تعتبر «جرائم الشرف» من الفظائع الاجتماعية والدينية المسكوت عنها في مجتمعنا الشرقي، والتي تدفع فيها النساء حياتهن نتيجة خطأ، أو انحراف عن الطريق، أو حتى محاولة التحصل على قدر ضئيل من الحب في مجتمعات جافة لا تقدم الحب في حيواتها على أنه حاجة طبيعية للإنسان يعيشها ويتنفسها، إذا لم تقدمه على أنه باب من أبواب الشيطان يجب الحذر منه. ولذلك يخرج أفراد يحولهم العطش العاطفي إلى ذئاب ونعاج فقط، وتسقط النساء غالبا في شرك الحب والغزل، وقد تقع في المحظور العرفي والديني أو في مقدماته البسيطة، أو حتى تدخل ضمن حيز الشك العائلي، وفي كل الأحوال هناك موت متربص بها، أو نفي اجتماعي وحرمان من كل مقومات الحياة الطبيعية المتمثلة في تكوين أسرة والحياة بحرية وإنسانية.
وفي «حكاية صفية» طرقت الكاتبة الكويتية ليلى العثمان هذه القضية باتجاه ما، ضمن عقوبات جرائم الشرف وهي السجن مدى الحياة أو فترة حياة الولي الذي طلب سجنها من قبل الدولة، بعد أن يطلب ولي الأمر ذلك، تجنبا لقتلها.
ولكن ورغم نبل القضية التي تطرحها الرواية باتجاه ما؛ إلا أنه لا يستطيع قارئ عربي ـ نشأ ضمن تقاليد شرقية ترسّخ فيه حرمة الجسد، وعدم إباحيته، خاصة بالنسبة للمرأة ـ التعاطف مع صفية ذات الجسد الراغب والمنطلق في رغائبة بلا حد ولا قيد، إلا من باب التعاطف النفسي مع حالتها الخاصة بيولوجيا. ولا أعرف هل قصدت العثمان تكوين ذلك التعاطف؟ في البحث عن حلول طبية أو نفسية أخرى لهذه الحالة باعتبارها حالة مرضية، بدل معاقبتها بذلك العقاب المرير وهو السجن الذي قضى على عنفوان شبابها وعمرها، أم كان الهدف التركيز على ذلك الحضور الجسدي اليافع والممتلئ بالشهوات واللذة فقط، فهنا تفقد الرواية رسالتها تماما.
فلقد وضعت الروائية العثمان القارئ بصورة مبالغ فيها، أمام طفلة تولد بجسد مشتهي، منذ عمر مبكر وهو ما لا يقبله العقل تقريبا، مبررة ذلك بزيادة في أعضائها، وتحفز نشاطها الجنسي الذي لن يهدأ أمام طيلة عمرها، رغم سيل العقوبات التي يمطرها بها والدها القاسي كما صورته الرواية، فهو لا يلين ولا يشعر بأحد بدءا من زوجته حتى ولديه صفية وهلال.
ولقد تنبأ الوالد – كما أرادت الروائية- بهذه الفورة الجنسية منذ العمر المبكر لهذه الطفلة، ومن نظرته الأولى لجمالها الأخاذ وملاحتها وحسنها الطفلي. وحققت الطفلة نبوءة والدها ومضت في سخائها الجسدي، ورغبتها الطافحة منذ عمر خمس سنوات، بحثا عن اللذة في تحرشات الصبيان التي تسعى إليها ،وتلتذ بها في الشارع بعيدا عن صويحباتها من البنات، وبعيدا عن أعين والداها ووالدتها وأخيها الصغير. ويستمر ذلك الذهاب الجسدي في الرغبة المتنامية التي لا ترتوي مع كل صرامات والدها وحرمانها من الشارع، حتى تصل إلى مداها في اللقاء المباشر مع جار شاب جديد هو حسين، الشاب الذي وهبته جسدها كاملا لأول مرة، واستلذت ذلك الفعل لاحقا ومضت فيه حتى كشفها والدها معه متلبسين. وبعد أن رفض والده أن يستر عليها، ويزوجها لولده، بل رفض أن ولده يفعل المنكر، وأن صفية معروفة بتحرشاتها ومصاحبتها للأولاد؛ يقرر الوالد قتلها بكل الطرق، من الحبس والحرمان من الطعام، وإجبارها على السقوط من سطح البيت، ولكن جسدها الفتيّ يقاوم كل ذلك الموت. وبعد أن تتشفع أمها وتعده بأنها تابت ولن تخرج من البيت وأنها ستراقبها في كل لحظة، يهدأ ويسافر للحج لفترة طويلة طلبا للسكينة والمغفرة، ولكنها لاتتوانى عن فعلها بل تجد في غياب والدها الفرصة للذهاب «لبيت الوناسة» أو بيت الهوى، وتغرق في اللذائذ المحرّمة، رغم أنها تحب الشاب الأول الذي استشعرت لذة الحب بين يديه كما تحاول الكاتبة إقناعنا بذلك. ومع ذلك تستفيض في الوصف الإباحي لتلذذها بالرجال الآخرين بين يديها، ولكن في آخر الأمر ولسوء حظها ينكشف أمرها على يد الملاّ أبو صالح الذي يراها عائدة قرب الفجر تتخبط في مشيتها، وحين يعود والدها يخبره بذلك، وينصحه بالزج بها في السجن خوفا من الفضيحة، وبعدا عن الإثم بقتلها.
يستعذب الوالد الفكرة ويرتاح لها، ويأخذها للسجن أمام عين والدتها المجروحة والمصدومة من هذا القرار؛ لتقضي ما تبقى من حياتها هناك، حتى يموت بعد ثلاثين عاما كاملا. أما الأم الحنون المغلوبة على أمرها، فتموت كمدا بعد زمن قصير، فتوصي الأخ الأصغر هلال بإخراجها بعد أن يموت الوالد، وهذا ماحدث فعلا، حيث تعود صفية إلى الحياة بعد ثلاثين عاما، وقد ذبلت زهرة شبابها في السجن.
تجري الكاتبة الأحداث على لسان الأخ الأصغرهلال والذي يصغر صفية بثلاثة أعوام فقط، ولكن الأحداث تظهره صغيرا جدا وضعيفا وودودا لصفية، وغير معترض على أفعالها بل ومعجب بقوتها وتحديها في كثير من الأحيان، وهذا التشكيل النفسي، والجسدي لا يليق بشاب في مجتمع ذكوري يزرع في الرجل فكرة القوامة والتسلط من أول لحظاته للحياة.
أما لغة الرواية فهي لغة سهلة وتتخللها الكثير من الحوارات والألفاظ العامية بما يتناسب مع الزمن والمكان الذي تدور فيه الحكاية، وشخوص الرواية الأساسية هم: الأب والأم والأخ هلال وصفية. وهناك شخوص جانبية تظهر فقط لخدمة السرد، وتحريك الأحداث ثم تختفي، مثل خديجة صديقة صفية، وحسين الشاب الذي عشقته صفية، ووالده، والملاّ أبو صالح، وغيرهم، بلا تأثير عميق في مجرى الأحداث.
كما تبدو النهاية متوقعة مع دماثة الأخ، وحزنه الكثير على أخته التي غيّب الوالد شبابها في غياهب السجون، وحزنه الأكبر على موت والدته بكل ذلك الكمد والحزن على طفلتها الوحيدة، ومن ثم خروج صفية بكل قوة وعنفوان، وتحدٍ يليق بشخصيتها التي رسمتها الكاتبة منذ بداية الرواية.
لقد حاولت العثمان بشكل ما تسليط الضوء على قضية الشرف التي تذهب بنساء كثر في مجتمعاتنا الشرقية ظلما وعدوانا، وتحرمهن من الحياة التي ليس من حق أحد مهما كان، زوجا أو أبا أو أخا، حرمان الإنسان منها، وقضية الحرية الفردية الغائبة تماما عند المرأة الشرقية، ولكن إغراقها في وصف شهوة صفية منذ عمر مبكر وتناميها مع العمر، وذهابها الوقح في الملذات بلا انصياع لرادع داخلي أو خارجي، بل وبتحدٍ صريح لكل القيم الإنسانية والعائلية والمجتمعية والدينية مهما كانت النتيجة، وعدم التركيز على الحب كقيمة كبرى وغاية قصوى للجسد، فهو أي الحب لم ينجح في ردع صفية وتقييد شهوتها بل منحها أبوابا أكثر اتساعا للذة المحرمة، والشهوة المتنامية. كل هذا حرم الرواية من وضوح رسالتها، والتعاطف مع بطلتها التي لم تظهر أي ندم على ما فعلت حتى بعد أن خرجت من السجن، وغطى فكرة تعرضها للظلم بالسجن ثلاثين عاما، ليجعل الرواية تسير في اتجاه الوصف لفعل اللذة أكثر من أي هدف آخر.
ليلى العثمان: «حكاية صفية». دار الآداب بيروت، 2013.
223 صفحة.
فاطمة الشيدي