القاهرة – «القدس العربي» ثمّة موسيقى تتسرب خارج قاعة (بيكاسو) قبل الوقوف على عتبة بابها الزجاجي، والذي من خلاله نستطيع أن نلمح لوحة أو أكثر من أعمال الفنان (حلمي التوني)، امرأة ترتفق نافذتها الكلاسيكية، لتوحي بعصر قديم نسبياً عما تطالعه أعيننا من أشكال العمارة والنساء هذه الأيام، وبمجرد الدخول إلى المعرض تتغير حال المُشاهد تماماً، وينسى الخارج وصخبه، والزمن وثقله، ويصبح في حضرة نساء حلمي التوني، زمن آخر وصخب ألوانهن وتكويناتهن، وأغنيات يترنمن بها وهن يُطالعن الواقف في ظلهن، يحتمي به، مُحاولاً أن ينضبط إيقاعه حسب هواهن. حالة من الاستسلام التام والدهشة من روح مُبهجة تعم المكان بالكامل. حالات مختلفة لنساء مصريات جميلات، زادت العبارات المكتوبة من أغنيات مصرية شهيرة من تجسيد حالاتهن أكثر، التي تنتظر، والتي تناجي حبيبها الغائب، والنادمة على علاقة انتهت، والمُتباهية بجمالها في عين حبيبها، لأنه يراها كما تشاء. عالم حقيقي لمصريات قادرات على إظهار مشاعرهن في حريّة قصوى، رغم الباب الموارب، أو الشبّاك نصف المغلق، لكن مشاعرهن كأغنياتهن تتسرب وتخلق حالة من الإيروتيكا في شكـلها المــصـــري والشعبي بوجه خاص. ولا يــجــد التوني سوى عبارة دالة (المغنى حياة الروح) لتصــبح عنواناً لمعرضه الحالي.
الإيقاع اللوني والموسيقي
كل امرأة من نساء حلمي التوني تشدو بأغنية تشي بحالتها، أغنيات من تراث الموسيقى المصرية، لمطربات ومطربين يحفظ الجميع أغانيهم، وبالتالي يعلو اللحن الموسيقي للكلمات في لا إرادية من المُشاهِد، أغنيات مختلفة لكل من أم كلثوم وعبد الوهاب، شادية، محمد رشدي، عبد الغني السيد، محمد قنديل، عبد الحليم حافظ، وآخرين كوّنوا فن الموسيقى العربية والمصرية في العصر الحديث، لتعبّر عن حالات مختلفة لنساء عاشقات في بهجة لافتة، أو حتى يأملن دون يأس في حبيب مرجو، سيأتي حتماً من يقين مُستمد من ملامحهن. لم ينس التوني الأغنيات الشعبية الشهيرة كأغنية (البحر بيضحك ليه) و(كعب الغزال) في مقابل أغنيات الفصحى لعبد الوهاب (جفنه علّم الغزل) و(عندما يأتي المساء). أما اللحن اللوني فيبدو في الألوان الزاهية المُبهجة ــ ألوان مُشبّعة ــ احتل اللون الأحمر أكثرها، إضافة إلى الأخضر والأزرق، هذه الألوان تبدو في ملابس النساء، بينما تأتي خلفية اللوحات في درجة أقل حدة من اللون الأساسي في اللوحة، أو من اللون المُكمّل له ومشتقاته في دائرة الألوان، وهو ما خلق حالة من الهدوء، فالتباين اللوني لم يكن بالدرجة الكبيرة، التي تصرف النظر عن الشخصية/المرأة مركز العمل الفني وهمّه الوحيد.
الجسد ولغته
حالة قصوى للاحتفاء بالجسد الأنثوي تؤكدها كل لوحة من اللوحات التي تعدّت الـ 40 لوحة، من حيث تفاصيل التكوين الجسماني، إضافة إلى الحركة والإيماء واللفتة العَرَضيّة … أقدام تلمس الماء، يد تُمسِك بالبرقع، أو تحكُم الملاءة اللّف حول جسد صاحبتها، أو تحتوي خد صاحبتها في لحظة انتظار. أجساد تتنفس الحياة، وتثق في تفاصيلها ثقة مطلقة، في حالة تباهي دائمة، حتى في لحظات الحزن أو الانتظار، أيضاً تسيطر عليها حالة الثقة والتباهي، بأنها المصدر الأوحد للجمال. وأضاف أحد الأصدقاء وهو تحت تأثير ما يراه التحوير المحسوب في نسب الجسد، والذي يكاد يقترب من الكاريكاتور، تحوير رصين كالعين المتسعة، والسيقان والأكتاف العريضة في بعض اللوحات، وراحة اليد الظاهرة جداً ــ حجماً بالنسبة للجسد ــ رغم وضع الاستسلام الذي تبدو عليه. إضافة إلى الظِل الدائم الملازم لوجوه النساء، الظل الذي يقسم الوجه إلى نصفين متساويين، ظِل خفيف يمثل حالة رغبتهن وقوتهن في الوقت نفسه.
الإكسسوارات الشعبية
يحتفي التوني بأدوات الزينة وإكسسوارات النساء، والشعبية منها بالأساس، فمعظم اللوحات تبدو المرأة في خلخال يزيّن ساقيها، إضافة إلى القلائد والأقراط شعبية التصميم، كذلك البُرقع والملاءة التي تشتهر بها نساء الحارات الشعبية ــ الملاءة اللّف ــ بجانب المفارقات في بعض اللوحات … كالمرأة ذات الملابس الحديثة نسبياً، والتي تنظر إلى المرآة وتتجمّل، بينما جلستها وشعرها المُجعّد يوحي بتصوير النساء المصريات منذ القِدم في الجداريات الفرعونية. أو امرأة ترتدي (الطربوش) وهو جزء من ملابس وشخصية الرجل في العهد الملكي، خاصة ممن ينتمون للفئة المتوسطة وقتها.
دافنشي ومحمود سعيد
لم ينس التوني تحيّة مُعلمه الفنان (محمود سعيد) كما كتب بنفسه على لوحة يُحاكي بها أشهر لوحات محمود سعيد «بنات بحري»، الفتيات الثلاثة، وأن تصبح الأغنية المُصاحبة لهن هي (تلات سلامات) كتحيّة من الرجل إلى أستاذه. إضافة إلى لوحة أخرى شهيرة لمحمود سعيد (ذات العيون العسلية)، وقد اختار لها كلمات .. عيونك سود أول مش سود، علشان الناس تتوه عنك. لوحة أخرى تبدو في تكوينها وجلسة صاحبتها قريبة الشبه بلوحة دافنشي الشهيرة «الموناليزا» لكنها عند التوني موناليزا مصرية، من فئة متوسطة، يبدو ذلك في تفاصيل تكوينها الجسماني وملابسها وإكسسواراتها .. القلادة والوردة التي تختبئ بين خصلات شعرها. اللوحات جميعها تحتفي بالحب والحياة والمرأة مصدر البهجة والفن والجمال كما يراها حلمي التوني.
محمد عبد الرحيم: