نتائج انتخابات الكنيست الإسرائيلي: انتصار الأصولية الدينية والعنصرية

علي حيدر
حجم الخط
0

بالرغم من أن نتائج الانتخابات للبرلمان الإسرائيلي غير مفاجئة نتيجة لكونها سيرورة متواصلة في المجتمع الإسرائيلي، إلا أن الحالة المهيمنة حاليا على المشهد هي توغل الأصولية الدينية اليهودية، والتوجهات المسيانية، واليمين الفاشي الاستيطاني والكاهانية بمفرداتها وممارساتها وخطابها الخطير. ومن المتوقع أن تتشكل الحكومة السادسة التي سيرأسها بنيامين نتنياهو والتي ستكون أكثر حكومة يمينية متطرفة في تاريخ إسرائيل. هذه الحكومة التي تؤمن بالاستعلاء اليهودي القومجي والديني تتبنى خطابا ولغة توراتية أصولية وقادرة على تشريع موجة جديدة من القوانين العنصرية واتخاذ قرارات خطيرة جدا.

لقد حفز خوض حزب التجمع الوطني الديمقراطي برئاسة النائب سامي أبو شحادة الانتخابات متمثلا بشخصية النائب بشكل خاص المعركة الانتخابية، وشجع قطاعات واسعة من المجتمع العربي على المشاركة في الانتخابات، فقد ارتفعت نسبة التصويت من 45 في المئة كما كان متوقعا في بداية المعركة الانتخابية إلى حوالي 55 في المئة، كما أنه ساهم برفع السقف السياسي وتأكيد خطاب الكرامة والحقوق والاستقلالية في اتخاذ القرار السياسي بناء على توجهات وثوابت وطنية. إن ما حققه التجمع رغم عدم تجاوز نسبة الحسم يعتبر انتصاراً كبيراً ممكن استثماره في المرحلة المقبلة في عدة مجالات سوف نتطرق لها لاحقا. إن تفكيك القائمة المشتركة في المرتين السابقتين: الأولى عند خروج القائمة العربية الموحدة في الانتخابات السابقة والمرة الثانية بخوض التجمع الانتخابات لوحده في الانتخابات الراهنة، بعد اتفاق حزبي الجبهة الديمقراطية والحركة العربية للتغيير على خوض الانتخابات وحدهما، أثّر على معنويات المجتمع العربي الفلسطيني في الداخل وأدى إلى فقدان الثقة بالأحزاب العربية والسياسيين العرب. وبالرغم من ذلك هبّ المجتمع العربي، مرة أخرى، وفي اللحظة الأخيرة من أجل إنقاذ الأحزاب العربية.
وبالرغم من المحافظة على نفس عدد المقاعد العربية في الكنيست (القائمة العربية الموحدة برئاسة منصور عباس مع نحو 180 ألف صوت خمسة مقاعد، وتحالف الجبهة/التغيير برئاسة أيمن عودة وأحمد طيبي مع نحو 160 ألف صوت وخمسة مقاعد) إلا أن ما يسمى «النهج الجديد» الذي تقوده القائمة العربية الموحدة برئاسة النائب منصور عباس ورغم حصوله على خمسة مقاعد وحصوله على ثقة الكثيرين من المصوتين العرب، فقد أنهى دوره التاريخي لأنه لا يمكن أن يعمل إلا من خلال العضوية في الائتلاف والحكومة ولا يؤمن بدور المعارضة وبالتالي كما يبدو سيفقد مصوتيه مستقبلا نتيجة لعدم قدرته على التأثير.

من الرابح ومن الخاسر؟

لن تكون القائمة العربية الموحدة معارضة قوية كي لا تغضب شركائها من «معسكر التغيير» ولن تكون شريكة لليمين الذي ليس بحاجة إليها ولذلك بالرغم من تجاوز الموحدة لنسبة الحسم وحصولها على خمسة مقاعد تعتبر خاسرة، ورغم عدم تجاوز نسبة الحسم من قبل التجمع ممكن اعتباره فائزا. لا يمكن اتهام أي من الأحزاب العربية أو المجتمع العربي بعودة نتنياهو وازدياد قوة اليمين. على العكس من ذلك، فما أدى إلى عودة نتنياهو واليمين المتطرف هو نزعة المجتمع الإسرائيلي نحو اليمين وانقراض اليسار (حزب ميرتس اليساري- الصهيوني لا يتجاوز نسبة الحسم) وقد كان كل من ميرتس وبعض أعضاء حزب العمل المحسوبين على اليسار متماهين مع سياسة الحكومة الإسرائيلية التي نفذت نفس سياسات حكومة الليكود بل كانت أكثر صرامة ودموية تجاه الشعب الفلسطيني الواقع تحت الاحتلال.
إسرائيل في مأزق سياسي كبير فهي تسير في اتجاه نظام ابرتهايد، من البحر إلى النهر ووضعت نهاية لحل الدولتين وكما يبدو ستتعمق سياسات الاستيطان والضم والعنف وبالتالي من المتوقع أن يحصل التصعيد في الحالة الفلسطينية العامة.
سوف يعود نتنياهو لإشغال الناس بالملف الإيراني ومحاولة توثيق العلاقة مع بعض الأنظمة العربية المطبعة ورغم عدم التعويل على السياسة الأمريكية إلا أنه سيكون هناك توتر مع الإدارة الحالية وسيعمل على ترميم الثقة مع دونالد ترامب وتأييده بانتظار عودة الجمهوريين للسلطة في الولايات المتحدة وإضعاف السلطة الفلسطينية أكثر.
ومن المرجح أيضا أن تدور نقاشات معمقة داخل المجتمع الإسرائيلي حولة هوية يهودية الدولة ومن هو اليهودي، وما هي الصهيونية؟
كذلك ستعمل الحكومة المقبلة على إضعاف الجهاز القضائي من خلال سن «فقرة التغلب» التي تتيح للبرلمان الإسرائيلي، الكنيست، إعادة سن قانون تم إلغائه من قبل المحكمة العليا وإخضاع المستشارين القضائيين في الوزارات للساسة والتأثير على تعيين القضاة. ومن الممكن إقالة المستشارة القانونية الحالية والفصل بين منصبي المستشار القانوني والنائب العام وإلغاء ملف نتنياهو الجنائي وتهم الفساد إما من خلال إلغاء تهمة الإخلال بالثقة أو سن «القانون الفرنسي» أو إجراء تغييرات جوهرية بالنظام القانوني.
أغلب رؤساء الأحزاب التي من المفروض ان تشكل الحكومة إما ادينوا أو تدار ضدهم ملفات قضائية وقد تورطوا إما بقضايا جنائية أو بالإرهاب (بنيامين نتنياهو، وبن جفير، ودرعي وسموتريش).
هناك علاقة بين الانتخابات للسلطات المحلية التي سوف تجري في تشرين الثاني/نوفمبر الجاري والانتخابات للكنيست، ومن المثير فحص نسبة تصويت العرب لحزبي الليكود وشاس.
ولابد من الإشارة إلى أن لحزب التجمع دور مهم في مراقبة ومتابعة ونقد عمل الأحزاب الحالية وخصوصا العربية، وأخذ دور هام في إعادة بناء وهيكلة وتفعيل لجنة المتابعة العليا، الهيئة السياسية الأعلى لفلسطينيي الداخل، والعمل الشعبي والدولي بالإضافة إلى التداخل مع القضية الفلسطينية بشكل عام.
وما زالت هناك قاعدة شعبية واسعة للحزب الشيوعي الإسرائيلي، الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، ولكنها اليوم لم تعد القوة الأكبر داخل المجتمع العربي الفلسطيني في الداخل بعدما تصدرت الريادة القائمة العربية الموحدة (الحركة الإسلامية الشق الجنوبي) وقد آن الأوان أن تجري الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة مراجعات داخلية معمقة حول دورها وأدائها ومواقفها وحول استمراريتها ودورها في قيادة المشتركة وتفككها. إضافة إلى ذلك، على كل الأحزاب إجراء هذه المراجعة بمصداقية وشفافية وإشراك الجمهور، فمن المفروض ألا يكون الجمهور مجرد مصوتين يستغاثوا في الساعات الأخيرة من يوم الانتخابات.
كذلك من المهم توحيد المجتمع العربي الفلسطيني في إسرائيل والعمل في استراتيجيات متكاملة في إطار رؤية مشتركة ومن المهم توزيع الأدوار والمهمات والإخلاص في العمل وخلق مركز سياسي عربي قوي ومتجدد.
وأخيرا نستذكر أنه على شاهد ضريح الروائي اليوناني الشهير نيكوس كازتناكس كتبت العبارة التالية: «لست آملا في شيء، ولست أخاف من شيء، فأنا إنسان حر». لقد حوصرت الأحزاب السياسية العربية في إسرائيل في هذا الحيز الضيق بين التأميل بأشياء ووعود موهومة، الميزانيات..الخ، وبين الترهيب والتخويف، ببن غفير ونتنياهو..الخ، ولكن الناس أحرار. يترتب التحدث إلى أحرار وشعبنا لا يخاف التهديد.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية