القاهرة ـ «القدس العربي»: منحت إدارة السينما بوزارة الثقافة عبر نواديها المنتشرة في الأقاليم بعض الأفلام، فرصة العرض مرة أخرى خارج المنافسة التجارية، خاصة أن الفترات التي عرضت فيها هذه الأفلام بدور السينما في القاهرة لم تكن ملائمة لوجود توترات أمنية شديدة حالت دون الإقبال الجماهيري عليها.
من بين هذه الأفلام فيلم «بعد الموقعة» للمخرج يسري نصر الله، وهذا يستوجب مجددا قراءة نقدية بعيدة عن مؤثرات الحدث، أو الموقعة التي نسج منها المخرج تفاصيل فيلمه وهي «موقعة الجمل» في ميدان التحرير إبان اندلاع ثورة 25 يناير/كانون الثاني، حيث أنها المحور الرئيسي للأحداث التي يغزلها نصرالله، بما يتكيف مع فكرته العامة بالانحياز إلى الطبقة الفقيرة المعدمة، وهو أمر من حيث المبدأ يستحق التأييد، ولكن ليس على إطلاقه فلكل قاعدة شواذ، وشواذ القاعدة هنا هم أولئك البلطجية الذين يريد يسري نصر الله منحهم شرف التأييد بإسقاط الجريمة عنهم، واعتبارهم ضحايا الفقر والجهل والمرض، هذا الثالوث الذي بات شماعة نعلق عليها عواطفنا الساذجة، فنمنح الخارجين على القانون مسوغا إنسانيا يبرر جرائمهم، ونصبح نحن ملائكة الرحمة، فيما يفرض الواقع معطياته على نحو يحتم معاقبة من ارتكب جرما، أو شارك فيه، طوعا أو جبرا، فالدوافع لا تعفي القاتل أو المعتدي من ذنبه ومسؤوليته، وقد ذهب البلطجية إلى ميدان التحرير قاصدين الثوار لإفشال الثورة، يمتطون الخيول والجمال فلا يعني إنكار الواقعة أو الدفاع عن أبطالها غير التدليس.
هذا هو بيت القصيد والعنوان الرئيسي للرؤية السينمائية التي صاغها المخرج الكبير وأضفى عليها مسحة من الشجن، لنبتلع نحن الطعم ونصدق أن باسم سمرة ورفاقه من الخيالة الفقراء محض ضحايا، وليسوا زمرة مأجورة أغرتهم أموال الحزب الحاكم، فباعوا الشعب في أول منعطف، وانضموا إلى قوافل البلطجة وجحافل البطش والطغيان، متوهمين أن بإمكانهم وأد الثورة الأم، والقيام بثورة مضادة. هذا البعض الأخطر في القصة يتجاهله يسري نصرالله تماما، ويمضي في تركيزه على الوجه البائس لحياة الخيالة، فيورد في سياقات مختلفة ملامح الضنك والجوع وقصر ذات اليد والانقياد لأصحاب النفوذ ورأس المال، غير مدرك أن ما يشير إليه بوصفه دوافع الجريمة ومعطياتها هو تجاوز للحقيقة، لأن الإقرار بقبول مبدأ الاتكاء على الظروف الاجتماعية لتبرير، أن اقتحام ميدان والاعتداء على الثوار نوع من المغالطة، لأن الثورة التي كانت مشتعلة وحاول البلطجية إطفاء جذورها اشتعلت بالأساس من أجلهم، ولذات الاعتبارات التي تؤرقهم وتؤلمهم وتنغص عليهم حياتهم.
هذا فيما يتعلق بأسباب التعاطف التي بنى عليها نصرالله أحكامه المطلقة، في انحيازه لمن يعتقد أنهم يمثلون الفقراء والكادحين والمغربين في الأرض، ويسعى لإسقاط الحواجز الطبقية من أجلهم، لتحقيق المساواة والعدل الاجتماعي وإذابة الفوارق، وهي بالقطع أهداف نبيلة جديرة بالنضال، لكنها ليست في سياقها الصحيح، وإنما هي محض خلط بين نوعين غير متجانسين من البشر فقراء كادحين مسالمين، وبطلجية مجرمين خرجوا ملثمين لمهمة غير أخلاقية، المخرج لم يعتبر ذلك جريمة وظل أسيرا لفكرة أحادية تمحورت حولها كل الشخصيات والأحداث، وقد آلمه السور العازل بين الخيالة في سفح الهرم ومناطق تمركز السياح، وما ترتب عليه من تقصير في الرزق وشح في أكل العيش، ومن فرط الحساسية والرهافة دخل حصان البطل باسم سمرة دائرة التبكيت، فالجوع قد أصابه جراء الحصار المفروض عليه ومن ثم لا مناص من الدخول في المواجهة، فهي معركة من أجل البقاء علما بأن الذي بنى السور وتسبب في انقطاع أسباب الرزق هو النظام الذي قامت من أجله الثورة، وليسوا الثوار. وكان حريا بالجوعى من الخيالة وأتباعهم أن ينضموا لمن يدافعون عن حقهم في الحياة الكريمة وليس العكس، والتعلل بالجهل هنا هو عذر أقبح من ذنب لأن الجهل أيضا مسؤولية النظام الحاكم.
أتصور أن هذه القراءة للثورة وأسبابها ومعطياتها يعيها مخرج مثقف مثل يسري نصرالله جيدا، ولكنه التحليق خارج السرب هواية وغواية من يزعمون المغايرة ويخاطبون في أفلامهم جمهورا آخر غير الجمهور المصري والعربي، فالعيون والنواصي تتجه دائما نحو الغرب، وكلما اختلفت مع السائد والمنطقي كان السخاء والعطاء والاعتبار والتقدير، إذ لا يمكن أن تصبح عالميا وأنت لا زلت تدور في فلك الأفكار المحلية، وقد دلل الفيلم على ذلك بدور منة شلبي الناشطة السياسية المدافعة عن حقوق الإنسان والحيوان أو الإنسان والحصان، حيث انشغالها طوال الوقت بالخيال الشاب، فهي تشتهيه وتستميله وتتخذ من صداقتها لزوجته ناهد السباعي وسيلة للاقتراب منه، ثم تعدل من مسارها في العلاقة بعد استشعارها الحرج لرفض الناس لها وتشككهم فيها، فتبدو أكثر رقة وحميمية في محاولة للتغطية على الهدف الأساسي، بما يثير الريبة، وهو ارتباك مقصود للتعبير عن فقدان اللغة الواحدة بين المعنيين بحقوق الإنسان والعوام من الناس، في إشارة خاطفة إلى الجهل الذي يحول دون وعيهم بمن يقفون معهم ويدافعون عن قضاياهم، وتلك هي الرسالة التي يتبناها الفيلم ويحملها للشخصيات ويضمنها في السيناريو والحوار.
ولا يوجد هنا اختلاف كبير بين شخصية صلاح عبدالله تاجر السلاح ورجل الأعمال الذي يبدي تعاطفا ظاهرا مع باسم سمرة، فيقدم له المساعدة المشروطة باتفاق سري بينهما، على أن يكون الأخير عينه المدققة في كل الأشياء وأذنيه المصغيتين لدبيب النملة، ومع أن المخرج لمح بهذا الدور إلى بقايا النظام التي تحرك الأحداث من خلف الستار، إلا أن الدور نفسه لا يختلف كثيرا عن دور الناشطين السياسيين، اللهم غير طريقة الأداء.
الفيلم مستواه الفني متميز، أما الشق الموضوعي فهو ما نختلف عليه، فلا يمكن أن تنطلي علينا حيلة التعاطف مع الطبقة الكادحة والفقراء كغطاء لامع ومصقول، بينما يتضمن الحشو لغطا كثيرا في التفاصيل التي يكمن فيها شيطان التمويل.
كمال القاضي