عن حضور يقين القضيّة وغياب احتمالات السرد

حجم الخط
1

 

يحاول القارئ أن يكسر أفق توقعه، وهو يقرأ لوحة غلاف هذه المجموعة، التي تتضمّن قبَّة مسجد الصخرة، وطفلاً ينبثق أملُ العودة من عينيه، تقف بينهما أسلاك شائكة، تقول له: لن يدعك الآخر تمرّ. تناصٌ يذكِّر قارئه منذ حروف العنوان باللوحة الشهيرة للفنان الفلسطيني سليمان منصور «جَمَل المحامل»، التي قال عنها: «صارت لوحتي أشهر مني». إضافة إلى وسم قصص المجموعة بـ «فلسطينيّة»، يستحضر بالضرورة ثيمات محددة، صارت بحكم المسلمَّات في قراءة الكثير من النصوص ذات الطابع الفلسطيني؛ لعل أبرزها ثنائية الأسود والأبيض، واليقين الدلالي، وغلبة الرسالة على العناصر الأخرى.

الآخر: القتل والتخريب والتدمير

أبرز الإشكاليات التي تطرحها هذه المجموعة هي العلاقة مع الآخر، بخاصة أنَّ ثمة «حتمية تاريخية» بالتصارع معه، وفقاً لعنوان إحدى قصص يوسف حطيني، مؤكداً أطروحة هنتنجتون الشهيرة، أو ربما بناء على رؤية توينبي في ضرورة هذا الصراع المنبثق من اختلاف الإيديولوجيات. الملفت هنا، أنَّ قوّة هذا الآخر، لاتمنع من تسمية الأحداث بمسمياتها، فهو مغتصب الأرض، لذلك فإنَّ قلّة المؤمنين بقضية ما، أو كثرة المتحمسين لهذا الآخر، لاتمنع صاحب الحق من انتظار لحظة استعادته.
يقرأ المتلقي النص الأول، فيجد نفسه أمام ثلاثة مشاهد لايفارق المشهدان الأوّلان ما سبق أن رآه على شاشة التلفزة، أو يراه الآن على شاشة حاسوبه الخاص عبر «يوتيوب»: «بينما كان الفلاحون عائدين من حقولهم إلى كفر قاسم، أسندهم ضابط قذر إلى جدار، ثم بصق أمام جنوده كلمة واحدة: احصدوهم. في ذلك المساء أضاءت تسع وأربعون نجمة حمراء سماء فلسطين». يحاول القاص تالياً، منحها بعداً تخييلياً من خلال النهاية المفتوحة. لدينا مشهدان مكرران: الأول يكون سير الأحداث فيه معتمداً على بُعد واقعي، ثم يأتي القسم الثاني من القصة مؤذناً بحالة جديدة تنفتح نحو التخييل، وتحاول أن تعطي القصة بعداً مفتوحاً في الدلالة.
كانت أحداث النص السابق، قبل الثورة السورية مثلاً، خاصة بالعدو، لايمكن لابن البلد أن يتخيَّل أن شريكه في الوطن يمكن أن يقوم به. ثمة يقينٌ دلالي لدى الكاتب والمتلقي أن هذا بالضرورة من فعل الآخر، العدو، المغتصب، الذي تُنْسَب إليه كل المغارم، لكنَّ عدد الضحايا الذين ذهبوا في ثورة مثل الثورة السورية مقارنة مع ماقام به «الآخر/ العدو»، جعل الكثير من اليقينيات تتزعزع. ربما كان فعل الأنظمة وطغاتها بالشعوب العربية حالياً هو أكثر ماأفادت منه إسرائيل بالمفهوم الاستراتيجي الرؤيوي، ولسان حالها يقول: انظروا ماذا فعل أبناء جلدتم بكم أيتها الشعوب! لكن هذا، في كل الأحوال، لايسوغ للعدو فعله.
يحافظ القاص، رغم كل ماحدث في العالم، على الصورة التقليدية لليهودي أو «الصهيوني» وفقاً لمعجم النص «المقاوم» في الثقافة العربية، فهو الذي يدّعي أنه عانى من المحرقة، وهو يغتصب الأرض، وهو القاتل، مما يدفع المتابع للتساؤل عن سر تجذّر هذه الصورة لدى ناقد وأكاديمي وقاص فلسطيني؛ هل هو فقدان الوطن وحده واغتصاب الأرض؟ خاصة أن هذه الصورة تأتي في سياق بات يفرح فيه اللاجئون العرب إلى أوربا، إذا كُتب على إقاماتهم أنهم بلا وطن، كي يحصلوا على إقامة دائمة، معتمدين على مفاهيم جديدة للهوية، نافضين أرواحهم عن «هويات قاتلة» ألّف فيها أمين معلوف كتاباً كاملاً.

الزمان متغيّر والقضيّة ثابتة

يستعيد القاص يوسف حطيني ماحدث في فلسطين كأنَّه اليوم يحدث، وهذا مؤشِّرٌ على أنّ تقادم الزمان على القضية المحقّة لايُميتها، فالفلسطيني ينظر إلى المستوطنات ويعلم أن الأرض أرضه والحائط حائطه، ورغم أنه تعرض للسرقة أكثر من مرة، لكنه لمّا يفقد الأمل باستعادة تلك الأرض «في ليلة داكنة سوداء دخل اللصّ بيتي، قتل أبي وجدّي، وسرق قمصاني وأشجاري ومواويلي العاشقة. وفي ليلة داكنة أخرى أهدى حزني وقصائدي وترابي إلى لصّ آخر، من شذاذ الآفاق». وكذلك يسرقون عباءة جدّه وتراثه ليعرضوه باسم اسرائيل في معرض ببلاد الشمال. قليلةٌ هي النصوص التي يوضِّح فيها القاص صورة الفلسطيني فاعلاً، فالفلسطيني في المجموعة، غالباً، يكون ضحية المجرم، لاينتقل إلى مسألة الفعل إلا بالحلم السردي، التخييلي أما على مستوى الواقع؛ فهو أمام كائن غادر، قوي، مستبدّ.

أزقةٌ رومانسية وأحلام طفولية

تشارك الطبيعة الفلسطينيّ ألمه، فتذرف الغيمة حزنها مطراً على حقل الفلسطينيّ، وليس على المستوطنات، والورد، رغم كل الدمار، ينبت في الأرض الفلسطينية رافضاً الإماتة، وشجرة صبّار سحر خليفة في إشارة إلى روايتها «شجرة الصبار»، يقرأها ملايين العرب ويعجبون بها (وفقاً للقاص)، وحين حاول العدو الآخر اقتلاعها وخزت أشواكُها أصابعه. ثمة ميلٌ إلى حلول رومانسية أحياناً حين يدلهم الواقع. فالعدو يحاول أن يمنع الورود من العيش، في ثيمة مكررة، غير أنَّ الياسمين يتسلق الأحلام، وفي قصة «دراكولا خائباً» ذات الافتتاحية التوصيلية، يزهر «لوز» وتخضر «مروج السنابل»، والحال ذاته في قصة «مذبحة».
وجاء حضور الأطفال منسجماً مع هذه الرؤية، فـ «البنت الصغيرة لاتعرف اليأس، حملت عكازها، ذكرى قدمها الراحلة، وانطلقت تلعب مع الأطفال». ربما يتساءل القارئ كذلك عن جدوى وصف البنت الصغيرة، سردياً، بأنها لاتعرف اليأس، ماذا ترك القاص للاحتمال السردي؟ وتحضر طفلة أخرى عبر لوحتها، فحين يُطلَب منها رسم الوطن، ترسم ورقة فحسب، ويحضر محمد الدرة، والطفلة ديمة إذ تشاركها دميتُها وجعها.

وحدة الأيقونات الفلسطينية

اليساريّ والدينيّ والقوميّ، الفلاح والعامل والرسام والشاعر، عبر تاريخ النكبة الفلسطينية، تجمعهم فلسطين في «جمل المحامل»، ساحة مقدّسة للاجتماع، زماناً ومكاناً، أما أن يكونوا برؤية واحدة «يقينية» فذلك – على المستوى السردي والفكري- محيّرٌ، بل ربما يقود إلى التفكير بالآخر «الشريك»، ومدى أحقيَّته بالاختلاف! غير أن القاص يردّ في أكثر من نصّ أنه لايمكن للمثقف أن يقبل بما قبل به السياسي، وهذا، من حيث النقاش، حقٌ للمثقف، لكن تقديمه سردياً، وفقاً لتعدّد الأصوات «الباختيني» والتبئير، يولّد أسئلة تجعل من تلقي هذه النصوص أمراً صعباً.
بعد أن اغتال الموساد الموساد الإسرائيلي غسان كنفاني أنبتتْ قصصه رموزاً أخرى، وكذلك الأمر مع ناجي العلي وحنظلة وأحمد ياسين وحلوة زيدان وصولاً إلى محمود درويش، لكن كل هذه الأيقونات الفلسطينية تحضر لتؤكِّد أنّ الحبّ غير وارد بين الفلسطيني والإسرائيلية أو العكس، كما نُسب إلى محمود درويش، ذات تجربة، أو ذات نص، فيستحضر الكاتب جوّاً إخبارياً ليؤكد رؤيته في نصّ «ميرمية»: «هل تعرف اسم هذه النبتة؟ إنها تنبت في فلسطين». أجاب موشيه ساخراً: لستُ عالماً بالنبات، ولكن ماعلاقة هذا بموضوعنا مستر أبو ناصر؟ ثم أضاف : نحن أصحاب الأرض الحقيقيين.
قال أبو ناصر: ولكن عشرة ملايين فلسطيني يعرفونها.
قال أبو العبد الذي كان يشاهد المناظرة في صقيع منفاه القسري: قوميْ يامَرَةْ اعملي لنا كاسة شاي بالميرمية».
ينحِّي صاحب كتاب «القصة القصيرة جدّاً بين النظرية والتطبيق» الكثير مما يبثه لنا في كتابه جانباً، إذا كان الموضوع وجعنا الفلسطيني، يريد إلقام قارئه رسائله، ربما تذكِّره حالة الثورات العربية المعاصرة بأنَّ الحسابات الكثيرة لاتصلح في زمن الثورات، فلو حسب المتظاهرون قوّة الطغاة لما قامت ثورة على وجه الأرض.

التناصّ قدرٌ يمكن الإفادة منه

يرى تيفين ساميول في كتابه «التناص ذاكرة الأدب» أنَّ التناص قدرُ كلّ نص، وهذا ماتحققه كثرة من هذه النصوص، ففي نص «القميص» ينعي القاص الموقف من الشخصية الرئيسية، بعد أن غدر به أخوته، تناصاً مع الآية القرآنية المشيرة، إلى ذلك: «كان القميص مطرزاً بالرصاص والطعنات من كل صوب».
وتحافظ المرأة الفلسطينية على أسْطرتها، فـ «خنساء فلسطين» فقدتْ عدداً من أبنائها، هذا هو حال المرأة، فكم من خنساء سورية اليوم!
ولعلَّ أبرز حامل للتناص في «جمل المحامل» هو عناوين القصص، إذ إنَّ الكثير منها سمِّي بشخصيات أو أحداث فلسطينية مشهورة، أراد القاص أن يضيء عليها، أو أن يقدم جانباً مجهولاً منها، أو منحها بعداً سردياً يجعلها مفتوحة على دلالات جديدة. في نص «دعم لوجستي» يستحضر حكاية قابيل وهابيل فـ «حين قام يهوذا بقتل الفلسطيني الأول بعث له السيد الأبيض غراباً.. وحين صار القتلى بعشرات الآلاف بعث له جرافات كثيرة…».
وكذلك قصص «هيت لك» و»أبو عبدالله الصغير» و»الجريمة والعقاب» إضافة إلى أسماء الكثير من الشخصيات الفلسطينية المتنوّعة المشارب والاتجاهات.
أخيراً: إذا كان الباحثون في علم الاجتماع يقسِّمون العوائل إلى عوائل محافظة وحداثية، فإن المتلقي يمكن أن يصف الكثير من قصص هذه المجموعة، على مستوى الرؤية غالباً، بأنها محافظة، بكل ماللمُحَافظة من حسنات وسلبيات. ومع أن القاص حاول استعادة أسماء لها بصماتُها الحداثيّة مثل محمود درويش، إلا أنها كانت استعادة اسميّة فحسب، ولم تدانِ رؤية درويش التعدديّة، الباصمة في تاريخ الخطاب الأدبي الفلسطيني، مع أن كاتب هذه القصص، سبق أنْ أنجز كتاباً عنوانه «في سردية القصيدة الحكائية/ محمود درويش نموذجاً».

يوسف حطيني: «جَمَل المحَامل». دار الوطن- الدار البيضاء، 2014
116 صفحة.

د. أحمد الحسين

اشترك في قائمتنا البريدية