«لا كالوميض لا كحطام الضوء» مجموعة محمد الصابر: الشعر كإشراق وكاستشراف

حجم الخط
0

 

يبدأ الشعر من لحظة وعيه بمرحلته وتحولاتها الجذرية، وعندما يدرك أن فكرة التشبث بصورة أو فكرة سابقة، كانت وقتها جديدة وثورية ومزلزلة لأركان الكيان والوعي، يقود حتما إلى أرض موات جدباء قاحلة، أي أن الشعر الذي يكرر تجربته في حلقة مغلقة تدور حول ذاتها وغير واعية بالتحولات المحيطة بها سينتهي إلى صدى في واد سحيق. يقول الشاعر المغربي محمد الصابر معنى هذا الكلام في ديوانه الجديد «لا كالوميض لا كحطام الضوء، الصادر بعد عدد من الدواوين الشعرية، وهي على التوالي: «زهرة البراري» 1989، و»الورشان» 1993، و»ولع بالأرض 1» 1996، و»ولع بالأرض 2» 1998، و»وحدي أخمش العتمة» 2002، ثم «الجبل ليس عقلانيا» 2007. .. يقول ذلك في قصيدة بعنوان لافت «لم تعد لنا قلوب قديمة» على لسان الجيل الجديد، الشبان الذين خرجوا عن صمتهم وتوجهوا إلى الشعراء معلنين عليهم محبة الشعر، لكن الشعر الذي يفهمونه وينتسب إليهم ويقول هواجسهم وهمومهم ومكابدتهم بعيدا عن الوهم الذي سجن الشعراء فيه أنفسهم متجاهلين وعي القارئ الجديد والمرحلة الجديدة وقضاياها: «لأننا/ – نحن الشبابَ -/ نعشق السرعة/ ونحب الشعر/ لا تثقلونا أيها الشعراء/ بالاستعارات وبالحكمة/ اكتبوا لنا شعرا يصل إلى عقولنا/ ذلك أنه لم تعد لنا قلوب/ قلوبٌ قديمة بصمامات مثل أنفاق القطارات/ بل قلوب صغيرة كالتوت/ ننزعها دوما ونعيدها دوما / لذلك / اكتبوا لنا شعرا/ على إيقاع نبضنا السريع/ واحتفظوا باستعاراتكم/ في متحف الشعر في الرفوف العالية/ غلفوها بالقطن/ لتحتفظ بطراوتها/ سنحتاجها ذات يوم.» ص (99-100).
تبدو أغلب قصائد الديوان درامية مسترسلة رؤية العين، لكنها غير ذلك، أو أنها واحدة من القصائد التي تستند إلى الاسترسال المتواصل أو المتغضن أو اللولبي، وهي بكل تأكيد ليست قصيدة درامية متواصلة كما هو الشعر في مرحلة السبعينيات بالمغرب، قصائد ملحمية مسترسلة تتصدى فيها التجارب وتتجاور فيها المعاني وتكرر فيها الموازين والصور البلاغية، لأنها قصائد كانت تروم «التبليغ» و»الخطابية»، بينما القصائد الطويلة في ديوان الصابر تسترسل مرة عبر التوالد الذي يجعل النص يتقدم في فضائه عبر حلقات متماسكة تتطابق لتمنح النفس الشعري إمكانية قول «الفكرة الشعرية» بصور متعددة.
بهذه الطريقة يتم توليد المعاني وإبراز الفكرة الشعرية، ففي القصائد الدرامية ذات الصوت الملحمي تكون الجماعة قوية الحضور وتكون الذات شبه منفية أو منفية كليا، حيث لا صوت يعلو على صوت الجماعة، بينما في قصائد الصابر تحضر الذات، وفي حضورها نفي لها، أي أنها ذات تفرغ ذاتها من الأصوات التي تتردد داخلها، وكذلك القصيدة واللغة والصورة الشعرية عند الصابر تعمل جاهدة على الدخول في تجربة الصمت والبياض والخسران والفقدان بالهدم، هدم كل ما يعيق الشعر من قول ذاته. وما يعوق الشعر حقيقة هو الأصوات التي تسبق الشاعر إلى أذن القارئ (المتلقي)، أي الأصوات القادمة من البعيد ومن سحيق الأزمنة، فتلغي صوت الذات التي لا تقول سوى الخسران والفقدان. هكذا تتجرد الذات من كل الثقل، ثقل الماضي، وثقل اللغة، وثقل القول الشعري، لكي تقول ذاتها الخالصة، إنها تجربة ليست سهلة، بل هي مكابدة ومجاهدة. يعبر الصابر عن هذه المكابدة بتحمل الخسران من خلال تدمير «عوالق» الذات: «… وحدهم الحدادون يملكون الحقيقة:/ طالما رصدوها في مطارقهم التي تقول/ دوما نعم وهي تهوي على المقابض/ والمناجل/ نعم وهي تهوي على السكاكين والسيوف/ والرماح/ نعم وهي تهوي على الخناجر والقيود/ والأفكار العظيمة/ نعم/ نعم/ إلى أن يكون بريق حريري…» ص (12-13).
في قصيدة «بائع الورد» التي يهديها الشاعر إلى روح والده يتحول القول الشعري من تمجيد الماضي والسلالة إلى بناء الذات، إلى إعادة بناء الذات بالحفر والهدم، فالبنوة الحق ليست التي تكرس الماضي ضد حركة الزمان وضد التطور والنماء، بل هي الحركة المتقدمة كالنهر نحو آفاق جديدة مختلفة ومغايرة. يُقَدِّمُ الصابر رؤية حديثة للزمان، للرثاء، للشعر، فالبنوة الشعرية والانتساب إلى الشعر لا يكونا فقط بتكرار الأصوات السابقة كالصدى، إبل بحفر أخاديد ومجاري جديدة يتنفس منها وفيها الماء الشعري حياته التي تنتسب إلى لحظتها الشعرية، وإلى زمانها ووقائعها.
في قصيدة «الأنواء» ينغلق «النص» لينفتح جوف «الكلمة» على الأهوال، وهنا يقوم الشاعر بـ»إعادة التفكير» في الكلمة ككلمة لا كمحتوى كلمة، لا كلباس للمعنى، الكلمة مجوفة خالية من المعاني المتوارثة، وهي خطوة من خطوات النسيان والحفر والهدم، وهي حرفة الشاعر اليوم: كيف يفرغ الكلمات والأشياء من ثقلها الذي يقيدها. تبدأ القصيدة بكلمة «الأنواء» وتنتهي بكلمة «أنواء»، وتقع في بناء دائري مغلق بين معرفة ونكرة. و»الكلمة» في القصيدة مدينة لها دروبها الخاصة، يقول الصابر: «في أياء الكلمة/ تقاطع، تداخل/ اهتزاز، رفرفة/ صقور في تدافع/ مثلما/ الأفكار في تدافع، صوب الخارج/ ورقي أبيض.» ص (15-16).
يَنشأ المعنى في التماس الحدود بين الغياب والعودة، بين الفقدان والأثر، وبين العدم والفراغ، لا العدم والوجود، هنا يقوم الشاعر بالتفكير في القصيدة، ويقوم أيضا بتمحيص معنى الشعر، وكتابته، وقوله، وإنشائه، وتلقيه، يهتم الشاعر هاهنا بالقول الشعري البكر الخالص الذي تجرد من «الشبيه» ومن «الأب» و»السلالة» دون التخلص من دم السلالة أو من أثر الأب أو من طيف الشبيه.
الشاعر الحديث لا يقول الشعر عن يقين وعن معرفة قبلية، بل يقول شعر اللحظة البكر التي تنتسب لذاتها. فتختلف المتقابلات الضدية، لأن العالم لم يعد عالما منسجما ومفهوما ويقينيا أمام الشاعر كما كانت الحال عليه سلفا، ولم يعد الشاعر لسان حال القبيلة أو المجتمع، بل هو «حداد» يهوي بمطرقته على الكلس الذي يغلف الوجود فيفقده بريقه وحقيقته الزمانية، حقيقة تجدده؛ يعمل الشاعر على إفراغ الكلمات من عوالقها ومستحاثاتها، ينقي الشاعر المعنى من صدى المعاني ويفقدها اليقين الذي فقد بريقه بفعل الزمان والحركة الأبدية نحو كل الاتجاهات، حتى الاتجاه نحو الماضي يكون هدما وإفراغا وتفكيكا لليقينيات التي تملأ الكلمة ضجيجا؛ قرقعة السيوف وغبار حوافر الخيل والصحراء، الصحراء التي تغطي كتبانها دروب المدينة المعاصرة، المدينة الشبح، المتعددة المتراكبة، الخليط غير المتجانس، الزجاج المعجون بالإسمنت المسلح، الافتراضي الذي التهم الواقعي وحل محله، الإنسان الذي لا يقول إلا صمته، الوجه الآخر للحقيقة اللا زمنية، الحقيقة القادمة بخطى اليقين من الماضي السحيق.
تأتي الكتابة الشعرية عند الصابر، في ديوانه هذا، بعد التأمل والصمت والنسيان، لا يمكن للشعر أن يكون ويتجدد إلا في حضرة النسيان؛ نسيان الأصوات/ القراءات/ الأفكار القديمة المتوارثة والمكتسبة. يولد الشعر مع كل «قصيدة»، بل مع كل «كلمة»، الكلمة مقابل العدم، ولذلك على «الكلمة» أن تمحَّص وأن تفرغ من الصدى القادم من الأصقاع السحيقة، على «الكلمة» أن تخسر كل شيء لتربح ذاتها، على الشعر أن يفقد كل شيء، كل الأصوات الصاخبة داخله كي يستطيع أن يمنح تاريخه لحظة إشراق أو لحظة استشراف، لحظتها يمكن الشروع في الكتابة، يقول الشاعر:» سأقول لهم أنا احتمال وممكن لا ذاكرة لهما» ص (38).
يكتب الشاعر الضمني في الديوان قصيدته بروح العصر دون أن يتخلى الشاعر الموضوعي عن معجم الطبيعة كوسيلة للتعبير الشعري ولا عن النفس الدرامي للقصيدة أو ما قلنا إنه نفس درامي غير ملحمي كما كانت تبنى القصائد سابقا، وهو بذلك يقدم لنا صورة عن الشاعر الذي أخذ عن شعريتين متعاقبتين؛ شعرية الثمانينيات بالمغرب ومن الشعرية العالمية الحديثة. وهذا من مميزات الكتابة الشعرية عند الصابر والتي جعلته يحتل مكانته المميزة وصوته المتفرد بين جيل من الشعراء المغاربة الذين أضافوا للشعرية المغربية وجددوا في أدواتها ومقاصدها.
محمد الصابر: «لا كالوميض لا كحطام الضوء».
دار فضاءات. عَمَّان، 2015.

محمد معتصم

اشترك في قائمتنا البريدية