صدرت رواية جديدة للروائي أمين الزاوي بعنوان «شوينغوم» أثارت في الوسائط الاجتماعية (الفيسبوك بشكل خاص) موجة من السخرية والعدائية الغريبة والسبب أن العنوان لم يعجب البعض، أو اعتبروه مستفزا، أو ضعيفا من الناحية الأدبية (هذا في أحسن التعليقات). أما المواقف السيئة/ السلبية فهي بطبيعة الحال تخلط بين عنوان الرواية، وشخص الكاتب ومواقفه النقدية من المحرمات والمقدسات، وبالتالي جاء حكم النفي والإعدام الرمزي من دون محاكمة عادلة، وتقديم أدلة وقرائن، وسماع حجج المتهم (بماذا يا ترى؟).
لقد سلطوا عليه أقصى العقوبات، وحكموا على عنوان الرواية بسلبية تامة، والغريب أن ذلك تمّ من دون قراءة النص الروائي، ومن دون معرفة إن كان هذا العنوان مبررا في متن العمل أم لا؟ أي تمّ الحكم السلبي بدون قراءة، مثلما حدث نفس الشيء مع ذلك التكفيري الذي طعن نجيب محفوظ في الرقبة وكاد أن يقتله لولا ستر الله، من دون أن يقرأ له حرفا واحداً. لقد قيل له فقط إن نجيب محفوظ كافر وملحد وألف رواية «أولاد حارتنا» الممنوعة أعتقد حتى الآن في مصر، وهي رواية تراجع مسلمات التاريخ وتخرج عن الثوابت المقدسة، متناسين أن من مَهام الرواية مراجعة وقراءة تاريخ الإنسان بطريقتها الخاصة، بدون أن تدعي قول الحقيقة، بل هي تزعم كونها عالما تخيليا يتم تشيده باللغة وتطعيمه بالحكايات والأساطير الإنسانية الكثيرة، أي كونها رواية فهي تعترف بشرط النقصان ولا تدعي أنها تقول مطلق الحقيقة/اليقين.
ذكرني كل هذا اللغط بالسلبية أيضا التي تعاطى بها بعض المتلقين لعنوان مجموعة قصصية للكاتب السعيد بوطاجين «أحذيتي وجواربي وأنتم»، حيث اعتبره البعض عنواناً مستفزاً، بل فيه تعالي وشتم وسب للناس الذين سيطالعون هذه القصص. والغريب أن الذين وقفوا مثل هذا الموقف هم الذين يتوقفون عند عتبة النص بدون الولوج إلى عوالمه واكتشاف إن كان لهذا العنوان تبريرات أدبية داخل نصوص المجموعة القصصية، أو أنه يدخل في لعبة استدراج للقارئ وإثارته من أجل قراءة النصوص، ويمكن للسعيد أن يسرد عليكم قصصا كثيرة حدثت معه أحسن مني بسبب هذا العنوان المثير، المستفز.
وكان الكاتب الفرنسي بوريس فيان بقد نشر في سنة 1946 رواية باسم مستعار وبعنوان مستفز هو J’irai cracher sur vos tombes («سأبصق على قبوركم»)، اعتبره البعض وقِحاً للغاية، مع العلم أن الرواية تفضح النظام العنصري في الولايات المتحدة الأمريكية، ولقد مُنعت الرواية بالطبع وأدينت أخلاقياً في ذلك الوقت، لكن تصوروا أن أحدهم بعد وفاة الكاتب ذهب إلى قبره وقال سأبصق عليه الآن. وكيف يمكن أن يكون لعنوان أدبي كل هذا التأثير على بعض الناس من الغوغاء المتعصبين، مثلما كان الشأن مع عنوان مسرحية كاتب يسين «محمد خذ حقيبتك» الذي هو إدانة للعنصرية الفرنسية، لكن البعض حاول تفسيره بطريقة مختلفة وإثارة الغوغاء على ياسين، ولهذا تبدو «العناوين» مهمة حتى لو اعتبرها بعض النقاد مجرد طُعم لجذب القارئ ولفت انتباهه حتى يقتني هذا الكتاب أو ذاك .
فللعناوين سحرها أيضاً، ولها جاذبية خاصة، والكثير من الكتب سواء أكانت كتب أدب خيالي (شعر وقصة ورواية)، أو دراسات فكرية فلسفية مثل عنوان كتاب نيتشه «ما وراء الخير والشر»، أو كتاب هيدغر «طرق لا تؤدي إلى أي مكان»، أو عناوين سيوران المتشائمة، تستفزنا من العنوان وتدفعنا إلى الإقبال عليها بشغف كبير. بل إننا أحيانا نشترى الكتاب من عنوانه الذي يثير فينا حالات وجدانية توقظ شهوتنا للاكتشاف والقراءة، وتحببنا في الكتاب حتى قبل قراءته، والعكس في هذه الحالة صحيح أيضاً، فأحيانا يصدنا العنوان من البداية ويمنعنا من اكتشاف النص حتى لو كان جميلاً. وكثيرا ما يحدث معي هذا الأمر عندما أزور المكتبات وأتجول بين الرفوف حيث تلعب العناوين دورا غريبا في اقترابي من بعض الروايات، ونفوري من بعضها الآخر، لكن في هذا الأمر يدخل كذلك الغلاف وكلمة ظهر الغلاف فهي أيضا عناصر تساعد على اقتناء كتاب وترك كتاب آخر بين الرفوف. وأنا أتحدث هنا عن الكتّاب الذين لم تتحقق لهم الشهرة، وليس لاسمهم بريق، لأن في حالة بعض الروايات يكفي أن تجد اسم دوستويفسكي أو بول أوستر حتى لا تهتم كثيرا بأمر العنوان، ذلك أنك تكون على سابق معرفة بالكاتب وقيمته الأدبية فلا تهتم كثيرا بعنوان كتابه بقدر ما تهتم بالكتاب نفسه.
يمكن أن نقول أيضا إن العناوين تكون أحياناً انعكاسا لمراحل سياسية بعينها، فمثلما سادت في مرحلة الواقعية الاشتراكية ببلادنا عناوين تعكس إيجابيات الايديولوجيا الحاكمة وتطلعاتها السياسية، وعناوين من نوع «بان الصبح، الشمس تشرق على الجميع، غدا تحترق الأكواخ»، كما عبرت عناوين الشاعر الغماري عن أيديولوجية واضحة من خلال «خضراء تشرق من طهران». ونجد هذه العناوين المتفائلة حتى عند شعراء كبار كمايكوفسكي وبابلو نيرودا وناظم حكمت..الخ. ونجد عناوين العشرية السوداء دالة على تلك المرحلة وما صاحبها من جرائم بشعة، مثل «فتاوي زمن الموت» إبراهيم سعدي، و«الجنازة» رشيد بوجدرة، و«بيت من جماجم» شهرزاد زاغز..الخ. كما عكست روايات الموجة الجديدة بفرنسا مرحلة التشيؤ والحياد والبرودة عند ناتالي ساروت أو روب غرييه، أو كلود سيمون، تلك الروايات التي راهنت على الوصف الخارجي للأشياء وقد ألغت البعد النفسي الداخلي للإنسان وربما كان ذلك من الأسباب التي خلقت نفورا عند القراء من قراءتها، مع أنها أصبحت حتى هي من كلاسيكيات الماضي.
ليس كل الكتّاب يبرعون في فن العنونة، وأعتقد أنه فن مستقل بذاته، قد ينجح فيه كتّاب مثل غارسيا ماركيز الذي ما زالت عناوينه تُقلد حتى الآن، مثل «ليس للكولونيل من يراسله»، «مئة عام من العزلة»، «الحب في زمن الكوليرا»، «لا لصوص في المدينة»، «وقائع موت معلن». وعربيا قد يجد كاتب عربي نجاحا في عنوان واحد مثل حيدر حيدر في «وليمة لأعشاب البحر»، أو الطيب صالح في «موسم الهجرة إلى الشمال»، رغم بساطة العنوان إلا أنه يبقى محفورا في ذاكرتنا فترة طويلة شأن عنوان محمد ديب «من يتذكر البحر؟» أو مالك حداد «سأهبك غزالة»، أو «الشقاء في خطر». كما نجد أن كلمة واحدة مثل اختراع يعاد توطينها في عناوين مختلفة («اختراع الصحراء»، الطاهر جعوط؛ «اختراع»، مورال بيو كاساريس؛ «اختراع العزلة»، بول أوستر). ومن الضروري أن نوضح أن فن العنونة قد لا يتقنه الكاتب دائما، فهو يشبه ضربة الحظ، ولهذا يتدخل الناشر مرات ليمنح العنوان الذي يراه مناسبا، وهذا ما حدث مع كتاب فرانز فانون الأول «أقنعة بيضاء بشرة سوداء» مثلاً.