقليميا ودوليا.
ضيف على الحياة
بعد حرب 1948 توزع كثير من الفلسطينيين على بلاد عربية شتى، صانعين ما يسمى «الشتات»، الذي لا يزال قائما إلى يومنا هذا. تابع الدكتور عمار علي حسن في “المصري اليوم”: بعضهم وجد مجتمعات تعامله كضيف يجب أن يُكرم إلى أن يعود إلى دياره، وأخرى تشفق عليه وتحدب وتتحمل وجوده، دون سؤال عن موعد الرحيل، وثالثة لم تنظر إليه أبدا على أنه غريب، إنما هو ابن البلد الأَوْلَى بالعناية والرعاية. كان المجتمع المصري في مقدمة هذا الصنف الثالث، وهي سمة يحملها المصريون منذ أول التاريخ، حيث يفتحون أذرعهم للائذ والمستجير والهارب بحق، واللهفان والمستغيث والباحث عن أُلفة وسلامة وأمن، أو أرض جديدة لفصل مختلف من حياته، فما بالنا لو كان هذا المستجير فلسطينيا، يتعاطف المصريون مع قضيته، بل يعتبرونها قضيتهم المركزية، شأن الأغلبية الكاسحة من العرب وقتها. جاء والد الكاتب محمود يوسف خضر إلى القاهرة تاركا بيته في يافا مجبرا، إثر هجوم الإسرائيليين المتوالي على مدن وبلدات فلسطين وقراها، لدفع أهلها إلى الفرار، وأخذ كل ما يملكون من بيوت وحقول ومصانع ومدارس، إلخ، فسكن حي «الضاهر»، وفيه وُلد محمود عام 1956، وهو العام الذي كانت القضية الفلسطينية حاضرة فيه بقوة في الأذهان والنفوس مع العدوان الثلاثي على مصر، ومشروع عبدالناصر العروبي. هذا السياق المفعم بالحنين كان طاغيا على كتاب «ضيف على الحياة» وهو يضرب نوعين من الكتابة بسهم واحد، السيرة الذاتية، وأدب الرحلات، لكن الكاتب جعل من تجواله في بلاد الناس، للعمل والنزهة والتعلم، جزءا لا ينفصل عن مساره الحياتي، وجعل من طفولته وصباه في مصر نقطة الانطلاق الأساسية وسنوات النشأة والتكوين، التي لا تزال حاضرة في نفسه، نلمسها في لهجته، وسمته، وحكاياته القديمة، ويلخصها هو بعبارة شفاهية دافئة: «لم أُولد في مصر فقط، بل أنا أُعد من المصريين»، أو كما ذكر في الكتاب: «كل غريب يأتي إلى مصر يتمصر».
من لندن إلى بيروت
رغم التقارب الشديد بين الخبرين في صفحة «الأهرام» حسب رأي عبدالمحسن سلامة، فإن المسافة كبيرة، والهوة متسعة بين واقع الدولتين. الخبر الأول يخص بريطانيا، وانتخاب ريشي سوناك رئيسا للوزراء هناك، بعد استقالة ليز تراس، ليكون ثاني رئيس للوزراء في أقل من شهرين، في حين أن الخبر الثانى يخص لبنان، وفشله في اختيار رئيس جديد بعد انتهاء ولاية الرئيس ميشال عون، وذلك للمرة الرابعة على التوالي، بسبب تعذر حصول أي مرشح على ثلثى أصوات النواب. الخبران كانا متجاورين في الصفحة الأولى، إلا أنهما أوضحا حجم الهوة الضخمة بين بلد قادر على الحياة، وبلد آخر وقع في «فخ» الطائفية، وأصبحت فيه الأحزاب، والميليشيات، والولاءات الحزبية، والطائفية أقوى من الدولة. في بريطانيا استقال بوريس جونسون، رئيس الوزراء الأسبق، وجاءت ليز تراس التي لم تستمر سوى 45 يوما، والآن بريطانيا تدخل عصرا جديدا بتولي ريشي سوناك زعامة حزب المحافظين، وتوليه رئاسة الوزراء، ليكون أول رئيس وزراء بريطاني من أصول مهاجرة على غرار الرئيس الأسبق باراك أوباما في الولايات المتحدة الأمريكية. أما في لبنان، فالبرلمان «مفتت»، و«ضعيف»، وتحكمه الولاءات الحزبية الضيقة، التي يعلو صوتها فوق صوت الدولة، ومصلحتها، ومن هنا يأتى التعثر في اختيار رئيس للدولة، ورئيس للحكومة. لبنان يعيش «أسوأ» عصوره على الإطلاق، ووصل الوضع الاقتصادي فيه إلى درجة كارثية غير مسبوقة، وأصبح مشهد اقتحام المصارف فيه مألوفا، ورغم كل ذلك، فالأحزاب ترفض التنازلات، رغم الأزمات والمشكلات. في بريطانيا، الحزب الحاكم نفسه (حزب المحافظين) هو الذي يقوم بالتغيير، ويتراجع بوريس جونسون رئيس الوزراء الأسبق، عن الترشح من أجل وحدة الحزب ومصلحة المملكة المتحدة، وفي لبنان يزداد الوضع سوءا، والنخبة السياسية تكتفي بالمشاهدة والمحافظة على مصالحها فقط. أتمنى أن تراجع الأحزاب اللبنانية مواقفها من أجل اجتياز مرحلتي انتخاب رئيس للجمهورية، ورئيس للوزراء لإنهاء حالة الانهيار التي تعيشها الدولة اللبنانية.
دروس قديمة
وحدها تحلق خديجة حمودة في دروب الروح وأبجدية المشاعر قائلة في “الوطن”: تعلمنا في طفولتنا معنى أن نجمع الأرقام ونطرح منها ونقسمها على أعداد أصغر، وأحيانا أعلى، وعشنا شهورا نردد جدول الضرب بقلق وخوف من النسيان أو الفشل في عملية اعتبرناها كفاحا وقتالا وضرورة لا بد منها حتى نحفظ معنى الأرقام التي نرددها، بعد ما يلي علامة الضرب، وعرفنا أن هذا الجدول هو تذكرة مرورنا إلى عالم الكبار والمحاسبين ودارسي الرياضيات والجبر والهندسة والاحتمالات والإحصاء، وفهمنا معنى المعادلات الحسابية وأنه لا بد من ناتج منطقي لها يستوعبه العقل ويصحح المفاهيم. وعندما مرت بنا السنوات وكبرت قلوبنا واتسعت لتضم الحبيب الذي شاركنا الأحلام والأمنيات وأجمل الأيام، عرفنا أن للحب حسابات أخرى. ففي هذه العلاقة الجميلة الراقية الفريدة العزيزة، التي نمارسها بتلقائية منذ ميلادنا، دون أن نشعر فنلتصق بالأم دون تردد ونعدو نحو الأب بخطوات تتسارع ونسابق بها الأيام والأحداث، لنلقي بأنفسنا بين ذراعيه ونظل نناغى ونضحك وننهل من ذلك النبع الذي لا ينضب، وفقا لحسابات أخرى. وعندما ترتعش الأيدي وتتسارع نبضات القلوب ونسهر الليالي مع الأغاني والألحان ودواوين الشعر وقصص أيقونات العشق والهوى، وتنهمر دموعنا على قيس وليلى وروميو وجولييت وحسن ونعيمة وأحمد رامي، الذي أذابه الحب والدكتور إبراهيم ناجي الذي كتب لحبيبته أشهر قصائده على ورقة من دفتر مرضاه، خوفا من أن تضيع منه الأفكار والكلمات فعاشت تلك القصيدة عقودا وعقودا وتناقلتها الأجيال في إعجاب وحب، وحلم كل منا وأمنيته أن تكون له ولحبيبته وحدهما في حساب خاص جدا.
جدوى الانتظار
عندما ننتظر المسافر سنوات وسنوات، دون ضجر أو ملل، بل كما تعترف خديجة حمودة بمتعة لا يعرفها إلا من ذاب واندمج واختلطت خلاياه بخلايا الآخر، ننتظر لحظة اللقاء والعناق والاختباء بين ذراعي القادم بعد غياب، فمن المؤكد أن كل هذا يخضع لحسابات خاصة جدا. أما هؤلاء الذين يمارسون الصفح والغفران ونسيان الوجع والخطأ، وإلغاء أيام من العذاب والحديث من طرف واحد، دون تلقي أي رد، والدعاء أن تزورنا ليلة القدر وتفتح لنا السماء وتستجاب دعواتنا لنطلب عودة ذلك الذي هجر وابتعد ونغمض أعيننا في انتظار أن نشعر بلمسات رقيقة فوق كتفنا، تشير إلى أنه عاد، فتكون المفاجأة والجائزة الكبرى على ممارسة الصبر بلا ملل ولا ضجر ولا ندم، إلى آخر مدى طبقا للحسابات الأخرى. وإذا بحثنا عن أصل الكلمة فإن مصطلح علم الحساب تم استبداله بعلم الرياضيات، التي يرجع أصلها إلى الكلمة اليونانية (mathema) وتعني (ما الذي تم تعلمه) أو (ما يمكن للمرء أن يعرفه)، فهل كان في ذاكرة هؤلاء الذين ترجموها ووضعوها في الموسوعات العلمية والعربية والأجنبية، حسابات الأحبة والعشاق وما علمته لهم التجربة؟ ولعل من أجمل ما كتب عن ذلك ما قالته الأديبة أحلام مستغانمي: «تهزمنا الذاكرة لأن لها عملاء يقيمون فينا يديرون شؤونها لحساب حبيب، يتآمرون علينا لمصلحته، كل حواسنا تعمل لديه والبعض بمرتبة ضابط اتصال»، أما الفيلسوف هرقليطس فكتب: «من الصعب أن تقاوم الرغبة في قلبك، فلو فعلت ذلك سيكون كل ما تبتلعه من الحياة على حساب روحك النازفة». ولأننا نعيش الحب بحسابه الخاص جدا فقد أبدعت رضوى عاشور حين قالت: «تشاغل عن بطء الساعات بحساب السنين”. أما الأديب جان كوكتو فكان له رأي في نتائج حب الفن حين قال: «يفتح الملحن باب القفص للحساب، والرسام يعطى الهندسة حريتها». أما أنا فقد قرأت وتعلمت وأتقنت حساب المشاعر على أيدي أشهر العلماء، فقد علمني إبراهيم الفرازي، صاحب جدول الحساب الفلكي، الذي يبين موقع النجوم وتحركاتها، كيف أنير الطريق ليلا لحبيبي، ومتى أختار له لحظة التحرك طبقا لضوئها وعطائها، ومن عالم الرياضيات أقليدس، الذي لقب بأبي الهندسة.