إسرائيل في مربع «أقصى اليمين»: المطلوب فلسطينيا قرار تاريخي بالتخلص من «الوهم الكبير»

سعيد أبو معلا
حجم الخط
3

رام الله ـ «القدس العربي»: يقر سياسيون ومحللون فلسطينيون أن الأحزاب الإسرائيلية استخدمت دماء الشعب الفلسطيني في حملاتها الانتخابية طوال الأشهر الماضية، وها هي تفضي نتائج الانتخابات الخامسة خلال السنوات الأربع الماضية إلى أكبر صعود للأحزاب التي تصنف ضمن أقصى اليمين الإسرائيلي بكامل حمولاتها العنصرية والفاشية.

وأمام قدرة الفلسطينيين على التوصيف الدقيق يكون السؤال الأهم بعد الانتخابات التي تنافس خلالها طرفان الأول يمين عنصري فيما الثاني يمين عنصري متطرف وفاشي: ما هو المطلوب لمواجهة هذا الكم الكبير من التحولات التي يمر بها المجتمع الإسرائيلي؟ في ظل أن أكبر تجل لنتائج انتخابات دولة الاحتلال ينعكس على ملعبها الخلفي مباشرة، ونقصد هنا الضفة الغربية والقدس المحتلتين.
وحسب المحلل السياسي هاني المصري فإن أحد أبرز نتائج الانتخابات الإسرائيلية هو تفاقم الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين وهو ما يعمل على فتح الأبواب للسيناريوهات الأسوأ.
ويرى المصري أن لعبة الرهان على معسكر دون آخر في إسرائيل هي لعبة خاسرة تمامًا، وتحبط إمكانات النهوض بالعامل الفلسطيني، وهو الأمر الذي يجعل الكاتب والمحلل زكريا محمد يرى أن الخاسر الأكبر في هذه الانتخابات فلسطينيا هو السلطة الفلسطينية لكونها راهنت على إنجاح يائير لابيد (حكومة يمين وسط يسار) لكونها أقل تطرفًا، متجاهلة أن الأحزاب اليمينية المشاركة في هذه الحكومة تملك حق الفيتو، كما أن الفروق الجوهرية حسب الكاتب المصري، إن وجدت بين هذه الحكومة وحكومة نتنياهو لا تتعلق بالقضية الفلسطينية.
وكانت تصريحات رئيس الوزراء الفلسطيني محمد اشتية قد سبقت نتائج الانتخابات، حيث رأى في صعود الأحزاب اليمينية الدينية المتطرفة في الانتخابات الإسرائيلية نتيجة طبيعية لتنامي مظاهر التطرف والعنصرية في المجتمع الإسرائيلي والتي يعاني منها «الشعب الفلسطيني منذ سنوات؛ تقتيلا، واعتقالا، وتغولا استيطانيا، واستباحة للمدن والقرى والبلدات، وإطلاق العنان للمستوطنين وجنود الاحتلال لارتكاب جرائمهم، وتقويض حل الدولتين».
ورغم تأكيده أنه لم يكن لديه أية أوهام بإمكانية أن تفرز صناديق الاقتراع في الانتخابات الإسرائيلية شريكا للسلام في ضوء ما يعانيه الشعب الفلسطيني من سياسات وممارسات عدوانية، فإن حالة من الصدمة انعكست على نخب سياسية فلسطينية رأت في نتائج الانتخابات مفاجأة كبيرة.
ورأى الأكاديمي وأستاذ العلوم السياسية في جامعة الخليل بلال الشوبكي، أن التصويت لصالح اليمين هو رسالة لمن ما زال يتشبث بحل الدولتين، ومفاد الرسالة أن الإسرائيلي يصوت ضده، وأن سلوك الحكومات المتعاقبة يمثل المجتمع الإسرائيلي المتطرف.
وأضاف الشوبكي إن زيادة نسبة التصويت تعني سعي المجتمع لتحقيق شيء من الاستقرار، والمستفيد من هذه الزيادة هو حزب الليكود، فمعظم الأحزاب الصغيرة ستتضرر من هذه الزيادة بحكم نظام الانتخابات وارتفاع نسبة الحسم.
بدوره يرى مصطفى البرغوثي، الأمين العام لحركة المبادرة الوطنية الفلسطينية، في نتائج الانتخابات الإسرائيلية الحدث الذي يعكس خمسة تطورات، الأول يتمثل في صعود الفاشية الإسرائيلية إلى سدة الحكم وهي فاشية تعتبر امتدادا للحزب المتطرف والإرهابي «كاخ كهانا» وهو ما يجعل من نظام الحكم الذي سيتشكل تعبيرا عن انتقال إسرائيل من العنصرية المتطرفة إلى العنصرية الإجرامية.
أما التطور الثاني فيرتبط بتعزيز قوة الأصولية الدينية في إسرائيل، فالنتائج حسب البرغوثي تعكس المنظومة الإسرائيلية، وتشير إلى أن الجمهور الإسرائيلي برمته انتقل بفعل اختلال ميزان القوى إلى العنصرية الفاشية «وهو أمر في غاية الخطورة».
أما التطور الثالث فهو يرتبط بـ 750 ألف مستوطن يتواجدون في الضفة الغربية، وتظهر النتائج انهم أصبحوا قوة سياسية مقررة لها تأثيرها الكبير في الحكومة الإسرائيلية المقبلة، وهو ما يجعل من توسيع الاستيطان الهدف المركزي للحكومة، إلى جانب تكريس سياسة التطهير العرقي للشعب الفلسطيني في أرضه ثانيا. وتحقيق الهدف السياسي والذي يتمثل بضم الضفة الغربية ثالثا.
ويرى البرغوثي أن التطور الرابع يرتبط بحالة انهيار اليسار الصهيوني الذي تلقى ضربة قاسية تعزز من نفوذ اليمين العنصري في إسرائيل.
أما التطور الخامس فيرتبط بفشل نهج تملق الصهيونية، فنتائج الانتخابات تؤكد فشل المهادنة مع الحركة الصهيونية وإمكانية إيجاد حلول وسط معها.
وكان الأمين العام للمبادرة الفلسطينية قد عقد مؤتمرا صحافيا يوم الخميس الماضي تحدث فيه عن علاقة نتائج الانتخابات من المنظور السياسي بالنسبة للقضية الفلسطينية وأجمل هذه العلاقة في ثلاثة مؤشرات: الأول أن الانتخابات دفنت أوسلو بعد أن تم قتله على يد نتنياهو. أما الثاني: فيرتبط بمزيد من المحاولات الحثيثة والواضحة لقتل وإعلان موت حل الدولتين إلى جانب تكريس سياسة عدم وجود حل وسط، فالمجتمع الإسرائيلي يرسل رسالة أنه لا يوجد حل وسط مع الفلسطينيين، وما سيجري هو تكريس نظام الأبارتهايد. أما المؤشر الثالث فيتعلق بمحاولات نتنياهو استعادة صفقة القرن مع تشويهها لصالح إسرائيل أكثر وأكثر.
وإن كان البرغوثي يحمل المجتمع الدولي مسؤولية ما جرى في المجتمع الإسرائيلي بفعل سياسة الصمت ومنح الحصانة لدولة الاحتلال وهو ما قاد إلى صعود الفاشية وترسيخ نظام الإرهاب، وهو ما تكرر في تصريحات رئيس الوزراء الفلسطيني اشتية، فإن البرغوثي يرى أن على الفلسطينيين أن يبادروا برد فعل مختلف عما جرى في المرات السابقة.
ويشدد أنه آن الأوان لانتهاء الوهم الكبير بإمكانية التفاوض. يتابع: «آن أوان انتهاء نهج أوسلو، لقد مات ودفن واختفى. آن أوان انتهاء الحالة التي يلتزم بها الفلسطينيون بشروط أوسلو فقط».
وفي مقابل كل ذلك يطالب بضرورة تنفيذ قرارات المجلس المركزي التي مر عليها 7 أعوام من دون تنفيذ، على أن يقترن ذلك بالعمل على إنهاء الانقسام الذي كلف الفلسطينيين غاليا.
وطالب البرغوثي أن يكون التلاحم بين الكل الفلسطيني على برنامج كفاحي مقاوم في ظل طبيعة الرسالة التي أرسلها المجتمع الإسرائيلي، فالبرنامج الكفاحي المقاوم ضرورة ملحة.
ويشدد أن ما يجري في إسرائيل يرتبط أساسا بتراجع النضال الفلسطيني كنتيجة منطقية.
وطالب البرغوثي بضرورة أن تراجع الحركة الوطنية هدفها المركزي الفلسطيني. وليس فقط إنهاء الاحتلال بل إسقاط نظام الأبارتهايد، فالتحدي الذي أصبح ماثلا أمام الفلسطينيين يتمثل في أنهم يعيشون في نظام تميز عنصري كامل، وبالتالي ولا يمكن الحديث عن حرية واستقلال بدون إسقاط هذا النظام العنصري بحيث يتم بناء دولة ديمقراطية يتساوى فيها الجميع.
ودعا بدوره الفلسطينيين أن يكون الإسراع في تطبيق اتفاق الجزائر بمثابة رد فعل سريع على ما جرى في إسرائيل، بحيث يستعاد حق الانتخاب للشعب الفلسطيني.
وتساءل: «هل يعقل أن تجري الانتخابات الخامسة في دولة الاحتلال خلال سنوات أربع فيما الفلسطينيون بلا انتخابات منذ 16 عاما؟».
وأمام المطلوب فلسطينيا تبقى هناك حالة نضالية يقودها جيل فلسطيني جديد مقاوم لا يضع الانتخابات الإسرائيلية ونتائجها في اعتباراته مطلقا، ليكون السؤال: هل سيشهد تعامل السلطة الفلسطينية مع تلك الحالة النضالية بطريقة مختلفة؟ وهو ما يفترض أن ينعكس على كل الحالة الفلسطينية، أم ستعيش المناطق الفلسطينية المحتلة مرحلتها الأخطر التي تستمر فيها «دكتاتورية» فلسطينية في الحكم من دون أي أفق سياسي أو دولي، مقابل تجذر يمين إسرائيلي متطرف يعمل على توسيع المستوطنات وتكريس حالة من إدارة مدنية قادمة وتطبيع مستدام.
أما المحلل السياسي الفلسطيني عادل شديد فيحمل رسالة خاصة للرئيس الفلسطيني محمود عباس، يقول فيها: «إسرائيل اليوم ليست إسرائيل الأمس، وأنت مُطالب بقرار تاريخي». الجزء الأول من رسالة شديد أدركها الجميع وأبدع في توصيفها، لكن الفلسطيني البسيط في انتظار تحقق الجزء الثاني من الرسالة، أي القرار التاريخي الذي يعيد الحياة للقضية الفلسطينية وشعبها.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية