ما من شك بأن للمثقفين اليهود دوراً في تمكين المشروع الصهيوني، أو في خلق نظام خطابي يتعالق بمنظومة الهوية. يرى جيرار لكليرك في كتابه «سوسيولوجيا المثقف» بأن دور المثقف يتحدد بقدرته على الفعل القولي، ولكن بهدف النهوض بهوية جماعة معينة، وهنا لا بد أن نستدعي ثيودور هيرتزل بوصفه مثقفاً امتلك دراية كافية بأهمية اندماج اليهود في المجتمعات الغربية كما أشار عبد الوهاب المسيري في موسوعته (ص 214)، لقد سعى هيرتزل إلى تحوير المشروع الصهيوني عبر دفعه إلى مزيد من التّطبيع مع الاتجاهات العلمانية التي اجتاحت أوروبا مستفيداً من النزعة الاستعمارية، وساعياً في الآن ذاته إلى خلق صورة اليهودي الجديد عوضاً عن صورة اليهودي المنفي، أو الوجودي. فالتشكيل الجديد للشّخصية اليهودية، ينبغي أن يقترب من النموذج الأوربي من حيث تبني العقلانية، ومفارقة الخرافات والسّلبية، والضعف، والعقائد الجوفاء كما ذهب الن غريش في كتابه «علام يطلق اسم فلسطين» (ص122). لقد استجاب هيرتزل لأحد أهم معايير تحديد المثقف من حيث اندغامه في صوغ خطابات الهوية، وترجمة الأفكار إلى واقع حقيقي. وهكذا فإن قيمة المثقف تتحدد في القدرة على تحقيق، وخدمة الأهداف العليا لأمة ما، أو في سياق ما أطلق عليه المسيري «العقد الصامت» الذي توج بتحقق إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين (المسيري، ص214). وبهدف تتبع دور المثقف اليهودي بوصفه نموذجاً للمثقف الذي يسعى إلى تكوين وصوغ الهوية خطاباً وممارسة، لا بد لنا من أن نمضي في استعراض بعض أدوار المثقفين اليهود، ولاسيما من حيث قدرتهم على الإفادة، وكذلك الإسهام في تحولات الحضارة الغربية.
إن مفهوم التّأسيس للهوية يعدّ من أولويات عمل المثقف، فهو يمهّد، ويضع الإحداثيات، وأسسها الفلسفية لبعث الهوية، ليجعلها منجزة وصلدة، وهذا ما نعاينه لدى المثقفين اليهود في أوروبا حيث حاولوا أن يعيدوا مسألة الهوية اليهودية بوصفها خطوة تمهيدية لفكرة تحقق «الخلاص» – أي العودة إلى جبل صهيون. إن بحثنا هنا لا يتحدد بمناقشة هذه الفكرة تحديداً، ولكن يتحدد بالوقوف على دور المثقف اليهودي لأن يكون وفياً للمفهوم، أو لمبدأ أو مشروع نهضوي، فالمثقف يغدو أداة وعضواً فاعلاً للإنجاز الإيديولوجي، بمظهره البراغماتي، وهذا يتطلب رؤية تتأسس على قواعد، وأسس تواضع عليها العقل اليهودي، إن كان بحالة الوعي الفردي المطلق، أو بحالة اللاوعي الجمعي لأمة مشتتة، ومضطهدة كما تصف الأدبيات اليهودية والصّهيونية.
• إنّ فكرة التّأسيس للهوية اليهودية، شأنها شأن كثير من التّحولات التي نتجت بفعل الثورة الفرنسية كتراجع التيار الديني مقابل نشوء واستقواء التيار العقلاني الذي شجع على تفكّك الطبيعة اليهودية المنغلقة نحو المزيد من الانفتاح على المجتمعات التي يحضر فيها اليهود. وهذا برز نتيجة المزاج الجديد في أوروبا، والذي تلقفته الإنتلجنسيا اليهودية التي نشطت في إشاعة منظومات من الأفكار والمبادئ بهدف زعزعة الثقافة الغربية، وموقفها من الآخر، وهنا أحيل إلى سبينوزا الذي سعى إلى صيغ علمانية، بهدف تخليص العقل اليهودي خاصة، والغربي عامة من هيمنة النّص نحو المزيد من العقلانية، والاستقلالية بهدف مفارقة الخرافات كما ناقش البازعي في كتاب «المكون اليهودي» (ص341). إننا إزاء موقف واضح من خلق التّحول الجذري في التفكير الفلسفي العميق، فالحاجة لإحداث فرق، لن يتحقق ما لم يصحبه نوايا صادقة بالتّخلص من الأمشاج القديمة التي تقيّد اليهودي، وذلك نحو عالم أكثر حرية عبر التّخلص من قيود منظومات دينية وفكرية، وهنا، لابد أن نشير إلى مندلسون اليهودي الذي نحا إلى رؤية توفيقية بهدف خدمة الأقلية اليهودية من خلال الدّعوة للفصل بين الدين والدولة كي يسهل التّموضع اليهودي في الحضارة الغربية لجعلها مقبولة، فالمنهج العقلاني لن يتحقق إلا عبر زعزعة الهيمنة الدينية، وحديّتها التي كانت تقصي اليهود، وتعزلهم. هذا المسلك أسهم بتحسن أحوال اليهود في أوروبا ( البازعي، ص 66) . ما من شك بأن مندلسون قد خلخل بنية المنظور الأوربي لليهود، وهذا ما كان ليتحقق لولا التّحول الذي طال العقلية اليهودية بواسطة عدد من المثقفين اليهود، وعلى الرّغم من كل ما سبق، إلّا أن تلك التّوجهات نحو الإعلاء من قيم العلمانية، كان نتيجة التّطور التاريخي الذي شهدته أوروبا، ومع أن المسيري يرفض ذلك التّصور الذي يحيل العلمانية إلى اليهود، وإلى مخططات منجزة، غير أنه يؤكد في الوقت ذاته يؤكد على قدرة اليهود والصهيونية من الاستفادة من المناخ، العلماني، ومزاجه في تدعيم ودفع المشروع الصهيوني (المسيري ص216) .
• لقد شرع المثقفون اليهود في بناء متخيل الهوية اليهودي من خلال تأسيس خطاب يعنى بالهوية اليهودية، وتقاطعاتها في الغرب، فكتاب « اليهودي المتخيل» لفنكلكروت سعى إلى خلخلة المعطى اليهودي لتحديد معنى الانتماء، وهذا يشي بشكل من أشكال الدعوة إلى خرق الإقصاء للمكون اليهودي في الحضارة الغربية من خلال نسف تقاليد الثقافة اليهودية التي تعنى بالاختلاف عن الآخر، فمشروع العلمنة اليهودية ينهض على إحلال الهوية اليهودية على حساب فكرة العقيدة اليهودية، بالإضافة إلى إحلال «الشّعب ليهودي» محل (الإله) مركز القداسة (المسيري، ص227)، ومن هنا، فقد أيقن كل من فيليب روث، وجورج شتاينر، وغيرهما أن الخلاص من أزمة» اليهودية» لن يتحقق إلا عبر تحولها إلى يهودية ثقافية (البازعي، ص 98) ، بالتجاور مع وعي واضح لصون الوجود اليهودي كنسق مقدس.
• ومما يلاحظ أن أثر المثقف اليهودي قد تجاوز السياق الفكري السياسي إلى ما هو أدبي وإنساني، إذ يبرز أثر المثقف اليهودي في تكوين الحضارة الغربية بهدف إيجاد صيغ توفيقية للإشكالية اليهودية في سياقها الشّتاتي كما لدى الشاعر بول تسيلان، والشاعر هاينريش هاينه، والروائي بنجامين دزرائيلي (البازعي، ص81) وذلك من حيث قدرة المثقف على خلق معطى الارتباط العضوي بالمحيط الذي ينتمي له. فالروائي اليهودي البريطاني دزرائيلي عُمّد من قبل والده كي يكون مسيحياً، وهكذا تمكّن بنجامين «الابن» من الارتقاء وتحقيق مكانة اجتماعية، وسياسية بوأته فيما بعد لتولي رئاسة الوزارة في بريطانيا (البازعي، ص200). هذا المسلك كفل لمثقف يهودي أن يكون على هرم السّلطة في دولة ذات تأثير غير محدود على العالم، ولكن هذا النشاط من العمل السياسي، كان يسير بموازاة فعل آخر، تمثل بالعمل الأدبي إدراكاً من قبل دزرائيلي لدور التكوين العقلي، بل والمعرفي أيضاً، فعلى الرّغم من استفادة دزرائيلي من الموروث اليهودي، أو الأسلوب اليهودي في التعاملات المادية كما السّياسية، من خلال شراء أسهم مصر في قناة السويس (البازعي، ص203) ، غير أن دزرائيلي كان ينشط في المجال الفكري بهدف رسم صورة خارقة لليهودي، بالتّجاور مع إبراز معاناته، وتميزه، بل والتأسيس لهذا المعطى في الثقافة الغربية كما نجد في روايات كوننغزبي، وتانكرد، وإنديميون (البازعي، ص204).
إن المتأمل بهذه النزعة لن يعدم ما وراء هذا السّلوك الثقافي للمثقفين اليهود، من تطلعات للمستقبل عبر إدراك ما للغرب من أثر على المسألة اليهودية، بل يكاد هذا الفعل يندرج في التّخطيط الاستراتيجي القائم على وعي بالمشهد العالمي باختلاف مستوياته، فاليهود أسهموا بحركة نهضوية، وتنويرية في أوروبا من أجل تمهيد المزاج الغربي للمشروع الصهيوني، أو لحل المشكلة اليهودية؛ ولهذا تعددت الأنشطة الثقافية لليهود ضمن تيارين: الديني، والعلماني. والأخير تمكن من أن يكون فاعلاً نظراً للدور الذي مارسه المثقف في صوغ هوية مشتركة، يقول موسى هس: «بالنسبة لليهود كان التعاضد والمسؤولية الاجتماعية، وباستمرار هي المبادئ الأساسية للحياة، والسلوك». (البازعي، ص209).
وهكذا، فإن قاسماً مشتركاً يجمع هؤلاء المثقفين اليهود، ويتمثل بقدرتهم على إحداث تغيير في البنية الفكرية والحضارية للغرب، والاستفادة من التّغيرات والتحولات التي استوجبت فيما بعد تعديلاً في أنظمة التفكير اليهودي، وذلك بهدف خلق مزاج، وأجواء تسهم في نجاح المشروع الصهيوني بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، وهنا نجد وعياً لدى المثقف اليهودي من حيث إدراكه لدوره في صوغ الهوية والممارسة التي ينبغي أن تُتبع من خلال توظيف الزادين المعرفي، والفكري بالصّورة المثلى، فضلاً عن قراءة التحولات التاريخية، وتوظيفها في سياق مشروع محدد، ولعل هذا الاستنتاج يقودنا إلى التساؤل عن قدرة المثقفين العرب منذ عصر النهضة وإلى يومنا هذا على الاستفادة من تحولات العصر، بل والعمل على تطويع الحدث، وتحولاته بهدف خدمة مشاريع نهضوية شاملة ترتقي بالإنسان العربي، وتحقق أهدافه.
د. رامي أبو شهاب