اسطنبولي: الفن في الشارع ونفتخر بتكريم الصافي والشحرورة

حجم الخط
0

بيروت – «القدس العربي»: كسر سلوك الحكومات والوزارات المتتالية في إقصاء الأطراف عن الفعاليات الثقافية في لبنان وتحدى كل تفكير إحباطي في استحالة احياء حالة ثقافية في صور. بتحديه كان للمدينة المعروفة بعاصمة جبل عامل أن تعيد احياء «مسرح وسينما الحمرا». إنها جهود الفنان قاسم اسطنبولي، عاشق الفن والمسرح، وأبن مدينة صور التي عُرف أهلها عبر التاريخ بصبرهم ونضالهم في التصدي للإسكندر المقدوني. دخل مدينتهم البحرية بعد أشهر طويلة من الحصار ومعارك ضارية، وبعد ردم البحر. اسطنبولي شاب يتميز بالحلم والتصميم، والأهم شغفه المفرط بمسقط رأسه صور. في حزيران/يونيو المقبل تحلّ سنة على عودة سينما الحمرا إلى الحياة. جديد المشروع الثقافي الفني الناشئ اطلاق الدورة الأولى لمهرجان صور الموسيقي الدولي. الباكورة تكريم لكبيرين في الفن اللبناني والعربي: وديع الصافي وصباح. بين السابع والحادي عشر من الجاري ستكون فعاليات المهرجان، وبمشاركة فنانين من الدول العربية. اسطنبولي فنان يعيش مروحة اهتمامات. دائماً يبدأ من الصفر. زاده القناعة والإيمان والهمة التي تلين. هكذا كان في لقائنا معه بدايات عام 2009. كان الحوار الصحافي الأول في حياته ولـ «القدس العربي». يومها عاش وهو في لبنان صمود أهل غزة بوجه العدوان الصهيوني، وكانت مسرحية «قوم يابا». قدّم حينها عرضاً من اللحم الحي، في الساحات، المدارس، الجامعات وكذلك المسارح. عرض شكل أول تعبير صادق فني وإنساني، لهذا الشاب. كان لا يزال يتابع دراسته في معهد الفنون في الجامعة اللبنانية. «قوم يالا» حمله إلى 24 دولة في العالم، وعرضه بأكثر من لغة. فماذا عن جديد قاسم اسطنبولي وبخاصة مهرجان تكريم وديع الصافي وصباح؟
يقول: يشرفنا أن تحتفي الدورة الأولى لمهرجان الموسيقى في صور بالكبيرين وديع الصافي وصباح. وسيتم هذا الاحتفال بمشاركة فرق موسيقية من لبنان، ليبيا، اليمن، فلسطين، سوريا، إيطاليا، هولندا، غانا، إيرلندا والكاميرون. وبحضور نجل وديع الصافي جورج، وابنة شقيقة الشحرورة كلوديا عقل. وبمشاركة الفنانين سامي حوّاط، خالد العبدالله، وسام حمادة وآخرين. نهدف من هذا المهرجان لتكريم الكبار، ولدعم الموسيقيين الشباب، وتأسيس حركة موسيقية في الجنوب اللبناني. تستمر فعاليات هذا المهرجان من عصر السابع من نيسان/ابريل الجاري حتى مساء الحادي عشر منه.
○ لماذا صور ولماذا مسرح وسينما الحمرا هما خيار لنشاطك الفني الدائم؟
• بعد سفر وتجوال كثيرين في العديد من بلدان العالم مع فرقة مسرح اسطنبولي، حيث كانت آخر محطاتنا في هولندا، بدأت البحث في تحقيق حلم والدي الذي توفي سنة 2009 ونفسه أمنية أن تكون مدينة صور مقراً لعملي الفني. صار حلم والدي حلمي، وحلم المدينة معاً كونها تفتقد لمسرح، رغم كونها تحتضن ثاني أقدم مسرح روماني في التاريخ. الحلم الأول تحقق بمسرح صغير، أو بما يُعرف بمسرح الغرفة، وذلك في 25-1-2014. هو مسرح يتسع لـ 80 متفرجا. وبالتزامن كان لنا كرنفالاً مسرحياً في الشارع، وسط استهجان الجمهور. وحينها كانت التفجيرات الإرهابية تستهدف بعض المدن. ومع ذلك شاركنا الجمهور ومشى معنا بعفوية. كرّم هذا الكرنفال المسرحيين منير كسرواني ومشهور مصطفى. وتوالت الأنشطة من مسرح، موسيقى، شعر وغير ذلك. في تلك الأثناء كان الفتيان يتجمعون أمام مسرح الغرفة سائلين عن عرض جديد. هذا الجيل الجديد شكّل أملي، كما وجدت المدينة في عطش لأعمال فنية وثقافية.
○ هل كان مسرح الغرفة اختباراً أولياً تلاه مسرح الحمرا؟
• سبق وحاورت أصحاب مسرح الحمرا، لكني عجزت عن متطلباتهم، وكذلك عن إعادة التأهيل. الاقبال على مسرح الغرفة شجعني للاقتراض من المصارف وبدء المشروع، رغم تشاؤم الجميع حيال الاستمرارية. لكننا انطلقنا. شباب مخيم البص للاجئين الفلسطينيين في صور، وضعوا أيديهم بيدي، وأعدنا معاً تأهيل المسرح المقفل لأكثر من ثلاثين سنة. هؤلاء الشباب، يمثلون، يرقصون ويدبكون ويتقنون الفلكلور. صاروا جزءاً من هذا المسرح بعد جهودهم من أجل أحيائه، بل أن المكان لهم. تأهيل سينما الحمرا استغرق خمسة أشهر.
○ لماذا فقط شباب مخيم البص؟ ألم يكن لشباب صور حضور في تأهيل المسرح؟
• بالتأكيد كانت لهم جهود. ولكوني أسكن المخيم فهؤلاء الشباب قريبين مني فوضعوا ايديهم بيدي تطوعاً. فليس في صور فصل بين شباب المخيم وشباب المدينة.
○ عملك المسرحي الأول «قوم يابا» فلسطيني الهوى والهوية. هل هو فعل انتماء للقضية؟
• ليس للفن أن يبتعد عن القضايا الإنسانية. القضية الفلسطينية إنسانية بامتياز، وإيماني بها راسخ. «قوم يابا» في بداية 2009 عرضت في 24 بلدا في العالم، وباللغات الإنكليزية، الاسبانية اضافة للعربية طبعاً. هو عرض نابع من هويتنا. وفنياً هو وثيق الصلة بمسرح الحكواتي ومسرح الشارع. أي قضية لها بعدها الإنساني لا شك سيتبناها المسرح.
○ من كفلك في القروض التي إستدنتها من المصارف؟
• هو قرض شخصي، حصلت عليه بمساعدة عائلتي التي كانت تحلم بمسرح لي في صور. افتتح المسرح مع أول مهرجان مسرحي في تاريخ الجنوب في 25 حزيران/يونيو 2014، وفيه أبدت المدينة اهتماماً كبيراً بهذا النشاط. شارك في المهرجان فرق مسرحية من العراق، السعودية، ليبيا، جزائر، تونس، مصر، المغرب، سوريا، فلسطين، أيطاليا، فرنسا. يومها كنا في عرس حقيقي، والناس رشقونا بالأرز. عادت البسمة إلى الوجوه، وأنبهر الأطفال بخشبة قدمت لهم ما يفرحهم ويؤنسهم. كما استعادت سينما الحمرا تاريخها العريق. فقد وقف على خشبتها عظماء من شوشو إلى دريد لحام، ومن محمود درويش إلى غسان كنفاني، نصري شمس الدين، سميرة توفيق، مرسيل خليفة وغيرهم. عودة هذا المسرح شكل عودة للحياة إلى مكان مهجور ومدمر. لهذا وفي يوم الافتتاح بكى البعض فرحاً، وبدوري شعرت بوجود، أبي بين الجموع، ولمست فرحه.
○ هل تجدون المادة الفنية التي تتواصلون بها على الدوام مع الجمهور؟
• كرمنا عدداً كبيراً من مسرحيي لبنان، وكانت لنا عروض متواصلة على الخشبة وفي الشارع، وكذلك مهرجانات.
○ من عادة بعض المصارف أن تضع توقيعها على بعض النشاطات الفنية وتدعمها مادياً. ماذا عن مصارف صور؟
• في المدينة عشرون مصرفاً لم يتقدم أحدهم بأي دعم. لهذا كانت لنا رسالة تستنكر تلكؤ المصارف والمؤسسات عن دعم النشاط الثقافي في مدينة صور. فهل من المنطقي أن يقول مدراء فروع المصارف في صور أن الادارة الرئيسية لا تدعم الثقافة في صور؟ لماذا إذاً فروعكم العشرون؟
○ كيف اذاً استضفتم كل تلك الفرق المسرحية والفنية؟ وماذا عن واجب الضيافة؟
• استضفناهم في منازلنا. اخوتي، أهلي وأصدقائي أمنوا لهم واجب الضيافة بين عائلاتهم. والدتي والجارات تطوعن للطبخ وتأمين الغذاء. وكل هذا لم يثننا عن المثابرة، وكان لنا تالياً مهرجان السينما برعاية وحضور النجم محمود قابيل، الذي استضفته في منزلي.
○ انتم الآن بصدد مهرجان للموسيقى وتكريم للراحلين وديع الصافي وصباح. كيف لكم تدبر التكاليف؟
• حتى الآن لا دعم مطلقاً. تقدمنا بطلب دعم لوزارة الثقافة وهم وعدونا خيراً. كذلك تساهم بلدية صور بدعم ضئيل. متابعة المشوار حتى الآن مجازفة، نحن في وضع صعب. هناك مركزية فنية وثقافية تعطي الأولوية لبيروت. بدوري أسأل لماذا لا ينطق أحدهم بكلمة حق من أجل سينما ومسرح الحمرا؟ هل سيبقون على صمتهم من التاريخ الذي تعيد صور كتابته؟ أكلمك الآن ولم أحصل على دولار واحد لتمويل مهرجان الموسيقى. ومن حضروا من المسرحيين إلى مدينة صور ومن كل انحاء العالم أتوا من حسابهم الشخصي، أو عبر دعم من مؤسسات في بلدهم، واعتبرهم من المؤسسين لمسرح الحمرا. دائماً وفي أي نشاط نقيمه مشاركة العرب والأجانب تتفوق على مشاركة اللبنانيين.
○ إضافة إلى عروض الشارع التي تساهم في جذب الجمهور إلى المسرح كيف تتواصلون مع الناس؟
• أسسنا محترف «تيرو» للفنون، وهو يدرب على فنون المسرح بدءاً من عمر ست سنوات. وهذا المحترف قدم مسرحية من «أجل السلام» ابان العدوان الأخير على غزة، و»في انتظار غودو» لبيكت. في هذين العرضين كان الأهل في غاية الفرح وهم يشاهدون أبناءهم على المسرح. وهذا ما نعتبره تأسيساً للمستقبل. وأضفنا إليه مؤخراً دورات تدريب في المدارس. إيماننا راسخ بأن حضورنا الدائم بين الناس هو الأساس في الرسوخ والاستمرارية، في ظل غياب الدعم من فعاليات صور والاغتراب. التأسيس لجمهور دائم مشروع يلزمه سنوات.
○ هل حصلت مفاجآت إيجابية خلال عملكم؟
• الإيجابي برأينا تكمن في استمرارية مشروع مسرح الحمرا. رأسمالنا الطاقة، الفن والبسمة. وهذا الكنز يعوضنا عن نقص التمويل. صحيح المال مهم، إنما الأهم هو الإيمان بالمشروع الذي نحن بصدده، والمغامرة والمجازفة، والعمل بحب. أن نستمر هو المفاجأة الايجابية.
○ هل من خصوصية لمجتمع صور على صعيد الفن؟
• نحن نقدم الفن. مثلاً أسبوع افلام الشحرورة صباح. اسبوع أفلام فاتن حمامة. كذلك عرض افلام عالمية وكلاسيكية. نركز على السينما بحيث نعرض فيلماً كل اسبوع. لا خصوصية بالمعنى الدقيق للكلمة لصور، نقدم كل ما نجده مناسباً.
○ هل رسّختم حالة ثقافية مختلفة في المدينة؟
• دون شك. عندما نقرر مهرجاناً تبدأ الاتصالات من كل انحاء العالم للمشاركة. ففي مهرجان السينما عجزت منازلنا عن استضافة المزيد من المشاركين. فثمة مخرجين لم نتمكن من استضافتهم رغم مشاركة أفلامهم في المهرجان، فقط لأن الأماكن فرغت في منازلنا. وقدمنا مهرجان أيام صور السينمائية الذي استضاف محمود قابيل. وتلاه مهرجان حمل عنوان «السينما تقاوم» بالتعاون مع المخرجة جوسلين صعب.
○ لماذا المهرجانات؟ ألا تلزمكم بالمتابعة؟
• بل ترسخ مسيرتنا. وبالمناسبة مهرجان فلسطين سيكون سنوياً ، وفيه يشارك فنانون من فلسطين وكافة انحاء العالم. نحن ملتزمون بهذا المهرجان ايماناً بفلسطين، وبالجمهور الفلسطيني العريض الموجود في مخيمات الجنوب.
○ رغم كل هذا الالتفاف الشعبي حولكم ألم يتشجع الممولون لدعم مشروعكم؟
• ثقافة دعم الثقافة ليست سلوكاً بعد. مع العلم أننا قادرون على التحدي عبر الثقافة والفن. وكذلك للفن أن يحارب التطرف والارهاب. لو كانت مجتمعاتنا تعلي شأن المسرح والسينما والموسيقى، فلا شك لن يكون لدينا ارهاب ولا تطرف. لو وظّف المال الذي يُدفع الآن بسخاء لمحاربة الارهاب، لبناء المدارس، المستشفيات، دور الثقافة والفن، لكنا برأي المتواضع بغنى عن كل الحروب في وطننا العربي.
○ سؤال يطرح نفسه كم انتم قادرون على الصمود وباللحم الحي؟
• لنترك الجواب للأيام. نحن أسسنا. اشركنا الآخرين بمشروعنا الثقافي. الهدف أن يتحول هذا المشروع من كونه محصور بأشخاص، إلى مشروع عام همه المدينة. المهم إن تركت أنا ومن معي، أن تبقى سينما ومسرح الحمرا. التأسيس هو الصعب، وفي أقل من عام أسسنا مهرجانات للمسرح، السينما والموسيقى. محرك غوغل بات يشهد نشاطاً لافتاً في البحث عن مدينة صور. لا شك بضرورة عودة المدينة إلى هويتها ومكانها الحقيقي. طالما يرتاد المسرح عائلات مع اطفالهم، فهذا يعني أن المستقبل لنا.

زهرة مرعي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية