بغداد ـ «القدس العربي»: وثقت بعثة الأمم المتحدة المعنية بالدفاع عن حقوق الإنسان في العراق، تقليص مساحة حرية الرأي في البلاد، وفيما جددت رفضها توجيه تهم جنائية للصحافيين جراء انتقادهم شخصيات عامة، اعتبرت أن استمرار الإفلات من العقاب يشجع مرتكبي الجرائم بحق الصحافيين.
وقال مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، في بيان صحافي، إنه «من خلال العمل عن كثب مع الصحافيين والمدونين والمنظمات التقنية والمنظمات غير الحكومية المعنية بحرية الصحافة وناشطي المجتمع المدني الآخرين والمدافعين عن حقوق الإنسان في العراق، قدم مكتب حقوق الإنسان التابع لبعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي) ورشات عمل لتعزيز قدراتهم، وتعزيز الدعوة لتسليط الضوء على مخاوفهم، ورصد الانتهاكات التي تستهدفهم والإبلاغ عنها».
وأوضح أن «في العراق، وفي جميع أنحاء العالم، يجب أن يكون الصحافيون والناشطون وغيرهم ممن يمارسون مهنتهم وحقهم في حرية التعبير قادرين على القيام بذلك بأمان ودون خوف من التجريم أو الهجوم أو الانتقام»، معتبرا أن «الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضد الصحافيين، واستخدام نظام العدالة كأداة لتوجيه تهم جنائية ضد الصحافيين لانتقادهم الشخصيات العامة، يساهم في إحداث تأثير مخيف ويحد من مساحة الحوار الصحي والمعارضة».
وأضاف: «مساحة حرية التعبير في العراق آخذة في التقلص. فوفقا لمؤشر حرية الصحافة العالمي لعام 2022 لمنظمة مراسلون بلا حدود، تراجع العراق في الترتيب من 163 إلى 172 من أصل 180 دولة. ويأتي هذا التراجع في التصنيف في أعقاب القمع الخطير ضد المتظاهرين والناشطين والمدافعين عن حقوق الإنسان والصحافيين ابتداء من مظاهرات تشرين (أكتوبر) 2019. وأصدر مكتب حقوق الإنسان سبعة تقارير عن انتهاكات الحقوق التي ارتكبت خلال الاحتجاجات. وسجل المكتب 487 حالة وفاة، و7,715 إصابة، و48 محاولة أو حالة قتل، و32 عملية اختطاف، واستمرار اختفاء ما لا يقل عن 20 ناشطا على أيدي قوات الأمن والجهات المسلحة».
وأكد مشاركة المكتب الأممي «بشكل بناء مع الحكومة لتشجيع المساءلة عن هذه الجرائم»، لافتا إلى أن «على الرغم من أن المكتب قد أشاد بالتقدم المحرز في تعويض أسر الضحايا، إلا أنه قد لوحظ أيضا أنه على الرغم من قيام الحكومة بتسجيل أكثر من (8 آلاف) فعل إجرامي، فقد وثق مكتب حقوق الإنسان إدانات في أقل من عشر قضايا. وهذا الإفلات المستمر من العقاب يشجع مرتكبي الجرائم، وفي الوقت نفسه له تأثير مخيف على المجتمع، بما في ذلك الصحافيون أنفسهم».
وأشار إلى أنه «في العام الماضي أيضا تم استخدام القوانين العراقية التي تتعلق بالتشهير والتقييد ضد الصحافيين والنشطاء الذين انتقدوا علانية الشخصيات العامة، بما يتعارض مع حرية التعبير المنصوص عليها في الدستور العراقي، وتم تعليق برامج لوسائل إعلامية في كل من العراق الاتحادي وإقليم كردستان بعد بثها لاعتبارها تنتقد السلطات، وتعرض صحافيون في جميع أنحاء البلاد للمضايقة أو التضييق من قبل قوات الأمن أثناء تغطيتهم للمظاهرات أو غيرها من الأحداث الأخرى، وفي بعض الحالات تعرضوا للضرب والاعتقال، وتعرض صحافيون للتهديد أو الترهيب من قبل جهات فاعلة غير حكومية، وتعرض عدد من وسائل الإعلام لاعتداء بدافع سياسي».
ومضى يقول: «في أكثر من 70 مقابلة أجريت مع صحافيين في جميع أنحاء البلاد منذ تموز/ يوليو، وثق مكتب حقوق الإنسان ميلا شبه إجماعي إلى الرقابة الذاتية بسبب الخوف من الانتقام أو الهجوم. وينتج عن هذا التأثير المروع، تقلص مساحة الحوار العام والرأي النقدي والمعارضة السليمة». ويأتي بيان المسؤول الأممي تزامنا مع اليوم العالمي لإنهاء الإفلات من العقاب ضد الجرائم المرتكبة ضد الصحافيين.
رفضت توجيه تهم جنائية ضد صحافيين انتقدوا شخصيات عامة
ودعا «المرصد العراقي لحقوق الإنسان»، غير الحكومي، حكومة محمد شياع السوداني إلى «التحقيق في عمليات قتل الصحافيين العراقيين خلال السنوات الماضية دون أي محاسبة للجناة»، وألا تنتهج حكومته ذات النهج الذي كانت عليه الحكومات السابقة.
وحث، في بيان صحافي، الحكومة العراقية أيضا على «إعادة فتح التحقيق في الجرائم التي ارتكبت ضد الصحافيين العراقيين بعد تهاون الحكومات السابقة في محاسبتهم ومساعدتهم على الإفلات من العقاب».
وأضاف: «يعاني العراق منذ نحو عقدين من ظاهرة الإفلات من العقاب للجناة الذين ارتكبوا جرائم ضد الصحافيين العراقيين، حيث قتل 475 صحافيا وعاملا في مجال الصحافة منذ عام 2003 ولم يحاسب الجناة سوى على حالتي قتل أو ثلاثة فقط. هذا يعني أن مؤشر الإفلات من العقاب في العراق مرتفع بشكل كبير ويضع العراق من ضمن البلدان التي تشكل أكثر خطورة على العمل الصحافي». وقال تحسين طه، وهو صحافي عراقي يعمل لصالح قناة (العربي) خلال شهادة «للمرصد»، إن «وجود مظلة سياسية وغطاء للمتورطين بالجرائم ضد الصحافيين هي التي تحول دون تحقيق العدالة بحق مرتكبي هذه الجرائم فضلا حتى عن عدم إمكانية اعتقالهم».
وأضاف أن «الإفلات من العقاب ساعد في اتساع رقعة الجرائم المرتكبة ضد الصحافيين. السلطات العراقية تتعرض لضغوط سياسية تسهم في إفلات الجناة من العقاب. لا يمكن أن تكون هناك ديمقراطية في العراق دون تمكين حقيقي للسلطة الرابعة ونقل الحقائق إلى الجمهور، لذا من الضروري توفير الحماية القانونية للصحافيين للوقوف بوجه الجرائم المرتكبة ضدهم».
ووفقا لمنظمة الأمم المتحدة للثقافة والتعليم (اليونسكو) فإن أكثر من 950 صحافيا في العالم قتلوا منذ 2012، وأفلت تسعة جناة من كل عشر جرائم.
واعتبر أن «العراق من البلدان التي تتصدر عمليات الإفلات من العقاب في الجرائم المرتكبة ضد الصحافيين».
وقالت الصحافية نور إبراهيم التي تعمل لصالح قناة (البينة الجنوبية) إن «الكثير من الصحافيين فقدوا حياتهم نتيجة الكتابة عن قصص تتعلق بالفساد أو انتهاكات حقوق الإنسان عندما حاولت جهات ما إسكاتهم عن طريق التهديد أو الاغتيال. يجب على الحكومة أن تكون سندا للصحافي لممارسة عمله وليكون بعيدا عن رصاصات الغدر». وأضافت أن «الكثير من الجرائم سجلت ضد جهات مجهولة الهوية، لذا نطالب بالكشف عن تلك الجرائم ومرتكبيها لتكون عبرة للجهات التي تحاول أن تقف بوجه العمل الصحافي واغتيال الصحافيين».
ويسعى المرصد منذ سنوات مع شركاء محليين ودوليين للعمل على إنهاء الإفلات من العقاب ضد الجرائم المرتكبة ضد الصحافيين، «لكن الحكومات العراقية السابقة لم تتجاوب ولم تسع إلى المساعدة في ذلك»، لذا نطالب الحكومة الجديدة التي يرأسها محمد شياع السوداني بأن توقف هذا الإفلات الذي يزيد من الانتهاكات والجرائم التي ترتكب ضد الصحافيين.
محاولة اغتيال
وقال الصحافي ذو الفقار الخفاجي الذي يعمل لصالح قناة (العهد) الفضائية في محافظة بابل: «تعرضت لمحاولة اغتيال في الخامس من أيلول/ سبتمبر 2022. أطلقت مجموعة مسلحة النار علي عندما وصلت لمنزلي، كان إطلاق النار على مسافة 50 مترا تقريبا، لكنني تمكنت من النجاة. تعرضت لمجموعة تهديدات قبل هذه المحاولة. أقمت دعوى قضائية لكن للأسف حتى هذه اللحظة لا يوجد أي إجراء، وطلبوا مني تقديم أسماء من حاول اغتيالي، وهذا صعب… كيف أعرفهم». وأضاف أن «المجرمين الذين يقومون بهذه العمليات ينتمون لجهات ظلامية منظمة تستهدف وتقتل بشكل منظم، وهذه الجهات هي التي توفر لهم الحماية من القانون». وتابع: «قبل محاولة الاغتيال بخمسة أيام أبلغتني جهات أمنية بعمليات تهديد وخطر علي، وهذه ثالث محاولة اغتيال، الأولى كانت عام 2015 والثانية كانت عام 2019».
وقال الصحافي علي عبد الكريم الذي يعمل لصالح قناة (الفلوجة): «نحتاج إلى وقفة أمنية وجادة من قبل المؤسسات المعنية بحقوق الصحافيين. الكثير من الذين انتهكوا حرية الصحافة في العراق لم يحاسبوا وهذا دليل على عدم اهتمام الدولة. على الحكومة الجديدة الاهتمام بالصحافيين أكثر والحفاظ على حياتهم».
وبمناسبة اليوم العالمي لإنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضد الصحافيين، أفاد المرصد في بيانه بأن «الصحافيين في العراق يواجهون مخاطر عديدة ترتقي أغلبها إلى جرائم تسجل ضد (مجهول). سهلت الحكومات العراقية السابقة عمليات الإفلات من العقاب، وكانت تكافئ الجناة على الجرائم التي يرتكبونها ضد الصحافيين».
وذكر الصحافي إبراهيم المحمود الذي يعمل لصالح قناة (آي نيوز) إن «الصحافي عندما يذهب في مهمة صحافية يتعرض لتهديدات من عشائر أو من الجهات التي قد تتضرر من كشف ملفات الفساد، وهذا ما حدث في عموم العراق. ماذا قدم القضاء العراقي والقوات الأمنية للجناة؟
وأضاف أن «اللجان التحقيقية التي شكلت لم تأت بنتائج، يجب أن يكون هناك قانون يحمي الصحافيين من القتل والتهديد. الحكومات العراقية تريد من الصحافيين نقل إنجازاتها فقط، لكن عندما يتعرض أي صحافي لمخاطر لا تساعده ولا تحميه».
خلق بيئة آمنة
وأسهمت أساليب الحكومات العراقية السابقة، حسب البيان، في خلق بيئة آمنة للجناة الذين ارتكبوا جرائم ضد الصحافيين العراقيين. إن عمليات التساهل والتهاون والتغطية لأسباب سياسية وشخصية على بعض الجناة، أتاح لمرتكبي هذه الجرائم فرصة عدم المحاسبة على ما ارتكبوه.
وقال الصحافي يوسف سلمان الذي يعمل لصالح وكالة (نينا) للأنباء، إن «الدور الذي يقوم به الصحافي العراقي في تقصي الحقائق عن ملفات الفساد كبير وخطر في الوقت ذاته. هناك عمليات استهداف منظمة حدثت للصحافيين الذين يعملون على كشف ملفات الفساد. جرائم قتل الصحافيين أصبحت ضمن الأخبار اليومية. يجب أن تكون هناك جدية للحكومات في عدم السماح للجناة بالإفلات من العقاب».
ويقول محمد فراس، وهو صحافي يعمل لصالح قناة (التغيير)، إن «الصحافي هو السلطة الرابعة في أي بلد، حتى وإن كانت الدولة لا تعترف بهذه السلطة. ازدياد الجرائم ضد الصحافيين والتساهل في محاكمة مرتكبيها، هو عمل في صالح الأحزاب والقوى التي لا تريد للصحافي أن يقوى. الأحزاب لا تريد للصحافيين أن يقووا، لذا، فإن السكوت على الجرائم المرتكبة ضد الصحافيين يضعف الصحافة ويقوي الجناة. على الفاعلين السياسيين الوقوف إلى جانب الصحافي، السياسي أو المسؤول الحكومي غير المشترك في عمليات الفساد والقتل لا يخشى من الصحافة».
ورأى المرصد في ختام بيانه، إن «حكومة محمد شياع السوداني أمام فرصة للإيفاء بالتزاماتها بشأن حماية حقوق الإنسان، وعليها أن تفي بكل وعد قطعته، وكذلك إنهاء حالة الإفلات من العقاب على الجرائم التي ترتكب ضد الصحافيين العراقيين، فمسؤوليتها توفير الحماية لهم. إن الفرصة سانحة لمحاسبة مرتكبي الجرائم».