الناصرة ـ «القدس العربي»: منذ بدء عدوان «كاسر الأمواج» الإسرائيلي في آذار/مارس تتعرض الضفة الغربية وبالتحديد شمالها وخاصة مدينة نابلس لحالة حصار وانتهاكات إسرائيلية للحقوق الفلسطينية على أنواعها، وهي ترتقي لمستوى جرائم منذ مطلع الشهر الجاري. وتشمل هذه الانتهاكات جرائم قتل وإعدامات ميدانية واغتيالات ومداهمة البيوت في النهار والليل وترويع الأهالي وتعرض المدنيين للخطر الشديد عدة مرات كل أسبوع. وهناك جهات إسرائيلية أيضا، حقوقية وصحافية تتهم «حكومة التغيير» التي يقودها يائير لابيد بتصعيد التوتر والهجمات على الفلسطينيين طمعا بكسب نقاط سياسية حزبية ضمن المناكفات الداخلية بين الائتلاف والمعارضة عشية الانتخابات الإسرائيلية للكنيست الخامسة والعشرين بعد غد الثلاثاء. ولابيد الذي زعم في خطابه في الأمم المتحدة في الشهر الماضي أنه مؤيد لتسوية الدولتين يقود حملات دموية ضد الفلسطينيين نافيا أن يكون ذلك جزءا من الدعاية الانتخابية ومحاولة سحب البساط من تحت أقدام المعارضة برئاسة نتنياهو التي تتهمه وحكومته بالضعف والعجز وقلة الخبرة الأمنية. وفي نظرة للخلف يتضح أن الانتهاكات الإسرائيلية للسيادة والحقوق الفلسطينية الأساسية والفرعية تتصاعد عشية كل انتخابات إسرائيلية، حيث توظف الدماء الفلسطينية ضمن الدعاية الانتخابية. وكان رئيس حكومة الاحتلال الراحل مرشح حزب «العمل» عشية انتخابات الكنيست عام 1996 قد قاد عدوان «عناقيد الغضب» على جنوب لبنان الذي ارتكبت فيه مذبحة قانا الأولى في محاولة لأن يبرهن قدراته العسكرية وكسب النقاط، لكن نتنياهو تفوق عليه في انتخابات مباشرة بفارق أقل من 30 ألف صوت. هذه الحملات المتكررة المشابهة التي يقودها لابيد دفعت حتى صحيفة «هآرتس» لتحذير لابيد في افتتاحيتها قبل أيام من خلط الأمن بالسياسة ومن محاولة برهنة قدراته الأمنية ردا على مزاودات نتنياهو على حساب الفلسطينيين، منوهة إلى أن ما تشهده نابلس وشمال الضفة الغربية يتعدى الاحتياجات الأمنية وهذا ما ينفيه لابيد زاعما أن القرار بيد الجيش ويندرج ضمن عمليات «كاسر الأمواج» المستمرة منذ الربيع الفائت ردا على عمليات فلسطينية شهدتها عدة مدن إسرائيلية.
وضمن العقاب الجماعي المتوحش تعيش مدينة نابلس المحتلة ومخيماتها، تحت حصار مشدد فرضه جيش الاحتلال الإسرائيلي، عقب مقتل أحد جنوده، الأسبوع الماضي، فيما وصفته الأمم المتحدة العام الجاري، بأنه الأكثر دموية داخل الضفة، بما فيها القدس المحتلة منذ عام 2006. وفي فجر الجمعة عادت قوات الاحتلال وقتلت شابين من مخيم عسكر بحجة أن إحدى دورياتها تعرضت لإطلاق نار. وكان الاعتداء الأخير هو الأكثر دموية حيث استشهد فجر يوم الثلاثاء المنصرم خمسة فلسطينيين بينهم أحد أبرز قادة مجموعة «عرين الأسود» وديع الحَوَحْ وأصيب 20 آخرون على الأقل بالرصاص الحي، بينهم 3 في حالة خطرة، جراء عملية عسكرية للاحتلال الإسرائيلي على مدينة نابلس المُحاصرة منذ ثلاثة أسابيع، فيما استشهد شاب سادس في رام الله. والشهداء الستة هم: وديع الحوح (31 عامًا) وحمدي شرف (35 عامًا) وعلي عنتر (26 عامًا) وحمدي قيم (30 عامًا) ومشعل زاهي أحمد بغدادي (27 عاما) إضافة إلى الشاب قصي التميمي (20 عاما) الذي استشهد برصاص الاحتلال على مدخل النبي صالح شمال غرب رام الله.
وعلى خلفية هذه الاعتداءات والانتهاكات شهدت المدينة وبقية المحافظات الفلسطينية إضرابات تلبية لدعوة حركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح» والقوى الوطنية والإسلامية حدادًا على أرواح الشهداء وتنديدا بجرائم الاحتلال المتواصلة بحق أبناء فلسطين الذين يجدون أنفسهم محاصرين بقوات إسرائيلية غير مسبوقة من ناحية حجمها وتنوع تشكيلاتها. وهناك مصادر عسكرية تتحدث عن وجود نصف الجيش الإسرائيلي في شمال الضفة الغربية المحاصرة من كافة مداخلها. ونقلت وكالة «الأناضول» للأنباء عن مراد عبد الله، وهو سائق مركبة نقل بضائع، القول إنّ «الحال أشبه بالإغلاق الذي شهدته المدينة في انتفاضة الأقصى عام 2000 وتابع عبد الله بالقول إن «الجيش الإسرائيلي أغلق كافة المداخل، وينصب حواجز عسكرية في محيط مدينة نابلس».
إعلان حرب شاملة
بدورها، أكدت الرئاسة الفلسطينية، أن الحصار الذي تتعرض له محافظة نابلس منذ مطلع الشهر واقتحام المدن والقرى والمخيمات، واستمرار اقتحامات المسجد الأقصى المبارك والحرم الإبراهيمي، ومحاولة تغيير الوضع التاريخي فيهما، هو «بمثابة إعلان حرب شاملة على الشعب الفلسطيني وقيادته».
وقال الناطق باسم الرئاسة، نبيل أبو ردينة، الجمعة إن «استمرار هذه السياسة الطائشة وغير المسؤولة خلقت مناخا لزيادة التوتر وانفجار الأوضاع، وهو ما حذرنا منه طويلا». وأضافت السلطة الفلسطينية التي تتهم من قبل أوساط فلسطينية أنها تكتفي بالأقوال وبضريبة شفوية: «على حكومة الاحتلال أن تعي أن هذه السياسة لن تجلب الأمن والاستقرار، بل تدفع الأمور نحو وضع خطير» مؤكدا أن الشعب الفلسطيني لن يقبل باستمرار الاحتلال بأي شكل من الأشكال.
الأمم المتحدة
من جانبها، وصفت الأمم المتحدة العام الجاري، بأنه الأكثر دموية داخل الضفة الغربية منذ عام 2006 وقالت المنسقة الإنسانية بالوكالة للأرض الفلسطينية المحتلة في الأمم المتحدة، لوشيا إلمي، في بيان: «تشكّل سنة 2022 الأكثر دموية بالنسبة للفلسطينيين من سكان الضفة الغربية بما فيها الشطر الشرقي من القدس المحتلة ، منذ سنة 2006 على أساس المتوسط الشهري». وأضافت: «قُتل ما لا يقل عن 105 فلسطينيين، من بينهم 26 طفلًا، على يد القوات الإسرائيلية بالضفة الغربية منذ بداية العام. وهذا ما تؤكده تقارير جمعيات حقوقية إسرائيلية مناهضة للاحتلال مثل جمعية (بتسيلم) التي تؤكد أن العام الأخير شهد رقما قياسيا من ناحية عدد قتل الفلسطينيين ومن ناحية انتهاكات الحرم القدسي الشريف وكذلك من ناحية عدد البيوت العربية التي هدمت داخل أراضي 48 خاصة في النقب». وأضافت المسؤولة الأممية: «ارتفع المتوسط الشهري لعدد الضحايا الفلسطينيين بما نسبته 57 في المئة بالمقارنة مع السنة الماضية». وأشارت إلى انه بالمقابل «قتل فلسطينيون من الضفة الغربية عشرة مدنيين إسرائيليين، وثلاثة أجانب وأربعة جنود إسرائيليين في العام 2022». وقالت: «منذ مطلع تشرين الأول/أكتوبر وحده قتلت القوات الإسرائيلية 15 فلسطينيًا، منهم 6 أطفال، خلال عمليات تفتيش واعتقال، أو تبادل إطلاق النار أو مواجهات بينها وبين الفلسطينيين في الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، وذلك غالبًا عقب هجمات المستوطنين على القرى الفلسطينية أو اقتحامها». وتابعت: «في بعض الحالات، لم يظهر أن هؤلاء الضحايا شكلوا تهديدًا ملموسًا أو وشيكًا يبرّر استخدام القوة المميتة، ما يثير القلق إزاء الاستخدام المفرط للقوة». ولفتت إلمي إلى أنه «فضلًا عن هذا الوضع المنذِر بالخطر، يساور القلق الأمم المتحدة حيال تزايد القيود المفروضة على التنقل». وقالت: «في وقت سابق من الشهر، وبعد إطلاق النار على جنديين إسرائيليين ومقتلهما على حاجزين في نابلس (شمالي الضفة) والقدس الشرقية، فرضت القوات الإسرائيلية قيودًا مشددة على التنقل، ما حدّ من إمكانية وصول الكثيرين إلى الرعاية الصحية والتعليم وسبل العيش». وأضافت إلمي: «وقد رُفعت هذه القيود إلى حد كبير في مخيم شعفاط للاجئين (شمالي القدس) ولكنها لا تزال مفروضة على نابلس كما شهدت حوارة التي تعد إحدى نقاط الوصول القليلة إلى مدينة نابلس، زيادة في حدة عنف المستوطنين ووتيرته».
وتابعت: «تقع على السلطات الإسرائيلية مسؤولية قانونية عن ضمان حماية الفلسطينيين كافة، وهذا يشمل ضمان تدابير تُتخذ لا تؤثر على الناس على نحو غير متناسب. ويحتل خفض التصعيد أهمية حاسمة لتفادي المزيد من الخسائر في الأرواح ولحماية المدنيين وضمان إمكانية الوصول إلى الخدمات الإنسانية الأساسية».
بيان لا يرقى لمستوى
انتهاكات الاحتلال
من جهته وفي هذا المضمار الدبلوماسي قال مستشار وزارة الخارجية الفلسطينية السفير أحمد الديك، إن البيان الصادر عن الدول الأوروبية الذي عبّرت فيه عن قلقها إزاء «التوترات» في الأراضي الفلسطينية «لا يرتقي لمستوى ما يعانيه أبناء شعبنا من انتهاكات على يد قوات الاحتلال وميليشيات المستوطنين وعناصرهم الإرهابية». وأضاف في حوار مع على «الجزيرة» مباشر أن مدينة نابلس تتعرض لحصار ظالم للأسبوع الثالث على التوالي، وتعطلت حياة المواطنين الفلسطينيين وأصيبت بشلل تام، خصوصًا ما يتعلق بحرية التنقل والوصول إلى المدارس والمؤسسات التعليمية والصحية وإغلاق الطرق. وأوضح أن مليون فلسطيني يتعرضون لعقوبة جماعية عبر خنقهم وحصارهم، مشيرًا إلى أن المواطن الفلسطيني ينتظر بين 12 إلى 14 ساعة حتى يستطيع الوصول إلى منزله. ووفقًا للديك، كان على الدول الغربية تحميل الحكومة الإسرائيلية المسؤولية الكاملة والمباشرة عن الانتهاكات والجرائم، وأكد أن الاحتلال هو المعتدي وهو الذي يقوم باقتحام المدن والقرى الفلسطينية وينكل بالمواطنين. وتزامنًا مع استمرار الاعتداءات التي يشنها المستوطنون على نابلس المحاصرة، أعربت كل من ألمانيا وفرنسا وإسبانيا وإيطاليا عن قلق عميق إزاء التوترات في الأراضي الفلسطينية المحتلة.