نيويورك – «القدس العربي»: سأسير عكس التيار السائد حول تحليل خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمام الكونغرس الأمريكي الأكثر إسرائيلية من الكنيست الإسرائيلي والذي كان يطلق عليه مرشح الرئاسة السابق بات بوكنن «الكونغرس المحتل إسرائيليا». كل التعليقات التي قرأتها وتابعتها قبل الخطاب وبعده تتعلق بنقطتين أساسيتين: الأولى حول تأثير الخطاب على العلاقات الإسرائيلية الأمريكية وخاصة أنه تم عقد الصفقة بين رئيس مجلس النواب جون بوينر والسفير الإسرائيلي في واشنطن رون ديرمر من وراء ظهر الرئيس باراك أوباما وهو ما يعتبر إنتهاكا للأعراف الدبلوماسية وخاصة بين الحلفاء. والنقطة الثانية أثر الخطاب على المفاوضات مع إيران والتي قاربت أن تنتهي باتفاقية شاملة فجاء رئيس الوزراء المخادع ليعطلها عن طريق الاستقواء بالكونغرس ضد الإدارة الأمريكية. وقد أجمعت التحليلات على فشله الذريع في ليّ ذراع الرئيس أوباما لدرجة أن نانسي بالوسي رئيسة الأقلية في الكونغرس إنتقدت جون بوينر، رئيس مجلس النواب، وقالت «إذا كان هدف الزيارة حشد الدعم لتوسيع العقوبات ضد إيران قبل أسبوعبن من الانتخابات الإسرائيلية وأثناء المفاوضات الجارية حول برنامج إيران النووي فأعتقد أن الزيارة لم تكن مناسبة». صحيح لقد حصل نتنياهو على 24 موجة تصفيق من بينها 17 تصفيقا مع وقوف كل من في القاعة، إلا أن النتائج حول ثني الإدارة عن الاستمرار في المفاوضات مع إيران أو تشديد رزمة العقوبات أو التاثير على الانتخابات الإسرائيلية أو تأزيم العلاقات مع الولايات المتحدة كل هذه النتائج لم تحصل وعادت الأمور إلى سابق عهدها وانتهت الزوبعة التي أطلقها نتياهو في فنجان مهرجان أقرب إلى السيرك منه إلى حصاد أية نتائج ملموسة.
الضجة مفتعلة والهدف فلسطين
على طريقة اللصوص المحترفين الذين يشعلون النار في إحدى البيوت النائية في القرية كي يهرع معظم الناس لإطفاء الحريق فيغيرون على البيت المستهدف دون أية أخطار، ما فتئ نتنياهو في سنوات حكمه الطويلة نسبيا، يتعمد إفتعال ضجة كبرى لا سابق لها حول برنامج إيران النووي ولكن الهدف الحقيقي ليس إيران بل توسيع الاستيطان وتهويد القدس وتشديد الحصار على غزة وهدم البيوت وقتل الناشطين وتجويع الشعب الفلسطيني وحصاره وتهزئة السلطة الهزيلة أصلا دون أن ينتبه أحد أو يصرخ أحد أو يحتج على تلك الجرائم أحد خاصة وأن شركاء نتنياهو العرب قد أصبحوا مكشوفين أكثر وأكثر في إطباق فكي الكماشة على الشعب الفلسطيني وخاصة في غزة.
لقد تابعت آخر ثلاث خطابات لنتنياهو في دورات الجمعية العامة الـ 69 الحالية والـ 68 (2013) و 67 (2012). وكان موضوع برنامج إيران النووي يستهلك معظم الخطاب وخاصة الدورتين الأخيرتين. والكل يذكر مسرحية رفع صورة القنبلة الموقوتة التي على وشك أن تنفجر يوم 6 تشرين الاول/أكتوبر 2013 والتي وصف فيها الرئيس روحاني بالذئب الذي يلبس جلد حمل. فهل هذه الضجة الكبرى حقيقية وهل إسرائيل مقتنعة أن إيران فعلا تسعى لامتلاك السلاح النووي أم أن هناك أسبابا أخرى؟ دعنا نذكر نزرا يسيرا منها:
أولا: الأسلحة النووية والنفاق الدولي
من المحير جدا أن تقام كل هذه الضجة ضد نوايا دولة بامتلاك سلاح نووي وهي عضو في «إتفاقية عدم الانتشار النووي» وتفتح منشآتها للمفتشين وتجلس على طاولة المفاوضات مع مجموعة الخمسة + واحد منذ ما يزيد عن ست سنوات بينما يصمت هذا العالم المنافق ضد دولة من المؤكد أنها تملك سلاحا نوويا كما صرخ بذلك العالم النووي «مردخاي فعنونو» عام 1986 عندما فر من إسرائيل وأدلى بمعلومات تفصيلية عن برنامج إسرائيل النووي. وقد خطفته الموساد وأعادته لإسرائيل ليقضي 18 سنة في السجن. إن أسلحة إسرائيل النووية أكبر سر معروف في عالم السلاح لكن لا أحد يريد أن يتكلم فيه أو يثيره أو يحتج عليه. وقد حاول عمرو موسى من موقعه كوزير خارجية مصر عام 1995 عدم التجديد الدائم لاتفاقية عدم الانتشار إلا إذا تضمن الاتفاق إعلان منطقة الشرق الأوسط منطقة خالية من الأسلحة النووية إلا أنه فشل.
إيران الآن تحاول أن ترفع الحصار المدمر الذي أدى إلى ضعضة إقتصادها وإنخفاض قيمة عملتها وتعمل على تخفيف الإجراءات البنكية التي جمدت مليارات من السيولة النقدية وتحاول أن تعود إلى المجتمع الدولي كاملة التأهيل بعد أن تعترف لها الولايات المتحدة بدور إقليمي مميز وخاصة في محاربة تنظيم الدولة. ولا عجب أن يقود قاسم سليماني معارك تكريت بنفسه. أي أن هناك إصطفافا فعليــــا بين مجموعة دول التحالف وإيران ضد الحرب على تنظيم الدولة. فهل ستقوم إيران بتبديد هذا الوضع المثالي بعد بسط سيطرتها على أربع عواصم عربية وتستمر في برنامج مكلف غير مضمون النتائج في ظل حصار خانق وسلة عقوبات باهظة التكاليف؟
ثانيا: جرائم حرب في غزة
ما يجري في غزة الآن، بعد إطباق فكي كماشة الحصار المصري والإسرائيلي، جريمة حرب بامتياز كونها عقوبة جماعية لنحو مليونين من البشر المكدسين في قطعة أرض مساحتها أقل من نصف مساحة مطار الملك فهد بالدمام. وقد قامت مؤخرا ثلاثون منظمة دولية بإطلاق نداء مشترك حول الأوضاع الإنسانية المتردية في غزة محملة المسؤولية الرئيسية لإسرائيل: «يجب أن تمتـثل إسرائيل بالتزاماتها بموجب القانون الدولي وبشكل خاص إنهاء الحصار بشكل كامل ضمن الإطار الذي حدده قرار مجلس الأمن رقم 1860 (2009)». ومن بين المنظمات التي وقعت البيان الأونروا ومنظمة الصحة العالمية وبرنامج الأغذية العالمي ومكتب منسق الشؤون الإنسانية وهيئة الأمم المتحدة للمرأة ومنظمة أوكسفام ومنظمة أطباء العالم.
وجاء في البيان أن الظروف المعيشية في غزة كانت صعبة قبل الجولة الأخيرة من القتال إلا أن الوضع تدهور إلى حد كبير منذ تموز/يوليو الماضي ولا يزال ما يقرب من 100,000 فلسطيني مهجرين هذا الشتاء يعيشون في ظروف صعبة في المدارس وأماكن إيواء مؤقتة غير مجهزة للإقامة لفترة طويلة ويستمر إنقطاع الكهرباء لفترة تصل إلى 18 ساعة في اليوم».
إن التغطية على هذه الجرائم وما ارتكبته القوات الإسرائيلية من جرائم حرب في الصيف الماضي يتطلب إفتعال ضجة كبرى كي تضيع فيها أصوات الأرامل والثكالى والأيتام التي خلفتها عملية «الجرف الصامد». إذ كيف يعقل أن من يرتكب كل تلك الجرائم يستقبل كبطل أسطوري في الكونغرس الأمريكي رغما عن أنف الرئيس. إن اللعبة التي يلعبها نتنياهو بالتعمية على ما يجري الآن في غزة بدأت تأتي ثمارها حتى تكاد مأساة غزة وجرحها النازف تختفي من على رادارات العالم ومن بينها العديد من الدول العربية.
ثالثا: تقرير فريق تقصي الحقائق حول الحرب على غزة
من المفروض أن يصدر في أواسط آذار/مارس الحالي تقرير لجنة تقصي الحقائق التي أنشأها مجلس حقوق الإنسان في شهر آب/أغسطس 2014 للتحقيق في «كافة انتهاكات القانون الإنساني الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس الشرقية وبشكل خاص قطاع غزة المحتل في إطار العمليات العسكرية التي إبتدأت بتاريخ 13 تموز/يوليو 2014». لقد رفضت إسرائيل أي نوع من التعاون مع اللجنة التي كان يرأسها البروفيسور الكندي وليم شاباز. واتهمت إسرائيل شاباز بأنه معاد لإسرائيل ومنحاز للفلسطينيين علما أنه يهودي، بالضبط كما عملت مع القاضي غولدستون اليهودي الجنوب إفريقي الذي نشر تقريرا حول الجرائم التي ارتكبت ضد المدنيين في قطاع غزة أثناء عملية الرصاص المصبوب ( 2008-2009). ظلت إسرائيل تضغط على اللجنة وتتهمها بالتحيز إلى أن إستقال شاباز يوم 2 شباط/فبراير. وبعد الاستقالة التي رحب بها نتنياهو طالب بحل اللجنة كما طالب بوضع التقرير على الرف والتوجه للتحقيق مع حركة حماس فقط. لكن كل هذه الهستيريا تعكس قلقا عاليا من المؤسسة الحاكمة في إسرائيل وتخوفا من محتويات التقرير لسبب بسيط وهو أن نتنياهو يعرف ما ارتكبت يداه من جرائم في غزة ترقى إلى مستوى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. إنه يريد أن يستبق الحدث ويشحن الأجواء في الولايات المتحدة ضد أي إدانة لإسرائيل قادمة ويوهم الرأي العام أن إسرائيل مهددة بوجودها من قبل إيران. وقد إعتادت إسرائيل أن تخلق هذا النوع من الضجة كلما حشرت في الزاوية من قبل المحققين الدوليين أو تحول الرأي العام العالمي لصالح الفلسطينيين.
رابعا: حجز أموال الضرائب الفلسطينية
قامت إسرائيل في كانون الأول/ديسمبر 2014، ردا على تقديم السلطة طلب الانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية بوقف تحويل أموال الضرائب الفلسطينية إلى السلطة الفلسطينية كما نص على ذلك «إتفاق باريس الاقتصادي» الكارثي. وبموجب الاتفاق تقوم إسرائيل بتحصيل الضرائب على كل المستوردات ثم تتقاضى عمولة بقيمة 3٪ عن عوائد الضرائب . وهذه ليست المرة الأولى التي تستخدم إسرائيل ورقة أموال الضرائب للضغط على السلطة الفلسطينية وتركيعها أكثر مما هي عليه وتحويل إتجاه الغضب الفلسطيني من كونه ضد الاحتلال إلى السلطة الفلسطينية لعجزها عن دفع رواتب الموظفين.
إن حجز الضرائب إنتهاك واضح للاتفاقيات الموقعة بين الجانبين وعملية قرصنة في وضح النهار تمارسها حكومة لا تأبه بقانون دولي أو إتفاقيات أو عهود أو مواثيق. لقد أدى حجز أموال الضرائب الذي يدخل شهره الرابع مع بداية آذار/مارس، إلى إقتراب السلطة من الانهيار والتهديد بحل السلطة ووضع مفاتيحها، كما قال رئيسها محمود عباس، على طاولة نتنياهو. تعتبر هذه القرصنة عقابا جماعيا لكل الفلسطينينن في الأراضي المحتلة حيث بدأ المجتمع الدولي يثير مسألة حجز أموال الضرائب وخاصة بين دول الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة. وكالعادة، كلما تصاعدت حدة الانتقادات للمسلكيات الإسرائيلية رفع المسؤولون الإسرائيليون وتيرة الضجة كي يخفوا ما يجري على الأرض من ممارسات تهدف في المحصلة النهائية إلى تثبيت الاحتلال وتعميقه وتوسيعه عن طريق الضغط على الفلسطينيين وتحويل حياتهم جحيما لا يطاق فيصبح الفرار من الوطن مطلبا ومخرجا. وقد نشرت «نيويورك تايمز» بتاريخ 17 شباط/فبراير الماضي تقريرا يترك في قلب القارئ وجعا عمـيقا حول شباب غزة الذين يتسللون إلى إسرائيل عبر الأسلاك الشائكة بهدف إعتقالهم كي يضمنوا على الأقل مأوى وطعاما يقيهم خطر الموت جوعا أو يأسا.
لهذه الأسباب مجتمعة وغيرها الكثير يريد نتنياهو أن يفتعل معركة وهمية ضد برنامح إيران النووي ويبالغ فيها كثيرا ويخلق رأيا عاما مساندا في الولايات المتحدة والتي بدأت تتحول بطيئا على المستوى الشعبي عن تأييد إسرائيل بسبب الأعمال التي يقوم بها نتنياهو وأمثاله. يريد أن يشعل حريقا وهميا ويفتعل ضجة مقصودة ليستمر في برنامج التهويد والاحتلال والتجويع وزرع اليأس لدى الفلسطينيين كي يتخلوا طواعية عن وطنهم وهو بالتأكيد واهم ولا بد أن يفيق من غفلته يوما عندما يسمع صرخات شعب مظلوم يفجر إنتفاضة شعبية عارمة متواصلة ومصممة على الاستمرار حتى تحقيق الاستقلال والحرية.
عبد الحميد صيام