قد أتهم فورا بالإنضمام إلى رموز ظاهرة «التسحيج» في بلادي الأردن، إذا ما إمتدحت عبارة «إرفع رأسك» التي يضعها التلفزيون الحكومي كشعار لبعض أهم برامجه.
إذا لم أفعل ولم أتفاعل مع العبارة ولم أشعر بوجود ما يستوجب مني رفع رأسي قد أتهم أيضا بمغادرة الصف الوطني والخروج عن الجماعة، وهي جماعة الدولة هذه المرة، وليست جماعة الإخوان المسلمين وبعض الموتورين الذين تمتليء بهم مواقع التواصل الإجتماعي قد يصلون معي إلى تهمة الخيانة الوطنية.
طبعا أسهل شيء في بلاد العرب العاجزة هذه الأيام هو الإتهام، وأصعب شيء الحوار وبعض الذين لم يشعروا بالحماسة أخذوا على هتاف «إرفع رأسك أنت أردني» أنه ينطلق في ما ما زالت البلاد تئن تحت وطأة المشكلات، أما المتحمسون بالإتجاه المعاكس فقد «أفسدوا» برأيي الشخصي المقاصد الملكية المباشرة والوطنية لفكرة «إرفع رأسك» عندما سارعوا لجملة نفاقية بإمتياز لا يحتاجها الملك ولا البلاد ولا الشعار.
من حقي كمواطن أردني في هذه الأيام أن أرفع رأسي فعلا، وأشعر بوصلات الدفء التي تغلف ترابي بالأمن والإستقرار، بعد كل الذي شاهدناه من بؤس منقوع في الجوار والعالم.
لدينا مشكلات وفساد وكذب ودجل ودجالون… صحيح لكن لدينا اليوم قصة محكية عن نموذج وحدوي كشفت عنه الأحداث الأخيرة يرد على كل مزوري تاريخ الشعب الأردني.. يعني لدنيا ما يستوجب رفع الرأس عندما يطل علينا أحد أولادنا من قاطعي الرؤوس مهددا الأردنيين بأغلى وأرفع قيمهم وهي مؤسستهم العسكرية.
إرفع رأسك
لا مجال للف والدوران عندما تكون المفارقة بين من يقطع الرأس ومن يدعو لرفعه من باب التعبئة الوطنية.. البوصلة تتجه وبدون تردد لمن يحترم قيمة الحياة ولا يسوق للموت.
لكن عندما يطالبني تلفزيون حكومتي برفع رأسي على بلدية العاصمة وبقية الأجهزة أن تظهر قدرا أكبر من الإحتراف وهي ترشق جوانب عمان بآلاف اليافطات لرسم مستعجل لا يعكس عمق الرسالة، وكان يمكن إنجاز ما هو أفضل منه وكان يمكن أن لا تظهر هذه اليافطات بتلك السرعة التي ظهرت فيها.
كنت وما زلت أقول إن مؤسسة القيادة الأردنية ما زالت بحاجة ملحة وطنيا لنخبة «محترفين» بدلا من المسحجين الذين يصلحون للساحات العامة، وليس للحكم والإدارة.
إضافة لذلك الرأس المرسوم على اليافطات مرتجل ومتسرع ولا يشبه رأس الأردني النشمي… بإختصار كان يمكن أن يلعبها المستوى التنفيذي بطريقة أفضل ولكن.. كالعادة.
مواهب أم إحتراف؟
النجم المغربي، الذي فاز بلقب «آراب غوت تالنت»، كما أعلنته «أم بي سي» يستحق الفوز بكل وضوح قياسا للعروض الأخاذة التي قدمها، لكن الشاب في الواقع محترف ويمتهن هذه العروض الأكروباتية الراقصة، وسبق له أن شارك بعروض محترفة في أوروبا وأمريكا.
قصدي أن الشاب ليس «موهوبا» أصلا إنما نجم بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، بل محترف، وأفترض شخصيا أن في ذلك خللا كبيرا في أسس البرنامج، حيث يفترض أن يستضيف الموهوبين ويحولهم عبر الفرص التي يتيحها للنجومية والإحتراف، وأخونا نجم الموسم الجديد لم يكن يحتاج البرنامج العربي لأنه وصل قطار الإحتراف فعلا وقبل البرنامج.
لست ضد برامج المسابقات التي تتفنن «أم بي سي» في تقليدها وتقديمها لنا في أمة العرب الغارقة بأخبار لا تسر.. هذه البرامج فسحة أمل وفرفشة بكل الأحوال، لكن عليها أن تكون صادقة وواضحة وبدون غموض، فهي أما للنجوم أصلا أو للمواهب التي ترغب في التحول لنجوم.
حتى في مسابقة «أحلى صوت» ومواسم المسابقات المماثلة يتسرب محترفون أصلا لمنافسة موهوبين، وهذا غير عادل حتى للمصوتين هاتفيا..لا يوجد ما يمنع من وجود شروط تقارن بين النجم والموهبة وخطوة من هذا النوع تظهر الأمر محترفا بدرجة أفضل وتعوض إنطباعاتنا عن مطبات الإتصالات الهاتفية، حيث الشركات التي تستفيد وحدها من كل هذه المهرجانات.
فضل شاكر والضجر
عندما تحول المطرب النعوم فضل شاكر لمقاتل فحمل السلاح، وإنضم لبعض الموتورين وهجر الأغاني، فعل ذلك علنا وعلى شاشة إحدى الفضائيات قبل أن يعود بهيئته القديمة نفسها عبر فضائية «أل بي سي» ليعلن تحوله الجديد بمعنى العودة لإستئناف نشاطه الفني والتبرؤ من الإتهامات الموجهة له والتخلص من عبء رفاقه من حملة السلاح المتطرف.
المهم في الحالتين لجأ صاحبنا لكاميرا وشاشة ساعيا برأيي الشخصي للإثارة والخروج عن المألوف أكثر من أي شيء آخر، فلا توجد رسالة فعلا في التحول لمقاتل جهادي «سني» ولا رسالة في الإيحاء بالعودة إلى المجال الفني، وأغلب الظن أن ما حصل يقع في باب الفانتازيا والضجر ليس أكثر ولا أقل، وما علينا نحن معشر القراء والمتابعين إلا الإستسلام لمتابعة ما يصل من أنباء عن مطرب العشق المقاتل الذي لعب دور مولوتوف الشحن الطائفي فترة من الزمن.
كنت ومبكرا قد إعترضت على إنضمام فنان مرهف مثل فضل شاكر لحركة حملة الأسلحة والمواجهات الطائفية على أساس وجود فائض من المقاتلين والمجاهدين في هذه الأمة وندرة من مطربي الحب والعشق والعاطفة.
مدير مكتب «القدس العربي» في عمان
بسام البدارين