باريس ـ «القدس العربي»: في عددها المؤرخ 28 تشرين الأول (أكتوبر) 2022 خصصت أسبوعية «ملحق التايمز الأدبي» غلافها للشاعر الأمريكي/الإنكليزي توماس ستيرنز إليوت (1888-1965)، في مناسبة مرور 100 سنة على نشر قصيدته الأشهر «الأرض اليباب» The Waste Land، التي تعتبر أبرز قصائد مطالع الحداثة الأدبية في بريطانيا وأوروبا قاطبة، وفي مطلع القرن الراهن الواحد والعشرين سبق أن اعتبرتها أسبوعية «تايم» الأمريكية قصيدة القرن العشرين. كذلك نشر الملحق مقالة للناقدة الأمريكية الشهيرة هيلين فندلر، تراجع فيها كتاب ماثيو هوليس «الأرض اليباب: سيرة قصيدة» والذي يعيد سرد الملابسات الشخصية والعائلية التي عاشها إليوت وهو يكتب القصيدة، وكذلك السياقات السياسية والثقافية والاجتماعية التي اكتنفت المرحلة عند نهايات الحرب العالمية الأولى وأوضاع أوروبا والعالم قاطبة.
ومن المعروف أن القصيدة نُشرت في بريطانيا للمرّة الأولى في العدد 1، تشرين الأول (أكتوبر) سنة 1922، من المجلة الفصلية The Criterion التي أطلقها إليوت نفسه وترأس تحريرها. وبعد شهر، في تشرين الثاني (نوفمبر)، كانت مجلة The Dial التي تصدر في نيويورك قد تولت نشر القصيدة للمرّة الأولى في الولايات المتحدة، وفي أواخر العام ذاته ظهرت ضمن كتاب مستقل احتوى على أقسامها الخمسة وسطورها الـ433، وكذلك هوامشها العديدة والاقتباسات والتصديرات بلغات لاتينية وألمانية وفرنسية وسنسكريتية. معروف كذلك أن القصيدة تُرجمت إلى اللغة العربية مراراً، وتولى الترجمة أمثال لويس عوض وماهر شفيق فريد وتوفيق صايغ ويوسف سامي اليوسف وعبد الواحد لؤلؤة ويوسف الخال/ أدونيس، إلى جانب فاضل السلطاني مؤخراً.
وكان الناقد والأكاديمي العراقي عبد الواحد لؤلؤة قد خصص للقصيدة كتاباً كاملاً بعنوان «الأرض اليباب: الشاعر والقصيدة»، صدرت طبعته الأولى سنة 1980 ضمن منشورات المؤسسة العربية في بيروت وعمّان، واحتوى على مقدمة مستفيضة تناقش شعر إليوت عموماً، كما تقترح ترجمة كاملة للقصيدة. يقول لؤلؤة: «يتميز الأسلوب الشعري عند إليوت باتخاذ طريقة المعادل الموضوعي واعتماد الشعر الحر وسيلة في التعبير إلى جانب وسيلة أخرى تميز بها أكثر من سواه، ألا وهي المفارقة الساخرة. فهو إذ يتحدث عن نهر التيمز في حاضر الأرض اليباب يصفه أوصافاً هي النقيض مما كانت عليه الحال يوم كان النهر يغشاه العاشقون عشقاً يؤدي إلى زواج، تحملهم زوارق جميلة، تحفّ بهم حوريات ينثرن الورود على صفحة الماء احتفالاً بالعرس، كما نقرأ في قصيدة إدموند سبنسر «أغنية الزفاف».
وكان الناقد الفلسطيني يوسف سامي اليوسف قد وضع بدوره كتاباً بعنوان «ت. س. إليوت» صدر سنة 1986 عن دار منارات في عمّان، احتوى على ترجمة مختارات من شعر إليوت وقراءات في قصائد «بروفروك»، «جيرونشن»، «البشر الجوف»، «أربعاء الرماد»، إلى جانب «الأرض اليباب». وكتب اليوسف: «حين أراد إليوت أن يعبّر عن الشعور الحديث، بغناه وتنوعه وكثافته المركبة، ما كان منه إلا أن خرج بالشعر، لا عن مألوف عادته وحسب، بل حتى عن ماهيته الأصلية، فما عاد الشعر تخريجاً لشقاء النفس ومقاساتها، كما خلّفه الرمزيون الفرنسيون، بل صار تجوالاً حراً في مملكة التجريد العالية، ولكن الناشفة المأهولة بشيء من السماحة». كذاك يضيف اليوسف، في نبرة انتقاد لبعض سمات شعر إليوت: «عبثاً يحاول إليوت، في زمن شيخوخة الفنون الأورو – أمريكية، أن يصوغ رؤى من الصنف المرفوع إلى الأفق النبوي أو الصوفي، فهو يخفق في هذا إلى حدّ لا تخطئه العين. إذ من الجلي أن مساحة العقل العلمي قد توسعت كثيراً، في القرن العشرين، على حساب مساحة الروح الصوفي والأسطوري. بل يمكن القول بأن الرعش الأسطوري قد دُحر نهائياً أمام فذاذة العلم الحديث».
من جانبه أسهم الشاعر والناقد العراقي فاضل السلطاني في نقاش القصيدة فنشر كتابه «الأرض اليباب وتناصّها مع التراث الإنساني»، الذي صدر سنة 2021 عن دار المدى في بغداد، وتضمن ترجمة جديدة للقصيدة ودراسة مقارنة لستّ ترجمات عربية (مشار إلى أصحابها في فقرة سابقة أعلاه). ويكتب السلطاني: «يمكن تفهم الصعوبات التي صادفها المترجمون المذكورون وغيرهم في ترجمة هذه القصيدة المركبة التي هي عبارة عن قطع يبدو أنّ لا علاقة ظاهرية بينها، ولا نمواً عضوياً ينتظمها، لكن يوحدها، في النهاية، الموضوع العام الذي توحي به عبر استخدام ما أسماه إليوت نفسه بـ«المعادل الموضوعي»، ويعني به أنه لا ينبغي على الشاعر الحديث، بعكس الشاعر الكلاسيكي والرومانتيكي، التعبير عن عواطفه بشكل مباشر، بل عبر إيجاد مجموعة من الأشياء، ووضع سلسلة من الأحداث التي ينبغي أن تكوّن الصيغة الفنية لهذه العواطف. ولذلك لا بد من فهم القصيدة ككلّ فهماً دقيقاً، خاصة أنها تستند في بنيتها إلى مصادر أنثروبولوجية وفلسفية وثقافية وشعرية من التراث الإنساني كله في كلّ سطر منها تقريباً، وتتناصّ مع الأساطير القديمة، اليونانية والرومانية والشرقية، مع إدخالها في النصّ مفردات من لغات أخرى، كالإغريقية واللاتينية والإيطالية والألمانية والفرنسية».
جدير بالذكر أن تاريخ قصيدة «الأرض اليباب» ينطوي على واقعتَين جديرتين بالذكر، ضمن عشرات الوقائع الأخرى اللافتة. الأولى هي أن إليوت دفع بمسودة القصيدة إلى صديقه إزرا باوند، الذي كان أحد أباطرة الحداثة الشعرية في تلك الفترة، فقرأها ووضع عليها ملاحظات كثيرة واقترح حذف عشرات السطور. صحيح أن إليوت لم يعمل بكل ملاحظات باوند، إلا أنه أخذ بالكثير وأعرب صراحة عن الدين الذي في عنقه لصديقه الشاعر فأهداه القصيدة قائلاً: «إلى إزرا باوند الصانع الأمهر». الواقعة الثانية هي أن اعتبارات المكافأة المالية كادت أن تحول دون نشر القصيدة وأن تحرم حداثة القرن العشرين الشعرية من أيقونتها الأبرز، وذلك حين تردد إليوت في نشرها بالنظر إلى انهيار مفاوضاته مع ناشر المجلة ونشوب خلاف حول 150 دولاراً عرضها الناشر ورفضها الشاعر لأنها لا تليق بقصيدة «صرفتُ عاماً كاملاً في كتابتها وهي عملي الأضخم»، كما كتب في رسالة إلى سكوفيلد ثاير صاحب المجلة.
وبمعزل عن تصريح إليوت الشهير، بأنه ملكي في السياسة وأنغلو – كاثوليكي في الدين وكلاسيكي في الأدب، لا يتردد ستيفن سبندر ونقاد كثيرون سواه في الجزم بأنّ إليوت رجعي بالمعنى الحصري للكلمة. لقد جاهر بعدائه للأفكار الليبرالية، واعتبرها حالة انحطاط لرومانتيكية دفينة عند الإنسان المتوهّم في نفسه الكمال والقدرة على تغيير الثابت، كما عارض فلسفة التقدم الاجتماعي التي تنخر البنيان الكلاسيكي الصلب الناجز. وعند هذه النقطة تغنّى إليوت بأوروبا العصور الوسطى، وما شهدته من وحدة في اليقين، ومن توافق في القيم الاجتماعية.
وكبرى المفارقات أن هذا الرجل تحديداً هو الشاعر صاحب القصيدة الأخطر في تاريخ حداثة القرن العشرين، والتي اعتبر وليام كارلوس وليامز أن نشرها يُقارن بدويّ قنبلة نووية!