الإماراتية فاطمة الدهمش تصوغ الشكل بخاصيات تعبيرية

تعد التجربة التشكيلية للفنانة فاطمة الدهمش أنموذجا فنيا يدخل في سياق التجارب التشكيلية المميزة محليا وعربيا. إذ تعتبر أعمالها الفنية منجزا تشكيليا يقوم على خاصيات تشكيلية معاصرة، بتثبيت الشخوصات الانطباعية والبوانتيزم وأشكال متنوعة؛ باعتبارها مادة متصلة بتصوراتها، تعالجها في الفضاء وفق خاصيات تشكيلية رائقة، باعتمادها بشكل دقيق تراعي فيه مقاسات المادة الفنية، وتوزعها في المساحة بعناية فائقة لقيم السطح، ما يضفي عليها جماليات متنوعة قوامها اللون والشكل والشخوصات الغامضة.
وهو منحى سلكته لاعتبارات متنوعة منها قوة المضامين الفنية، ومنها تأثير الواقع في منجزاتها الفنية، ومنها الاحترافية والتقنية العالية والمهارات الكبيرة التي تتوفر عليها المبدعة، ما ولّد في أعمالها سحرا تشكيليا متعدد الرؤى والدلالات. فالمادة التشكيلية بأشكالها التعبيرية المتنوعة لا تتوقف عند حدود اللون والشكل، وإنما تتجه إلى مناح متعددة القراءات.

فالتجربة التشكيلية للمبدعة تنبني على تصورات ورؤى تعبيرية، تمتح مقوماتها من الواقع باختلاف مضامينه وتعدد مشاربه، حيث تتبدى أعمالها وصفا يعبر بشخوصات وأشكال تعبيرية، تصيغها بألوان خفيفة، وتردفها بالمادة التعبيرية لتشكل منها مواد علاماتية مثقلة بالإيحاءات والدلالات، فتعمد إلى روابط علائقية تكثف بها المسلك الشخوصي والتعبيري، من خلال عملية البناء، وإنتاج توليف بين مختلف العناصر المكونة لأعمالها، وهي في الواقع تلجأ إلى تشخيص صور ذات معالم معينة لتشكل من خلالها التتابعات الفنية في تحولاتها المرتبطة بالظواهر الفنية والتعبيرية، تنجزها وفق التقنيات العالية والمهارات الكبيرة والمؤهلات الفنية الرائقة، إذ تثبت الملامح المشخصة، وتمررها من مختلف العمليات الإبداعية التي تقاربها بالمادة المرتبطة بالواقع في مختلف تجلياته، وتقاربها أيضا بالرؤى الفنية التي تتوفر عليها. لهذا تبدو مشخصاتها في تفاعلات قائمة مع القارئ، تحاكي الواقع الاجتماعي والفني والثقافي، وتعبر عنه بشخوصات وبأشكال مختلفة، تحمل في عمقها مفاهيم ذات مغاز عميقة. وبذلك فإن الفنانة فاطمة الدهمش تتخطى ببراعة التشكيل المألوف إلى تشخيص فني يروم معاني الانسجام والفكر والتصور والثقافة والفن، في تجاوز صريح لمجموعة من المستهلكات، وبذلك فمنجزها التشكيلي المعاصر يدخل في سياق مشروع فني وتعبيري، وهو إنجاز متكامل فنيا يحمل مضامين عميقة بجماليات رائقة.
لذلك، وفي المنظور النقدي؛ ترتكز التجربة التشكيلية لديها على أشكال تعبيرية وعلى البوانتيزم وعلى الانطباع الذي يستمد كينونته من الواقع، ويمتح مقوماته من الأسس الفنية للتشخيص في شموليته، حيث تتبدى أعمالها معبرة عن وقائع من الواقع المتعدد المضامين.

الفنانة فاطمة شخوصات تعبيرية متنوعة، وتصيغها في ألوان خفيفة وأشكال بسيطة حسب تصوراتها ورؤاها الفنية، وأحيانا تستعمل ألوان قليلة ومتدرجة وتردفها بجنسها لتنسج من ذلك المادة اللونية التعبيرية، ثم تشكل منها مواد شخوصية مرتبطة بمضامين حمالة لعدد من الدلالات. إنها تعمد إلى صنع روابط علائقية توازن بها المفردات الفنية للفضاء، فتتمظهر بين كتل من العلامات المضمرة داخل اللون، وتعمد من خلال عملية البناء إلى إنتاج توليف بين مختلف العناصر المكونة لأعمالها، وتصيغ ذلك فنيا في مساحات ذات تراكمات رمزية، ودلالات عميقة، وهي تنبثق من اللون أو من الشكل، وتؤصل لفلسفة قيمية تستجيب لضرورات العمل حتى يتفاعل مع القارئ ومع الثقافة التشكيلية التفاعلية.
إن خاصية التشخيص الإيحائي في عمقه التشكيلي، يحدث حركات فنية قادرة على منح المجال الانطباعي تعبيرا صادقا يؤهل إلى تعددية القراءة، فالمبدعة تبلور العملية الإبداعية وفق خاصيات جديدة وأساليب فنية تعبيرية معاصرة، وإنها كذلك تؤثث لمجال فني دلالي يتطور في عمق الصورة الشخوصية الانطباعية بصيغ جمالية تفاعلية تتجاوب بشكل تلقائي مع نظام الفضاء التعبيري بأنساق دلالية متلائمة ومنسجمة في ما بينها، تُطاوع الحس الانفعالي، وتستجيب إلى تصورات المبدعة التي تتمتع بقدرة تحكمية في الفضاء وفي المادة التشكيلية. وتربط بين العناصر المكونة لأعمالها، باستخدامات فنية وجمالية وتعبيرية تروم من خلالها تثبيت الانسجام بين مختلف المفردات التشكيلية وبين مختلف الأشكال بصيغة تُعصرن أسلوبها وفق نسق جمالي يميز خطابها التشكيلي.

كاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية