قصاصات الحب والإيمان في أغنية دوللي بارتون

في أغنية معطف الألوان الكثيرة Coat of Many Colors الصادرة سنة 1971، تروي المغنية الأمريكية دوللي بارتون، جانباً حقيقياً من سيرتها وما عاشته بالفعل في مرحلة الطفولة، وتخبر العالم عن معطفها الذي خاطته أمها بيديها، وكونته وجمعت أجزاءه من قطع القماش الصغيرة متعددة الألوان، وغمرت نسيجه بالحب مع كل غُرزة من غرزها، عندما كانت تمر الأسرة ببعض الظروف الصعبة والمعاناة المادية.
تعكس الأغنية حجم الأثر الذي خلقه هذا المعطف في نفس دوللي بارتون، منذ الصغر وطوال سنوات حياتها، حتى بعد أن حققت النجاح الهائل وأصبحت النجمة الكبيرة، التي تقف متألقة وسط أشهر مغنيات العالم، والاسم المهم في ميدان موسيقى الكانتري، أو ملكة الكانتري كما يقال، وصاحبة العديد من الأغنيات التي حطمت الأرقام القياسية، على مستوى الاستماع والمبيعات. وإلى جانب الفن تُعرف دوللي بارتون كإحدى كبار محبي الخير، ذلك أنها تساهم وتعمل على تنفيذ الكثير، من المشاريع الخيرية والأعمال الإنسانية. من خلال هذه الأغنية، جعلت دوللي بارتون معطفها القديم، من أشهر المعاطف في العالم، وفي الأعمال الفنية والأدبية، ويوجد هذه المعطف حالياً في متحفها الخاص داخل «دولليوود» المدينة الترفيهية التي أقامتها، حيث وُلدت ونشأت في ولاية تينيسي، وتحتوي هذه المدينة على ملاه وألعاب للصغار والكبار، ومتحف لأعمالها الموسيقية، وبعض المقتنيات والملابس والأيقونات التي تحفظ تاريخها الفني.

الحكي والغناء في موسيقى الكانتري

يمكن وصف أغنية معطف الألوان الكثيرة بأنها حكاية مُغنّاة، فهذه الأغنية القصيرة التي تمتد لنحو ثلاث دقائق تقريباً، تضم في داخلها الكثير من المعاني والصور الشعرية، وتنفتح على قصص أخرى أشمل وأكبر، ذات اتصال عميق بالأديان السماوية الثلاثة، وتتسع لقيم ومفاهيم إنسانية راقية ومؤثرة. لا يجيء وصف الأغنية كحكاية مُغنّاة، لأنها تروي قصةً ما وحسب، وإنما يرتبط ذلك الوصف بأسلوب الغناء نفسه، الذي تتبعه دوللي بارتون، فهي تؤدي بطريقة تقع في منطقة وسطى ما بين الحكي والغناء، دون أن يطغى أحدهما على الآخر، فيستطيع السامع أن يتمتع بالحكي والغناء معاً، ولا يشعر بأنه استمع إلى حكي فقط، أو إلى غناء فقط. ودوللي بارتون حكاءة رائعة بشكل عام، سواء في حواراتها التلفزيونية، أو في حفلاتها التي تحتوي بالإضافة إلى متعة الغناء، متعة سماع ما تحكيه دوللي من قصص ومواقف، بين أغنية وأخرى. تنتمي هذه الأغنية إلى نوع موسيقي محدد، هو موسيقى الكانتري، نشأ هذا الفن في الولايات المتحدة الأمريكية، وسط أجواء الريف والمزارعين، والجبال والمساحات الخضراء الشاسعة. تقوم هذه الموسيقى على أنغام الغيتار بشكل أساسي، بالإضافة إلى بعض الآلات الموسيقية الأخرى، منها ما هو عادي ومتعارف عليه، ومنها التقليدي القديم الذي يرتبط بموسيقى الكانتري، أكثر من أي نوع موسيقي آخر. ويعتمد غناء الكانتري إلى حد ما على القص والحكي، فلا تخلو بعض الأغنيات من رواية ما لحكاية مكتملة، أو فصل من فصول هذه الحكاية، أو موقف من المواقف الموحية. في هذه الأجواء المشبّعة بموسيقى الكانتري، وُلدت وكبرت دوللي بارتون، حيث تُعد ولاية تينيسي من أهم معاقل موسيقى الكانتري، في الولايات المتحدة الأمريكية. وكذلك تُعد أغنيتها معطف الألوان الكثيرة، من أجمل نماذج موسيقى الكانتري التي يمكن الاستماع إليها، لحناً وإيقاعاً، وغناءً لكلمات مؤثرة ذات أبعاد إنسانية عميقة.

حكاية المعطف

تبدأ الأغنية بالبداية التقليدية للحكاية، حيث يكون الرجوع إلى الماضي، هو المدخل والتمهيد لما هو مقبل من حكي، وينطلق الغناء مع انطلاق الموسيقى أو بعده بثوانٍ قليلة. تغني دوللي بارتون عن صندوق، يمتلئ بقطع وقصاصات من الأقمشة، أعطاه أحد الأشخاص إلى أسرتها. وأخذت أمها تستخدم هذه القصاصات، وتجمع القطع الصغيرة المختلفة في ألوانها، من أجل أن تصنع لدوللي معطفاً، مع الاقتراب من فصل الخريف، وتخيط كل قطعة بالحب، حتى اكتمل معطف الألوان الكثيرة، الذي كانت دوللي فخورة به. بعد ذلك تنتقل دوللي إلى غناء المقطع الثاني من الأغنية، الذي يشير إلى حكاية النبي يوسف، ومعطفه متعدد الألوان، فتقول إن أمها كانت تروي حكاية قرأتها في الإنجيل، بينما هي آخذة في خياطة المعطف، وتربط بين المعطف الذي تخيطه لدوللي، والمعطف الذي ارتداه النبي يوسف، وتتمنى أن يجلب هذا المعطف، السعادة والحظ الجيد لصغيرتها، وتقول دوللي إنها كانت لا تطيق الانتظار، حتى ترتدي هذا المعطف الذي باركته أمها بقبلة. وفي المقطع الثالث تُقرّب المستمع أكثر من معطفها، وتقول إن هذا المعطف متعدد الألوان الذي صنعته لها أمها، كان مكوناً من قطع القماش الصغيرة، لكنها ارتدته بفخر، وعلى الرغم من أن أسرتها لم تكن تمتلك المال، إلا إنها كانت غنية إلى أقصى حد، وهي ترتدي معطف الألوان الكثيرة الذي خاطته أمها.

وتوضح المزيد عن حالتها المادية في ذلك الوقت، من خلال ما تُغنيه في المقطع الرابع، حيث تقول إنها ذهبت إلى المدرسة مسرعة، وهي ترتدي المعطف مع سروال مُرقّع وحذاء مثقوب، لتجد الآخرين يضحكون ويسخرون من مظهرها، ومن معطفها الذي تعتز به، وتفتخر بأنه من صُنع أمها. وفي المقطع الخامس، تحكي كيف كان رد فعلها تجاه هذه السخرية، وهذا الأذى النفسي الشديد الذي يمارسه هؤلاء الصغار، فتقول إنها لم تفهم ما كان يجري، لأنها كانت تشعر بأنها غنية بالفعل. وحدثتهم عن الحب الذي خاطت به أمها المعطف في كل غُرزة، وأخبرتهم قصة النبي يوسف، التي روتها لها أمها وهي تخيط المعطف، وكيف أن هذا المعطف في نظرها أغلى وأثمن من ملابسهم كافة. وفي المقطع السادس والأخير الذي تُختتم به الحكاية/ الأغنية، تقول دوللي بارتون، إنها حاولت إفهامهم أن المرء يكون فقيراً فقط عندما يختار ذلك، وإنها على الرغم من عدم امتلاك أسرتها للأموال، كانت غنية إلى أقصى حد ممكن، وهي ترتدي معطف الألوان الكثيرة، الذي صنعته أمها لها، ولها هي فقط.

أكبر من أغنية

قد تبدو هذه الأغنية للبعض في بداية الأمر كعمل فني بسيط، لكنه يكتشف مدى عمقها وثرائها بعد ذلك، مع حُسن الإصغاء والتمعن في المعاني والأفكار التي تطرحها الأغنية. فالموسيقى غير معقدة التراكيب، وكذلك الميلودي والجملة النغمية المتكررة. ولا تتخذ الكلمات أبعد الطرق وأطولها التفافاً، لوصف الإحساس ونقل المعنى. حتى الغناء، لا يجد فيه السامع انتقالات درامية كبيرة، خلال عملية التعبير العاطفي، أو المبالغة في إظهار المشاعر، فلا تنتقل دوللي بارتون بصوتها، من الفرح إلى الحزن مثلاً بطريقة حادة. قد تُدمع دوللي عين السامع تأثراً بما تغنيه، لكنها لا تحول الأمر إلى مأساة، ويُلاحظ أنها توظف اهتزازات صوتها المتميزة جيداً، وارتعاشاته التي تشبه حركة الهواء بين الجبال في هذه الأغنية، وتنوع في إيقاع الغناء ضمن الحكي المنغم المستمر طوال الأغنية، من حيث السعة وعلو الصوت وانخفاضه، وتغني دوللي بارتون بالبساطة ذاتها، التي كانت تغلف مشاعر فتاة صغيرة، ولا تنظر إلى الماضي بغضب، أو تحاول أن تثبت أنها انتصرت على ذلك الماضي.

كل شيء في أغنية معطف الألوان الكثيرة، هو أكبر مما يبدو، فالمعطف ليس مجرد قطعة من الملابس، وإن كان عزيزاً على نفس المغنية، لكن هذا ليس السبب الوحيد.

لم تبتدع دوللي بارتون هذه الأغنية من عالم الخيال، وإنما من ذكرياتها الواقعية، ورغم ذلك يبقى من أهم ما تفعله هذه الأغنية، هو إنها تفتح مخيلة السامع على صور ومناظر، وأشياء لا يستطيع أن يراها بعينيه، لكنه يراها بذهنه، كصندوق قطع القماش الملونة، وكيف أن هذه القطع صغيرة بحيث لا تكفي لصنع قطعة ملابس متجانسة متسقة الألوان، ومنظر الأم وهي تعمل على حياكة هذه القطع، وجمعها مع بعضها بعضاً، بصبر وإيمان وحنايا ممتلئة بالحب.
كل شيء في أغنية معطف الألوان الكثيرة، هو أكبر مما يبدو، فالمعطف ليس مجرد قطعة من الملابس، وإن كان عزيزاً على نفس المغنية، لكن هذا ليس السبب الوحيد.
فالمعطف رمز لأمور أخرى كثيرة، كعطف الأم وحنوّها وقوتها في مواجهة الصعاب، وتشبثها بالإيمان الذي يزودها بالأمل وانتظار الأفضل. والحب الذي تغمر به أولادها، وكل شيء تصنعه بيديها، فالمعطف الذي كانت ترتديه دوللي الصغيرة، كان أحد ينابيع حنان الأم الدافق، وجزءاً من شجاعتها وصبرها ووداعتها، يغلف الطفلة بغلاف صلب من الخارج يمكنها من مواجهة الآخرين، ويبث في داخلها روحاً من القوة والثقة في النفس، والشعور بالفخر والاعتزاز. ويرتبط المعطف بقصة سيدنا يوسف المذكورة في الكتب السماوية الثلاثة، وإن اختلفت في بعض تفاصيلها من كتاب مقدس إلى آخر، وسواء كان اسم هذه القطعة من الثياب، التي كان يرتديها النبي يوسف قميصاً أم معطفاً، فإن القصة معروفة لدى الجميع، ومعروف تأثيرها العظيم في نفوس البشر كأحد أروع القصص الإنسانية. وتعتمد الأغنية على الحكاية التي تقول بأن النبي يعقوب صنع لابنه المحبب إلى نفسه يوسف، معطفاً متعدد الألوان، وهو ما أثار غيرة إخوته، إلى جانب ما كان يرويه من أحلام تنبئ بمستقبله العظيم، فقرروا التخلص منه. ففي قصة سيدنا يوسف كان المعطف رمزاً لحب الأب، وفي أغنية دوللي بارتون صار المعطف رمزاً لحب الأم، وإيمانها بالقدر وهداياه الرائعة، التي تعوض المرء عن آلامه ومعاناته.
تحولت هذه الأغنية إلى فيلم سينمائي بعنوان، معطف دوللي بارتون متعدد الألوان، سنة 2015، وهذا يدل على مدى اتساع هذه الأغنية، وكبر حكايتها التي تُروى موسيقيا في ثلاث دقائق تقريباً، لكنها تخطت الساعتين عندما تحولت إلى فيلم سينمائي، وتظهر دوللي بارتون في بداية الفيلم، وفي نهايته، وهي ترتدي فستاناً طويلاً مكوناً من قطع القماش الصغيرة، أو ما يوحي بذلك، تماماً كالمعطف القديم، كما تلعب دور الراوي الذي يحكي بعض المشاهد بصوته في الخلفية، وتُسمع الأغنية بالطبع بشكل متقطع طوال الفيلم.
ما كتبته دوللي بارتون من كلمات وما صاغته من لحن، على الرغم من بساطتهما، يؤثران في السامع إلى حد بعيد، وبشكل لا يجعله ينسى هذه الأغنية، وما تحتوي عليه من جمل تصلح لأن تُتخذ كاقتباسات، فيها شيء من الحكمة والمعاني الجميلة، كجملة «لا يكون المرء فقيراً إلا إذا اختار أن يكون كذلك» و «على الرغم من أننا لم نكن نمتلك المال، إلا إنني كنت غنية بقدر المستطاع».
فالأغنية تتحدث عن الثراء الحقيقي، الذي لا يُعد المال مقياسه الوحيد، فهناك من يملك الكثير من الأموال ويبدو فقره ظاهراً، وهناك من لا يملك المال، ويُثير غيرة الآخرين بغناه الداخلي وثرائه النفسي. وقد اختبرت دوللي بارتون كلا من الفقر والغنى، وظلت متمسكة بمعنى الثراء الحقيقي، الذي تدرك أهميته كقيمة من القيم الحسنة التي يجب نشرها، وهو ما فعلته من خلال أغنيتها الممتلئة بالخواطر الإنسانية الرائعة.

كاتبة مصرية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية