تايبيه- «القدس العربي»: شاركت «القدس العربي» مجموعة من الإعلاميين الدوليين جولة نادرة لبعض المؤسسات الرسمية لدولة تايوان، التي تتمتع بحكم ذاتي، وذلك تزامناً مع احتفال الجزيرة بمناسبة العيد الوطني.
بدأت الجولة بزيارة للقصر الرئاسي في العاصمة تايبيه ولقاء رئيسة الدولة تساي إينغ وين، ثم التوجه خارج القصر وحضور الاحتفال الرسمي للعيد الوطني الذي تخللته عروض عسكرية ورقصات فلكلورية، وكلمات تؤكد صمود الجزيرة أمام تهديدات الصين العسكرية، حيث ترفض حكومة تايوان مطالب بكين بالسيادة وتقول إن شعب الجزيرة فقط هو من يمكنه تقرير مستقبله.
«القدس العربي» تتجول في الجزيرة بدءا من القصر الرئاسي والمتحف الوطني وصولا لمسجد تايبيه الكبير
وفي خطابها بمناسبة العيد الوطني، قالت رئيسة تايوان، إن المواجهة المسلحة بين تايوان والصين «ليست خياراً على الإطلاق»، في حين تعهدت بتعزيز دفاعات الجزيرة وكررت استعدادها لإجراء محادثات مع بكين.
وأضافت تساي إينغ وين: «أريد أن أوضح لسلطات بكين أن المواجهة المسلحة ليست خياراً على الإطلاق للجانبين (…) لن يكون هناك أي أساس لاستئناف التفاعل البناء عبر مضيق تايوان إلا من خلال احترام التزام الشعب التايواني بسيادتنا وديمقراطيتنا وحريتنا».
بعد ذلك، توجهت مجموعة الإعلاميين، بتنسيق من وزارة الخارجية، إلى مقاطعة شيأي في الجنوب الغربي للبلاد لزيارة المتحف الوطني هناك، ثم حضور عرض الألعاب النارية الذي استمر 45 دقيقة، وجهت فيه الدولة عدة رسائل داخلية وخارجية تمثلت بالسلام والوحدة والتطور التكنولوجي وإظهار القوة العسكرية.
في اليوم التالي، التقت مجموعة الصحافيين وزير الخارجية التايواني جو شيه جوزيف وو، في مقر الوزارة وسط العاصمة تايبيه. وقال إنه إذا حدث هجوم أو غزو صيني على بلاده يجب حينها على كل تايواني الدفاع عن أرضه وبلاده، كما حدث في أوكرانيا.
وتوقع جوزيف وو، خلال اللقاء، أن يشدد الحزب الشيوعي الصيني موقفه تجاه ملف تايوان، لافتاً إلى أن الحزب يعاقب كل من يدعو إلى الانفصال بمقاضاته قانونياً وحبسه.
وجاء حديث وزير خارجية تايوان قبل أيام من قرار صدر في ختام المؤتمر الذي يعقده الحزب الشيوعي الصيني كل خمس سنوات، إدراج إشارة في ميثاقه تنص لأول مرة على معارضة بكين لاستقلال تايوان.
وجاء في القرار أن مؤتمر الحزب الشيوعي «يوافق على إدراج بيانات في ميثاقه حول (…) المعارضة الحازمة للانفصاليين الذين يسعون للحصول على (استقلال تايوان) وردعهم».
وحصل الرئيس الصيني شي جينبينغ، خلال المؤتمر، على ولاية ثالثة تاريخية على رأس الحزب الشيوعي، بعد أن أزاح أيّ معارضة في البلاد وداخل صفوف الحزب، ليصبح بذلك أقوى قائد للصين منذ مؤسس النظام ماو تسي تونغ.
وعينت اللجنة المركزية الجديدة للحزب الشيوعي بعد إدخال تعديلات واسعة عليها شي جينبينغ لولاية ثالثة من خمس سنوات، ما يمهد لتثبيته رسمياً على رأس الدولة لولاية جديدة في آذار/ مارس 2023.
وحذّر وزير خارجية تايوان، خلال اللقاء الذي شاركت به «القدس العربي» في العاصمة تايبيه، من أن الصين تسعى إلى تحويل الجزيرة الديمقراطية إلى هونغ كونغ ثانية، وقال: «أصبحت حياتنا اليومية صعبة بشكل متزايد مع استمرار الصين في الضغط على تايوان لنقبل بشروطها السياسية، وهي الشروط التي ستُحوّل تايوان إلى هونغ كونغ ثانية».
وأضاف جوزيف وو: «هذه قضية كل تايواني يدافع عن نفسه وعن أرضه، يجب أن يكون لهم العزيمة والشجاعة لحماية حريتهم واقتصادهم، كما يحدث الآن في أوكرانيا، فالأوكرانيون هم من يحارب الغزو الروسي».
وفي لقاء آخر مع وزير شؤون البر الصيني، الذي اعتبر في إجابته عن سؤال لـ»القدس العربي»، أن الصين هي دولة عدوانية توسعية ومثلما دمرت ديمقراطية هونغ كونغ وجعلت المنطقة في حالة من عدم اليقين وعسكرة بحر الصين الجنوبي، تريد أن تدمر تايوان، وبسبب هذا الأمر فالصين تمثل تهديداً للولايات المتحدة الأمريكية والنظام الدولي الجديد والسلام العالمي.
وتعتبر بكين هذه الجزيرة التي تعدّ 23 مليون نسمة جزءاً من أراضيها رغم أن تايوان لديها حكومتها الخاصة منذ أكثر من 70 عاماً.
وارتفعت حدة التوتر حول الجزيرة بشكل كبير مع الولايات المتحدة منذ قامت رئيسة مجلس النواب الأمريكي نانسي بيلوسي بزيارة لتايوان في آب/ أغسطس الماضي. وباعتبارها هذه الزيارة هجوماً على سيادتها، قامت بكين بأكبر مناوراتها العسكرية رداً على ذلك.
لم يكن الهدف وراء الزيارة لتايوان إظهار سياستها تجاه الصين فقط، بل كان أيضاً ترويجياً لما حققته من تقدم في جميع المجالات، الصحية والزراعية والثقافية، إضافة إلى التطور التكنولوجي الهائل، خاصة أن البلاد تهدف إلى أن تصبح مركزاً لتكنولوجيا أشباه الموصلات المتقدمة، التي أصبحت عصب الحياة المعاصرة في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين.
ورقائق أشباه الموصلات هي باختصار، ما يشغّل الحاسوب أو الهاتف الذكي، وما يشغّل الإلكترونيات كافةً، مثل ألعاب الفيديو، والصراف الآلي، وأجهزة التحكم عن بعد في التلفاز وغيره.
واللافت للنظر خلال هذه الزيارات أن للمرأة نصيباً كبيراً في العمل القيادي، وتتولى أبرز وأهم المناصب العليا في المجتمع.
وخلال زيارة متحف القصر الوطني في تايبيه، تعرفنا إلى أهم التحف النادرة وروائع المنحوتات الفنية التاريخية وبعض من آثار ومقتنيات مؤسس جمهورية الصين (تايوان) شيانغ كاي شيك، ومن بينها مجسم ضخم لخريطة العالم وضمنه خريطة فلسطين التاريخية كتب عليها «إسرائيل».
ولفت مراسل «القدس العربي» انتباه رئيسة المركز إلى أن المجسم «ليس إسرائيل، بل فلسطين» لترد بتعجب: «هل هذا صحيح.. حسناً، سننظر في الأمر».
وسياسة تايوان تجاه فلسطين ترتكز على ما يصدر من الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي من قرارات رسمية بخصوص قضية فلسطين والصراع العربي الإسرائيلي، كما أكد ذلك لـ»القدس العربي» الممثل المقيم للمكتب الاقتصادي والثقافي التايواني في العاصمة الأردنية عمان، مشيراً إلى أن دولته يجب أن تعيد النظر في موضوع الخريطة.
ومع أن نسبة المسلمين في تايوان أقل من 1.5% من عدد المواطنين الذين يبلغ عددهم 23 مليون نسمة، لكن الدولة توفر لهم حرية ممارسة الدين والمعتقد، فصلاة يوم الجمعة في مسجد تايبيه الكبير تأتي بكل أريحية ويسر، حيث خصصت الدولة جانباً من الشارع أمام المسجد كموقف لسيارات المصلين في هذا اليوم فقط، وكان ذلك لافتاً يشعرنا بالدهشة.
الإمام في صلاة الجمعة تحدث في الخطبة الأولى باللغة العربية عن السيرة النبوية العطرة للرسول محمد (صلى الله عليه وسلم)، وعن أهمية قراءة القرآن الكريم وتعلمه وتعليمه للأطفال، والعمل بما أنزله الله في كتابه الكريم، وفي الخطبة الثانية تحدث باللغة التايوانية عن الموضوع نفسه.