ثقلة معلم حبيب
الناصرة- “القدس العربي”: محاطة بكل أحبائها وأحفادها، احتفلت أم شفيق، العمة ثقلة مرقس معلم حبيب، من قرية دير حنا في الجليل، بعيد ميلادها المئة، في احتفالية عشاء مميزة، استقبلت فيها في بلدة الرامة المجاورة الضيوف والمدعوين من الأقارب والنسائب بمهاهاة رددتها منذ عقود وهي ترقص بباقتين من الياسمين الأبيض.
قبل الاحتفالية، ليلة أمس، زارتها “القدس العربي” داخل بيتها في دير حنا، ورداً على سؤال ماذا نتمنى لها في عيد ميلادها المئة قالت متوددة: “أن تكون المائة الثانية موفقة كالأولى”.
أم شفيق، التي ما زالت تتمتع بصحة وذاكرة نادرتين، قالت أيضاً إن أجمل أمنية وأثمن عيدية بالنسبة لها هي بقاء كل أحبائها بالسلامة والسعادة”. وعن سر طول العمر وسلامة الروح تقول: “المحبة وحب الناس وحبّ الأغنية التراثية وممارسة القناعة”. وتتابع بلهجتها العامية: “لما بسمع عصفور على غصن ليمونة في ساحة الدار يغرد في الصباح بعبّيني فرح.. وما خليت الدنيا تشغلني، وأنا ما أخدتها بجدية زايدة”.
ولدت أم شفيق فلاحة بنت فلاحين ومثقفين، وشجرة الزيتون عندها مثل ابنتها، وما زالت تفاخر بأنها تمكنت من اقتناء قطعة أرض زرعتْها بالزيتون بمساحة 33 دونماً من كدّها وعرق جبينها. طيلة عقود عملت خياطة حاكت الملابس التراثية للرجال ( القنابيز) وفساتين العرائس للمئات من رجال ونساء منطقة البطوف. وبذكائها أتقنت أيضاً دور ممرضة القرية من قبل نكبة 1948، وكانت تحقن من يحتاج من المرضى بالإبر العلاجية، طواعية، وبمهنية تفوق مهنية الطبيب أديب ابن عمها، كما تقول ضاحكة”.
كانت وما زالت السيدة ثقلة حبيب، والدة الأديب المعروف شفيق حبيب، تدندن أغاني الأعراس الفلسطينية التراثية التي تدغدغ روحها في كل مرة تنتشلها من جرة معرفتها وذكرياتها. لجانب سريرها كتاب عن تاريخ بلدتها الأصلية عيلبون، فهي ما زالت تمارس المطالعة، ورغم الأيام لم تخبُ جذوة الفرح، وما تزال تدخِل الخيط بخرم الإبرة، وتحيك الثياب لأحفادها وأبنائهم، لها تسعة أولاد وأربعون حفيداً، أما أولاد الحفيد فـ 79 وتعداد أحفاد الأحفاد ثلاثة، والمجموع 131، وعليها ينطبق القول سنبلة تملأ الحقول سنابل، غير أنها ما زالت سنبلة خضراء، وبيننا، وبحيوية لافتة.
https://www.facebook.com/alquds.co.uk/videos/659874238916888/
الخالة ثقلة ولدت داخل بيت متعلمين ومثقفين في قرية عيلبون، ولكنهم حافظوا على الأرض، وعلى كروم الزيتون حتى هذه الأيام، وعملوا ويعملون بالفلاحة، إضافة لسلك التربية والتعليم. في هذه المناسبة تقول أم شفيق إنها تتمنى لكل أحبابها “يعيشوا قدها، وأكثر”، وقد غنّت خلال الاحتفالية المئوية، في الليلة الفائتة، وأطلقت بحيوية أيام الصبا والشباب مهاهاتها وزغروداتها ترحيباً بالضيوف والمدعوين، ومنهم المطران بطرس المعلم (95 عاماً) ابن عمها، وشقيقها الأصغر جوزيف (81 عاماً)، وشقيقتها مريم (93عاماً)، فيما لم يتمكن شقيقها أنطون (86) من مشاركة شقيقته احتفاليتها النادرة لأسباب صحية. وتخلل الحفل الكبير داخل قاعة السلطان في بلدة الرامة المجاورة عشاء وموسيقى.. غذاء الجسد والروح، كما يؤكد نجلها الدكتور شربل حبيب لـ “القدس العربي”. وألقى المطران بطرس معلم كلمة جميلة أثنى فيها على القائمين على الحفلة، وذكر محبتها للناس، وبقية الصفات الحميدة لابنة العم، واستعاد بعض الذكريات.
بمثابرتها وحسن تدبيرها وإخلاصها ربت العمّة ثقلة معلم حبيب أولادها التسعة، وزرعت فيهم المحبة، ورعت زيتونها بعناية فائقة، فنالوا التربية والثقافة، وأعلى الرتب الجامعية، وما زالت توصيهم بمحبة بعضهم البعض وبمحبة الناس. وتوضح أم شفيق أن أحداً من عائلتها لم يعمر 100 سنة، وتقول إن جدها رحل عن 80 سنة، ووالدها 90 سنة، ووالدتها 80 سنة.
وعن ملامح حياتها تقول: “طعامي عادي جداً، من الزعتر للبنة، والطّطلي والمحاشي والمجدرة، لكنني أداوم على تناول المياه الدافئة كل صباح منذ وعيت على الدنيا، وهذه بنصيحة والدي، الذي سمعها من الطبيب تورانس من طبرية، قبل النكبة. والبابونج صديقي، وأتحاشى الطعام في الليالي”.
“هذا شغل ربنا. كنت أتناول زيت الزيتون والفلفل، أطعمة الفلاحين، وأجيد إعداد “دست المجدرة” للحصّادين في البيادر، وكانوا ينتظرونني على أحرّ من الجمر بسبب مذاقها الشهي”.
https://www.facebook.com/alquds.co.uk/videos/511285207558582/
“إن شاء الله تكبر وتعيش مثلي. قلل الطعام، خاصة في الليل، والتزم بالأكل البيتي الطبيعي، مثل الرب (الدبس) والطحينة: ثلاث طحينة، مع معلقة واحدة رب. والعسل الطبيعي لا تنساه. حب (أَحِب) الحياة، وما تخليها توخدك بغرورها، وما توخدها بجدية زايدة”.
أكثر ما يعكس شغفها بالحياة، وبفرحها الدائم هو غنائها حتى اليوم أغاني الأعراس الفلسطينية التراثية: حفظت أغاني الزفة وحمام العريس وطلعة العروس، ومنها: “عدّد المهرة وشّدوا عليها/ تا ييجي محمود ويركب عليها/ قلت له محمود يا بن الكرام عيريني سيفك ليوم الكيواني/ قلي سيفي حليفي جاي من بلاد الكيواني/ سيفي حليفي ما ببيعو مسقط من بلا اليماني”.
أو “بحلفلك ع عيوني ما بفوت سيدنا الغالي رمانك من كفركنا وحوشتو وجيبتو لـ عنا، بحلفلك على مار حنا ما بخونك يا بن كفركنا، رمانك من عرابة حوشتو من الغابة..”. أو: “صباح الخير من بكرا.. يسعد صباحك وأنت راكب ع مهرة.. يا شب وديع يا غالي، يسعد صباحك وأنت طالع ع العلالي”، أو أغنية خاصة بطلعة العروس: “بيضا وحمرا ولبست طقم كتاني.. والمسك بجيابها معجون صلبان (أو خمساني) ما قلتلك يا عريس عروستك مالها ثاني، هي الثريا وأنت الكوكب العالي”.
وللعروس أيضاً: “يا بنت مين ومين يا عرب يا بنت عزام الشهر يا بنت دقاق القهيوة، بالكيال وبالعلب، يا بنت مين ومين يا بنت لماح الياسمين، ويا نزال المناسف على الشمال وعلى اليمين”. أو “قم يا غزال ارتحل.. قم يا غزال امشي لعند الأمارة ما يقلك شي، إن شافك الطير طاير بالسما يرسي.. وإن شافك السلطان ينزل عن الكرسي..”.
وكذلك للعريس :”يا عروسة محمود يا عروسة الحبيب، ردتي محمود وما ردتي الغريب، ردتي محمود وردتي قامته، يا ريت قامته من بين الشباب ما تغيب، زغرد”، أو “يا محمود يا أسمر، يا قالب السكر يا بو عيون السود يا مزينّ المحدر”.
عن النكبة الفلسطينية ما زالت تذكر أم شفيق: “رحلنا في 1948، وكانت أختي حاملا، وبعض نساء العائلة، اختبأنا بين الأشجار داخل كرم الزيتون، وأعددنا الخبز على نار الحطب، وكنا نبحث عن دجاج سائب، ونقتات عليه، ونحن في البراري بعدما هوجمت البلدة وبقي الشباب فقط فيها. غادر عدد كبير من دير حنا إلى لبنان، لكن كثيرين منهم عادوا لأنه لم يكن مغضوباً عليها. أذكر أن بعض أهالي دير حنا يقولون لقوات حرس الحدود الإسرائيلي “إننا من عيلبون”، لأن إسرائيل سمحت لهم بالعودة بضغط من الفاتيكان”.

عملت أم شفيق في الخياطة ومقابل كل قمباز “قبضت ليرة أو ليرتين في اليوم، وكنت أنفق على البيت، تعلمت الخياطة من خياطات وأنا فتاة صغيرة في الناصرة، خلال تعلمي في مدرسة راهبات الفرنسيسكان، حتى صرت قادرة على حياكة الفساتين والثياب النسوية. وطالما رافقت والدتي إلى مدينة طبرية لاقتناء حاجياتنا من أسواقها، وكذلك إلى عكا، عشية كل عيد، حيث عمل خياط مشهور يدعى أبو العبد، ووقتها كنت في الرابعة عشرة من عمري. كنت أتمعن بأبو العبد كيف كان يقص القماش ويخيط القمباز، وعندما عدت قمت بأول تجربة وصممت قمبازاً لخطيبي، بعدما وضعت أمامي قمبازاً لوالدي، ومن وقتها ابتدا مشواري مع حياكة بدلة القمباز لرجال دير حنا وسخنين وكل منطقة البطوف، قبل وبعد النكبة، طيلة عقود”.
وبفضل عملها في الحياكة اقتنت أم شفيق قطعة أرض مساحتها 33 دونماً، زرعتها أشجار زيتون، وقد جلبوا أغراس الزيتون من حوران، حتى صارت كرماً مثمراً، ورفضت بيع شبر أرض منه. لكن الفلاحة كانت واحدة من أشغالها الكثيرة: “أنا أربي أولادي وأعلمهم واعتمدت على عملي في الخياطة، بعدما اقتنيت ماكنة خياطة”.
وردا على سؤال عن إجادتها الخياطة قالت: “طلبت من والدتي تعلم الخياطة في الناصرة، حيث عمل شقيقي عبد الله مديراً لبنك باركليز، وفعلاً وافق والدي وأرسلني مع رفيق مأجور. هناك تعلمت في مدرسة راهبات الطليان الفرنسيسكان، حيث كانت وما تزال المدرسة مقابل بنك باركليز. كانت جارتنا خياطة واستفدت منها.. علاوة على “سرقة الصنعة” من خياط عكا أبو عبد الله، الذي كنت أزوره مع أمي، وكلما كانت والدتي تحضّني على المغادرة من عنده كنت أطلب منها البقاء لعدة دقائق إضافية، حيث كنت أعاين كل غرسة إبرة، حتى تعلمت فنون الحياكة منه، خاصة القنابيز”.
وما زالت تحيك ملابس أطفال لأحفادها، وبالاستعانة بالنظارة ما زالت تدخل الخيط بخرم الإبرة، وهي اليوم تتقن خياطة المكوك والسياخ والفلاحي، وقد صممت أكثر من منديل للعرائس، وتنهض من استلقائها في سريرها وتقول معتدة بذاتها: “كنت أعتني بالفلاحة بالتزامن مع عمل البيت والخياطة، وفي التمريض، وحتى علمّت نجلي الكبير الأديب شفيق حبيب كتابة الشعر”.
ولكن ليس هذا فحسب، فأم شفيق كانت طيلة سنوات “ممرضة القرية”، بعدما تعلمت من تجارب الحياة ومن الأطباء: “من علمني حقن الإبر الأطباء الذين كانت والدتي تعالج إخوتي عندهم، أمثال الطبيبين الشقيقين، من الناصرة، الياس وعبد العزيز سروجي، ودكتور عطا الله شيبان من الرامة، وصرت أحقن الأطفال والنساء تطوعاً، وكان والدي يوصيني بعدم معالجة الرجال”. واليوم تهتم أم شفيق بنفسها بدون مساعدة أحد، فهي تعرف كل أنواع الأدوية المودعة داخل عليّة، وتذكر كل منها بالاسم.
تحتفظ أم شفيق حتى اليوم بصورة مكبرة للمطران حجار اللبناني، الذي أقام في حيفا في فترة الاستعمار البريطاني، تتوقف عن الحديث لتقبله وهي تقول: “خسارة أنه مات شاباً بحادث سير في حيفا عام 1940”.
وتضيف: “جاء المطران الحجار إلى دير حنا في نهاية ثلاثينيات القرن الماضي على الكنيسة وعملوا له “تلبيسة”، وكنت طفلة وقدمت له ضمة ورد بطلب من والدي. وقلت له: “أنا ثقلة الصغيرة، وحركتي كثيرة، وبقدملك هالتشكيلة”.. فحضنني وعبّر عن إعجابه به”.
https://www.facebook.com/alquds.co.uk/videos/475850487702466/