الوثائقي «مدن مكافحة الشغب ـ رايوتسفيل»: حيث تمرّست الشرطة الأمريكية على العنف

ترجمة: حيّان الغربيّ
حجم الخط
0

يتناول هذا الفيلم الوثائقي الجديد الكيفية التي صمدت من خلالها المدن الجاهزة والتكتيكات التي طُبِّقَت فيها في وجه الزمن.

لم تعد الصورة التي تنقلها لنا الثقافة الدارجة حول أمريكا الستينيات تحتفظ بنقاوتها تماماً، فتلك السنين العشر لم تعد رمزاً للهيبية وحرية الحب، إذ تسلّل ظلّ قاتمٌ إلى الصورة بفعل القلاقل المتمثلة في الاغتيالات والحرب والنقمة الشعبية. كانت الاضطرابات العنصرية واسعة الانتشار وبالغة العمق في تلك الآونة، ما أفضى إلى وقوع الصدامات العنيفة بين المواطنين من جهة والشرطة والحرس الوطني من جهة ثانية، فسُجّل ما يربو على 150 حادثة شغب خلال صيف عام 1967 وحده، ولقي عشرات الأشخاص حتفهم بينما أصيب الآلاف بجروح. ويذهب بعض الصحافيين إلى وصف تلك الحقبة بأنها الأزمة الوطنية الأحلك منذ الحرب الأهلية.

شهد الرد السياسي انقساماً على هذا الصعيد، فدعا ريتشارد نيكسون إلى «استعادة القانون والنظام»، وكان آنذاك يتأهّب لإطلاق حملته الانتخابية الرئاسيةٍ الثانية (جرى انتخابه في العام التالي). أما الرئيس الديمقراطي، ليندون جونسون، فأسس لجنة كيرنر وكلّفها بالتحقيق في أسباب الاستياء الشعبي. وأعدت اللجنة تقريراً بالنتائج خلصت فيه إلى أن «الأمة الأمريكية تتجه نحو الانقسام إلى مجتمعين منفصلين غير متكافئين، مجتمع للسود وآخر للبيض»، كما أوصت، من بين ما أوصت، إلى تمويل عملية للإسكان والتعليم وفرض نظام شرطةٍ يتحلّى بالعدالة والنزاهة في المناطق السكنية الفقيرة والاعتراف بأن العنصرية قائمةٌ ومتمترسةٌ في البلاد، فضلاً عن إقرار «نظام ملحق للدخل على المستوى الوطني»، وبالفعل، صدر عدد من تلك التشريعات الموصى بها.

«بيد أن شيئاً من هذه التوصيات لم ينفذ سوى تمويل التدريب الخاص بالشرطة» على حدّ تعبير سييرا بيتينغيل، مخرجة فيلم «رايوتسفيل (مدينة مكافحة الشغب)- يو.أس.أيه»، الذي يتناوله هذا المقال. يتطرّق الفيلم إلى الطريقة التي أنفق فيها المال المعني، إذ تم استخدامه لتشييد عددٍ من المدن الجاهزة المخصصة لتدريب الجنود على كيفية الرد على أعمال الشغب. عمد الجيش إلى بناء هذه الميادين التدريبية على غرار الأحياء التي تتمحور حول الشوارع الرئيسية المألوفة، وكان العسكريون بأزياء مدنية ينقضّون فيها على «مفتعلي» شغبٍ مفترضين في سيناريوهات معدة مسبقاً.

اعتمدت بيتينغيل بشكلٍ حصري على الأفلام المؤرشفة لدى المصادر الحكومية، وهي تستهلّ فيلمها بصورةٍ مرعبةٍ لإحدى هذه المدن المصطنعة، إذ تطوف الكاميرا بالمُشاهد فوق أحد الشوارع الخاوية، بما فيه من متاجر كالصيدليات ومحلات الأزياء، ومن ثم تعرض سيارتين منقلبتين رأساً على عقب تحضيراً للأداء الذي سيشهده المكان، وهو مكانٌ أشبه ما يكون بموقع معد لتصوير فيلمٍ سينمائي، والقصة هي ذاتها دائماً: مثيرو شغبٍ يطلقون الشرارة، ورجال شرطة يتقدّمون في تشكيلات عسكريةٍ ليردوهم قتلى ويضربوا حصارهم حول «الراديكاليين».

لم تكن تلك الأفلام الخاصة بمدن التدريب مجهولةً تماماً، فقد وجدت بيتينغيل تقارير صحافية من تلك الفترة كما عثرت على السجلات ذات الصلة بالأرشيف الوطني. بيد أن صنّاع الفيلم يذهبون إلى أن فقداناً متعمّداً للذاكرة يسود في الولايات المتحدة بشأن تلك الحقبة والمصاعب التي انطوت عليها

ومن ثم تنتقل المخرجة إلى عرض فيديوهاتٍ نادراً ما نراها مقدمةً فيها لمحةً حول الأجواء السائدة في أمريكا خلال ستينيات القرن المنصرم ومسلّطةً الضوء على التباين بين رؤية السيطرة والأمن التي تجسّدها المدن التدريبية، وإمكانية التغيير الاجتماعي التي كانت تلوح في الأفق. وبدلاً من عرض الحرائق المضطرمة في ديترويت ونيوارك، اللتين شهدتا أكثر الاضطرابات تدميراً عام 1967، تورد بيتينغيل فيديو من منتدى تلفزيوني يحكي فيه أشخاصٌ من مدن مختلفة تجاربهم ويعبّرون عن آمالهم بإحراز التقدّم. كما تتم الإشارة إلى التأثير الذي خلّفه اغتيال مارتن لوثر كينغ خلال شهر إبريل/نيسان عام 1968 من خلال فيديو للموسيقيين والناشطين في حركة الحقوق المدنية، جيمي كوليير وفردريك دوغلاس كيركباتريك، وهما يؤدّيان الأغنية الشعبية المؤثرة بشكلٍ هائل «بيرن بيبي بيرن- Burn Baby Burn». تقول بيتينغيل: «إن أحد أبرز أهداف هذا الفيلم هو عدم عرض أي فيديو قد يبدو مألوفاً» تشجيعاً للمشاهد على التفكير بطريقةٍ جديدة حول تلك الحقبة التي نُسج حولها العديد من الأساطير.

لم تكن تلك الأفلام الخاصة بمدن التدريب مجهولةً تماماً، فقد وجدت بيتينغيل تقارير صحافية من تلك الفترة كما عثرت على السجلات ذات الصلة بالأرشيف الوطني. بيد أن صنّاع الفيلم يذهبون إلى أن فقداناً متعمّداً للذاكرة يسود في الولايات المتحدة بشأن تلك الحقبة والمصاعب التي انطوت عليها، إذ يقول كاتب المقالات، توبي هاسليت، الذي تولّى كتابة نص الفيلم: «ما أثار اهتمامنا هو أن هذه الفيديوهات قد شكّلت سرّاً مكشوفاً بطريقةٍ ما». عكست التقنيات المعتمدة في هذه المدن النموذجية عملية إضفاء الحرفية والمهنية العالية على رد الشرطة على الاحتجاجات والقلاقل، وهي مقاربةٌ سرعان ما وضعت حيز التنفيذ. وتبلغ السلسلة التصاعدية ذروتها في الفيلم لدى عرض استخدام الغاز المسيّل للدموع، جنباً إلى جنب مع وسائل أخرى مخصصة للسيطرة على الحشود، ضد المدنيين إثر مظاهرةٍ تحوّلت إلى أعمال عنفٍ في ليبرتي سيتي (مدينة الحرية) في فلوريدا خلال شهر أغسطس/آب عام 1968. في تلك الأثناء، كان المؤتمر الوطني الجمهوري ملتئماً على بعد بضعة أميال في ميامي بيتش. لعبت تلك الحقبة دوراً أساسياً في عسكرة أفراد الشرطة ومعداتها وفقاً لما يخلص إليه الفيلم.

وبالتالي، ثمة أوجه شبه تجمع بين تلك الفترة ووقتنا الراهن كما يبدو من الفيلم، وإن كانت بيتينغيل قد بدأت العمل عليه قبل المظاهرات التي جرت على خلفية مقتل جورج فلويد عام 2020. وتعكف الحكومات المحلية اليوم على إعداد خططٍ لإنشاء مرافق للشرطة بتكاليف باهظة على غرار تلك المرافق التي أنشئت قبل 50 عاماً. تقول بيتينغيل: «ثمة اقتراح لإنشاء مدينة تدريبية لمكافحة الشغب على تخوم أتلانتا وأخرى في شيكاغو، وتدعى الأولى: مدينة الشرطة». لعلّ الفيديوهات المثيرة للقلق والتي ينتشلها فيلم «رايوتسفيل- يو.أس.أيه» من الأرشيف قد تلفت انتباهنا إلى لحظات شهدها التاريخ منذ وقتٍ طويلٍ مضى، ولكنها قد تبدو بمثابة النبوءة حقاً.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية