أنقرة- “القدس العربي”: أنشأ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان حساباً له على موقع “تيك توك” للتواصل الاجتماعي، عقب سنوات من التأخير، في خطوة يهدف من خلالها للوصول إلى أصوات شريحة أوسع من الناخبين الشباب، الذين تعوّل عليهم المعارضة التركية بشكل كبير جداً من أجل إضعاف فرص فوز أردوغان وحزب “العدالة والتنمية” في الانتخابات البرلمانية والرئاسية، المقررة منتصف العام المقبل، والتي توصف بـ”المصيرية” لجميع الأحزاب، وعلى رأسها “العدالة والتنمية” الحاكم.
ويعرف الرئيس التركي بنشاط فريقه الإعلامي الكبير على منصات التواصل الاجتماعي، إلا أنه أنشأ حساباً في وقت متأخر على منصة انستغرام، التي ارتبطت بداياتها بالمحتوى الخفيف، وجيل صغير من المتابعين، قبل أن تصبح من أبرز المنصات للرئيس التركي الذي ينشر فريقه، عبر حسابه هناك، بشكل يومي، كافة أنشطته وتحركاته ومقاطع فيديو وصوراً من أنشطته اليومية والدعائية.
وقبل نحو شهر، قال مسؤول كبير في حزب “العدالة والتنمية” الحاكم، في نقاش مع مراسل “القدس العربي” بتركيا، إن “الرئيس لا يحب تيك توك”، في إشارة إلى أن الرئيس كان هو من يعارض بنفسه إنشاء حساب له على المنصة، التي يقول إنها ترتبط بمحتوى غير مفيد، ولا تليق بمكانة الرئاسة التركية، بحسب توصيف المسؤول، الذي رفض الكشف عن اسمه.
ولم تمر سوى أسابيع قليلة على هذا الموقف، حتى أنشأ أردوغان حساباً على المنصة الأعلى نمواً في السنة الأخيرة بين منصات التواصل الاجتماعي، حيث أطلق حساباً موثقاً باسم “rtedigital”، وهي عبارة مختصرة لحسابات الرئيس الموازية باسم “رجب طيب أردوغان ديجيتال”، ووصل الحساب إلى قرابة 130 ألف متابع ومليون إعجاب، خلال اليوم الأول من إطلاقه، حيث نُشر عدد كبير من مقاطع الفيديو الدعائية للرئيس.
هذا التوجه للرئيس التركي وفريقه الإعلامي فُسّر على أنه محاولة لمجاراة التطور المتسارع في مجال الإعلام الإلكتروني ومنصات التواصل الاجتماعي، ومحاولة حثيثة للوصول إلى أوسع شريحة ممكنة من الشباب وصغار السن الذين لا يتابعون وسائل الإعلام التقليدية، ويعتبرون أكبر عقبة تواجه مساعي أردوغان للفوز بجولة رئاسية جديدة، ويوصفون بأنهم الجيل الذي ولد واكتسب حق التصويت في عهد أردوغان، وبالتالي فإنهم يتجهون نحو التغيير. وبات يطلق على ملايين الشباب الذين سينتخبون لأول مرة في الجولة المقبلة بأنهم “جيل Z الحاسم”.
وعلى الرغم من أن المعارضة تحاول استجماع قواها من أجل إنهاء حكم أردوغان في الانتخابات المقبلة، ورغم الصعوبات التي يواجهها أردوغان في اجتذاب أصوات شريحة مهمة من الشباب، إلا أنه لا زال المرشح الأقوى والأكثر شعبية في تركيا، وسط تفكك في المعارضة، التي فشلت، حتى اليوم، في التوافق على مرشح واحد لخوض الانتخابات الرئاسية مقابل أردوغان.
ورغم نجاح أردوغان وحزبه الاستثنائي طوال 18 عاماً في كسب الانتخابات المحلية والبرلمانية والرئاسية، إلا أنه عانى طوال هذه الفترة من استمالة أصوات الشباب، وكان على الدوام ينجح في اكتساح أصوات كبار السن والمتقاعدين، لكن اليوم، وعقب اتساع رقعة المعارضة، وظهور أجيال جديدة من الشباب الذين يحق لهم التصويت في الانتخابات المقبلة، يبدو الخطر أكبر بكثير من السابق.
وخلال السنوات الأخيرة، عزز أردوغان من لقاءاته مع الشباب وزيارة الجامعات ومساكن الطلاب، كما زاد من نشاطه عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ويمتلك حسابات على مواقع “فيسبوك، تويتر، يوتيوب، إنستغرام”، وحديثاً “تيك توك”، ويسعى بشكل دائم للتواصل وإجراء لقاءات عبر هذه المنصات مع الشباب.
ويجمع مراقبون على أن 18 عاماً من حكم “العدالة والتنمية” كانت كفيلة بظهور جيل جديد وشريحة واسعة من الناخبين الشباب الذين لم يعيشوا أي حقبة أخرى في تاريخ تركيا، وأنه كلما تقدم الوقت ستتسع هذه الشريحة من الشباب الذي يبدون في حالة اندفاع كبيرة نحو التغيير وتجربة حزب جديد في السلطة، ويودون رؤية تجربة الأحزاب الأخرى في الحكم، وذلك على العكس تماماً من كبار السن الذين عايشوا الحقب الماضية وفترات حكم الأحزاب الأخرى ويرون في حزب “العدالة والتنمية”، رغم الكثير من ملاحظاتهم عليه، أفضل بكثير من العودة لتجربة الأحزاب المجربة سابقاً.
ويقول كبار السن من مؤيدي العدالة والتنمية إن الحزب قدم خدمات كبيرة، وأحدث ثورة في تقديم الخدمات البلدية وخدمات إيصال المياه والكهرباء إلى المنازل وتطوير البنية التحتية وبناء الطرق والجسور والمطارات والقطارات، بالإضافة إلى الثورة الكبيرة في قطاع التعليم والصحة والتكنولوجيا والصناعات الدفاعية وغيرها، ويرغبون في استمراره بالحكم.
لكن في المقابل، ترى شريحة واسعة من الشباب الذين يشكلون الكتلة الانتخابية الأكبر في البلاد أن ما سبق من خدمات في قطاع البلديات والصحة والتعليم وغيرها هي حقوق أساسية لا منة من أحد، ويعبرون عن رغبتهم في مزيد من الخدمات وفرص العمل والانفتاح والحريات والرفاهية والديمقراطية، وبالتالي يرغبون في إيصال حزب جديد إلى السلطة لـ “تعزيز العملية الديمقراطية والحصول على مزيد من الخدمات المأمولة”.
وعلى الدوام يذكر الرئيس التركي بفترة حكم “حزب الشعب الجمهوري”، يقول: “حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، يعني الفقر، يعني تلوث الهواء، يعني أطنان القمامة في شوارع إسطنبول، يعني طوابير لتعبئة المياه، كما طوابير الحصول على المساعدات، يعني خدمات صحية سيئة، نحن من نظف إسطنبول وطورها”، لكنه خطاب تراجعت قدرته على التأثير بشكل لافت في العام الأخير.
وفي محاولة سابقة أيضاً لاستمالة أصوات الشباب، أجرى أردوغان ضمن الاستفتاء الأخير على التعديلات الدستورية تعديلاً قانونياً ينص على خفض سن الترشح للانتخابات البرلمانية من25 إلى 18 عاماً، كما دفع الحزب بـ57 مرشحاً تقل أعمارهم عن 25 عاماً في قائمته للانتخابات البرلمانية آنذاك من أصل 600 مرشح يمثلون عدد نواب البرلمان، كما عيّن عدداً من الشباب في مناصب بارزة في تركيبة النظام الرئاسي الجديد.