ماذا بعد الاتفاق النووي الوشيك؟

حجم الخط
0

الاتفاق النووي بين الولايات المتحدة وإيران بات وشيكاً. تصريحات وزيري خارجية الدولتين تشي بذلك. زيارة جون كيري للرياض لتطمين السعودية بشخص وزير خارجيتها الأمير سعود الفيصل، إشارة ترجّح الاتفاق. ماذا يقلق الرياض، وماذا تنوي إدارة أوباما فعله من أجل معالجة قلقها؟
الفيصل كشف أبعاد القلق السعودي بعد اجتماعه إلى كيري: «الولايات المتحدة ستلتزم في المفاوضات مع ايران وستحول دون تطويرها للقنبلة الذرية. هذا الأمر لن يتمّ على حساب نسيان جميع الملفات الأخرى التي تتولاها إيران، وهو مصدر القلق الأساسي لمجلس التعاون الخليجي، بشأن الطاقة الذرية والقنبلة الذرية. لكننا قلقون بالقدْر نفسه حول طبيعة أعمال إيران وميولها في المنطقة، التي تعدّ من أهم عناصر زرع عدم الاستقرار فيها، كتدخلها في سوريا ولبنان واليمن والعراق، وربما في مناطق أخرى. يجب أن تتوقف هذه الإجراءات إذا أرادت إيران ان تكون جزءاً من الحل في المنطقة لا جزءاً من المشكلة».
ما طبيعة التدخلات التي تشكو منها السعودية؟
يجيب الفيصل: «إن الوضع في تكريت يُعدّ مثالاً جيداً على ما يقلق المملكة، حيث تسيطر ايران على جميع البلاد، وعملية السلم والحرب أصبحت الآن في يدها، الأمر الذي يخلق حالة من عدم الاستقرار ويعزز الطائفية والفرقة في العراق، التي لم تكن قائمة من قبل».
حاول كيري للتوّ وبشكل مبطّن الرد على مخاوف الفيصل بقوله «إن رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، أكد أن هذه العملية تتولاها القوات العراقية وتتألف من قوى أمنية عراقية وميليشيات وقبائل تهدف الى تحرير محافظة صلاح الدين من «داعش» وسيطرته». اعترف كيري بـِ «وجود معلومات تؤكد دور الجنرال قاسم سليماني على الارض، وأن بعض التحركات للقوات الإيرانية في الجزء الشمالي من العراق التي شاركت في القتال من البداية، لم يكن امراً منسقاً، ونحن لا نتعاون معهم».
من الواضح ان السعودية قلقة من اتساع نفوذ ايران في العراق خصوصاً، وسوريا واليمن ولبنان عموماً، وتخشى من ازدياد هذا النفوذ إذا ما توصلت الولايات المتحدة معها الى اتفاق حول برنامجها النووي. يبدو أنها تريد من الولايات المتحدة ان تقدّم لها ولشقيقاتها الخليجيات ضمانات على هذا الصعيد، وربما بتضمينها الاتفاق العتيد مع ايران. الولايات المتحدة، وإن يسوؤها اتساع نفوذ ايران في العراق، إلاّ انها لا تستطيع ان تفعل الكثير في هذا المجال لأسباب عدّة:
علاقات ايران الوطيدة مع معظم الأطراف السياسية في البرلمان والحكومة والتنظيمات العسكرية العراقية على الارض.
امتنان حكومتي بغداد وكردستان العراق من ايران لمسارعتها، بشخص الجنرال سليماني، الى مساندتهما عندما تعرضت اربيل الى هجمة ضارية مفاجئة من «داعش» صيفَ العام الماضي.
ارتياب حكومة بغداد بإدارة اوباما بعد قيام الاخيرة بتجميد تسليمها الطائرات الحربية المتطورة المدفوع ثمنها مقدماً، وشعور اكثرية العراقيين بأنها لا تريد للعراق ان يكون قوياً وقادراً بقواه الذاتية على مواجهة اعدائه ولاسيما «داعش» واخوته.
كل ما تستطيع ادارة أوباما تقديمه للسعودية في الوقت الحاضر هو عدم التعاون مع ايران في مواجهتها مع العراق لـِ»داعش»، كما المثابرة على عدم تسليحه بأسلحة ثقيلة مخافةَ قلب موازين القوى لمصلحة حكومة بغداد في صراعها مع حكومة كردستان العراق.
اما بالنسبة الى سوريا ولبنان، فإن إمكانية إعطاء ادارة أوباما للسعودية ضمانات مطمئنة تبدو صعبة للغاية. ذلك ان الولايات المتحدة تعتمد بشأن المنطقة استراتيجية تتناول مستقبل معظم دولها، وتنطوي على تعديلات جدّية في خرائطها السياسية والجغرافية. المشكلة ان ادارة اوباما لم تتوصل بعد الى اتفاق نهائي مع شريكيها الاقليميين الاساسيين،»اسرائيل» وتركيا، على ما يجب عمله وما يجب عدم عمله في المنطقة. صحيح انها لا تمانع في تقسيم سوريا (ولبنان) إلى ثلاث او اربع دول على اساس مذهبي واثني، لكنها ما زالت غير واثقة من قدرتها على تنفيذ هذا المخطط في الوقت الحاضر والمستقبل المنظور لأسباب ثلاثة:
الاول، دخول «داعش» على خط الصراع وضرورة المفاضلة بين محاسن ومساوئ تمكينه من السيطرة على بعض أو كل محافظات العراق الغربية السنّية لتشكيل دولة – اسفين تفصل سوريا عن محافظات جنوب العراق الشيعية، وبالتالي عن ايران.
الثاني، احتمال قوي بدخول ايران في معمعة الصراع لمنع تقسيم سوريا (ولبنان) والحؤول تالياً دون طرد نفوذها المتنامي فيها.
الثالث، عدم وصول المشاورات بينها وبين ايران الى توافق حول مستقبل مناطق الاكراد في كل من العراق وسوريا وتركيا. هل تبقى ممسوكة في صيغ للحكم الذاتي بإشراف الدول المنبثقة منها، او بإشراف تركيا، او يُسمح لها بأن تكوّن، مجتمعةً، دولة مستقلة؟ فالولايات المتحدة تعلم ان ايران لن تقف مكتوفة اليدين إذا ما شعرت بأن مخططاً يجري تنفيذه لتمكين أكراد تركيا وايران والعراق وسوريا من إقامة دولة موحدة مستقلة، أو إخراج مناطق الاكراد في الدول المار ذكرها من نطاق سيادتها. كما تعلم ان ايران قادرة على محاربته وتعطيله.
أما بالنسبة الى اليمن، فإن الولايات المتحدة تشارك السعودية قلقها من اتساع نفوذ ايران، ولاسيما بعد سيطرة حلفائها الحوثيين على صنعاء ومعظم مناطق شمال اليمن، إلاّ انها تتخوف ايضاً من مغبّة استغلال مقاتلي «القاعدة» للحرب الاهلية ومخاطرها التقسيمية وامكانية سيطرتهم لاحقاً على منطقة عدن ومضيق باب المندب. ولعل واشنطن ستضطر الى المفاضلة بين ثلاثة احتمالات: القبول بسيطرة الحوثيين على شمال اليمن برمته مع إمكانية توفير موطئ قدم لهم على ساحل البحر الأحمر، وبالتالي إقامة قاعدة بحرية لوجستية للاسطول البحري الإيراني في الحديدة، أو العودة الى صيغة الدولتين، واحدة في صنعاء والأخرى في عدن، كما كانا قبل توحّدهما، او الرضوخ لاحتمال إقامـة دولة لـِ»القاعدة» في حضرموت وسائر مناطق جنوب اليمن باستثناء عدن مع المخاطر الناشئة عن استحواذ «القاعدة» على موطئ قدم صالح لتدريب وتجهيز مقاتلين لها ولحلفائها وتصديرهم لشتى انحاء عالم العرب والمسلمين.
إمارة قطر إرتأت أن مسألة حماية أمن الخليج لا تحتمل التأجيل، فبادرت الى توقيع اتفاق عسكري مع تركيا، في اطار الاعلان عن تأسيس «مجلس التعاون الإستراتيجي» بينهما، وقد اقرّ البرلمان التركي بموجبه قانوناً يقضي بالسماح لأنقرة بنشر قوات مسلّحة تركية في قطر، كما السماح لقطر بالأمر نفسه على الارض التركية. السعوديـة ليسـت سعيدة بالتحـالف التركي – القطـري، كذلك مصر و… الولايات المتحدة. هكذا تبقى حماية دول الخليج والمنطقة (ممن؟) مسألة خلافية ومدار صراع طويل…

٭ كاتب لبناني

د. عصام نعمان

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية