بغداد ـ «القدس العربي»: صفحة جديدة من الخلافات بين العراق والكويت اندلعت مؤخرا، على خلفية ادعاءات باستيلاء السلطات الكويتية على مناطق جديدة في المياه الدولية المشتركة بين البلدين في منطقة الخليج العربي، بدون التنسيق مع بغداد، ما يؤدي إلى تضييق المساحات المائية أمام العراق إضافة إلى خسارة مواقع غنية بالنفط والغاز.
وازاء عودة التوتر في العلاقات، وبسبب صمت حكومة بغداد وانشغال أحزابها بالصراع على السلطة، فقد بادر برلمانيون وقوى سياسية وشعبية، للتحرك والضغط على الحكومة لمواجهة القضم المتواصل للأراضي والمياه العراقية منذ 1991 وحتى الآن.
وقد قام عشرات النواب العراقيين بجمع تواقيع نيابية لبحث «التجاوزات الكويتية» على حقوق العراق البحرية، حيث أعلن النائب ووزير النقل السابق عامر عبد الجبار اسماعيل، ان 77 نائبا وقعوا على طلب لدعوة الحكومة للتحرك لحماية السيادة والمصالح العراقية من التجاوزات الكويتية، وتقدموا به إلى رئاسة مجلس النواب.
وفي وقت سابق، قال النائب عن محافظة البصرة عامر عبد الجبار، إن الكويت قامت بحفر آبار نفطية قرب ميناء البصرة ضمن الحدود الإقليمية للعراق، وأوضح أنه كتب رسائل إلى وزارتي النفط والخارجية منذ تموز/يوليو 2022 بخصوص «التجاوز الكويتي ضمن مياه العراق الإقليمية».
كما أشار عبد الجبار، وهو وزير نقل عراقي أسبق، إلى «وجود منصة نفطية بحرية كويتية تبعد عن خور الخفكة 5 أميال بحرية وعن ميناء البصرة النفطي 18 ميلا بحريا». وأكد عبد الجبار ان المنطقة الاقتصادية الخالصة التي نصبت فيها الكويت منصتها، غنية بالنفط والغاز وبحاجة لدراسة شاملة، داعيا الحكومة الحالية للبدء بمحاسبة الذين تنازلوا عن حقوق العراق، ومنوها إلى ان «قانون البحار للأمم المتحدة حدد الحدود المائية الخالصة للعراق والكويت».
وكانت الكويت صعدت خلافاتها مع العراق، عندما قامت مؤخرا بإيداع خريطة جديدة لدى الأمم المتحدة أعلنت فيها سيطرتها الكاملة على خور عبد الله في مدخل الحدود البحرية العراقية، والذي يعتبره العراقيون جزءا من بلدهم. كما سبق للكويت ان قامت عام 2019 بالدفاع عن قيامها ببناء منصة بحرية في مياه الخليج، وذلك ردا على احتجاج العراق لدى مجلس الأمن آنذاك ضد القرار الكويتي واعتبار بغداد أن المنصة ستؤثر على ترسيم الحدود البحرية بين البلدين.
ومؤخرا أفاد صيادون عراقيون في محافظة البصرة جنوب العراق المطلة على الخليج العربي، ان السلطات الكويتية قامت بنصب منصة للتنقيب عن النفط والغاز في «المنطقة الاقتصادية الخالصة» التي تقع مقابل ميناء الفاو الجديد، مؤكدين ان مكان المنصة يقع ضمن منطقة مشتركة بين العراق والكويت وإيران، ولم يجر الاتفاق حتى الآن على تقسيمها أو استثمارها بين تلك الدول.
وأثار الإجراء الكويتي الجديد ردود أفعال غاضبة في الاوساط العراقية التي اعتبرته تجاوزا جديدا على الحدود والمصالح والسيادة العراقية. فقد دعا النائب احمد الربيعي «الدبلوماسية العراقية، للتحرك بقوة ضد والعمل على اتخاذ إجراءات قانونية لحماية السيادة والمصالح». وشدد في لقاء متلفز تابعته «القدس العربي» على ضرورة «حماية حقوقنا سواء في الحدود المائية أو الحقول المشتركة». وأضاف النائب «تردنا أخبار عن قيام الكويت بحفر العديد من الآبار في المناطق المشتركة التي يجب الاتفاق بين الطرفين عليها».
أما النائبة عالية نصيف، فإنها وصفت إغلاق الكويت لمدخل ميناء الفاو وسيطرتها على خور عبدالله بالكامل بأنه «إعلان حرب اقتصادية على العراق» مطالبة رئيس الوزراء ووزير الخارجية بالتدخل وحماية مصالح وسيادة العراق وتقديم شكوى لدى مجلس الأمن حول هذا الاعتداء. وقالت في بيان: «ان هذا التحدي المتمثل بغلق مدخل ميناء الفاو والسيطرة الكاملة على خور عبدالله يتزامن مع قيامنا بتنفيذ مشروع ميناء الفاو، وهو رسالة من الكويت بأن هذا الحقد لا يشفى فقط بالتعويضات التعسفية والقرارات الجائرة التي دفع ثمنها الشعب العراقي».
وأضافت «ان الكويت لم تكتفِ بإغلاق الممر المائي بل أودعت خريطة جديدة لدى الأمم المتحدة، وهذا يعني ان هذا العدوان الجديد ليس تصرفا فرديا من خفر السواحل الكويتي بل هو موقف رسمي من قبل الحكومة الكويتية، وهذا يعني إعلان حرب اقتصادية ضد العراق» مؤكدة أنه «لولا وجود الخونة والعملاء والمرتشين لما تمادت الكويت وتجرأت على القيام بهذا التجاوز». وشددت نصيف على «ضرورة التدخل العاجل من قبل رئيس الوزراء ووزير الخارجية ومخاطبة أعلى سلطة في الحكومة الكويتية بالشكل الذي يحفظ مصالح وسيادة العراق، مع تقديم الوثائق التي تثبت عائدية هذه المنطقة للعراق إلى الأمم المتحدة وتقديم شكوى لدى مجلس الأمن بهذا الشأن».
وفي سياق الرفض أكد العديد من النواب والقوى الشعبية والسياسية، ان الكويت تستفز الشعب العراقي وتستثمر القرارات الدولية عقب الاحتلال، للتوسع على حساب الأراضي والمياه العراقية، وهو أمر ليس في صالح العلاقة بين البلدين. فيما تصاعدت المطالبات لحكومة السوداني باستدعاء السفير الكويتي في بغداد وتسليمه مذكرة احتجاج إضافة إلى دعوات للتحاور مع الأمريكان للضغط على الكويتيين، من أجل التراجع عن استفزازاتها وتجاوزاتها على حقوق العراق.
وحفلت القنوات الفضائية المحلية ومواقع التواصل الاجتماعي، بتعليقات عن استغلال السلطات الكويتية، حالة الضعف في الحكومات العراقية بعد 2003 والفوضى السائدة وصراع الأحزاب على السلطة، للاستيلاء على مزيد من الأراضي والمياه العراقية، وسط اتهامات لبعض المسؤولين العراقيين بأخذ الرشى من الكويت مقابل غض النظر عن تجاوزاتها وتنازلها عن الحقوق السيادية للبلد، مشيرين إلى اعترافات وزير الخارجية الأسبق هوشيار زيباري أمام مجلس النواب بعرض الكويت الرشى على أعضاء الوفد العراقي المفاوض مع الكويت حول الحدود المشتركة. فيما أشار مغردون آخرون إلى قيام الحكومة العراقية، وبدون مبرر بالتوقيع مع نظيرتها الكويتية عام 2012 اتفاقية خور عبد الله، التي أسفرت عن خسارة العراق مساحات مائية واسعة واستراتيجية تعود للعراق منذ القدم.
ويذكر ان مجلس الأمن الدولي أصدر القرار المرقم 2621 في 22 شباط/فبراير 2022 الذي أكد على ايفاء العراق جميع التزاماته الدولية بموجب الفصل السابع، وأثمر عن خروجه من الفصل السابع بأثر فوري، وغلق لجنة وصندوق التعويضات في نهاية هذا العام. وذلك بعد إعلان العراق «إتمام سداد كامل مبالغ التعويضات التي أقرتها الأمم المتحدة للكويت جراء الغزو العراقي لها والبالغة 52.4 مليار دولار أمريكي».
وجاءت التعويضات التي يؤكد العراقيون انها مبالغ بها كثيرا وغير عادلة ضمن سلسلة قرارات تعسفية ضد العراق عقب غزوه الكويت، والتي ترتب عليها استقطاع أجزاء واسعة من الأراضي والمياه وحقول النفط والمزارع العراقية وضمها إلى الكويت، إضافة إلى التعويضات المالية. ورغم التصريحات الرسمية للمسؤولين العراقيين والكويتيين بحسن العلاقة بين البلدين، إلا ان الواقع يشير إلى وجود العديد من الملفات العالقة بين البلدين التي تحتاج إلى بحث واتفاق.
ويرى العديد من الباحثين والسياسيين العراقيين، ان السلطات الكويتية تعتبر فترة الضعف والفوضى الحالية التي يمر بها العراق في ظل أحزاب همها السلطة ومغرياتها، هي فرصتها الذهبية لتنفيذ مخططاتها بانتزاع المزيد من الأراضي والمياه العراقية بتواطؤ بعض الجهات الدولية، منها الولايات المتحدة وصمت حكومة بغداد التي وجه العديد من السياسيين اتهامات لها بالتواطؤ، بل وتلقي الرشى مقابل الصمت عن التجاوزات الكويتية والإيرانية. ومن ذلك ما أعلنه مختصون، من ان الدول المتشاطئة حول الخليج العربي مثل الكويت وإيران والسعودية قاموا بإيداع خريطة البحر الإقليمي بالأمم المتحدة بدون أي مفاوضات مع العراق، بينما لم تودع سلطات بغداد ولغاية اليوم الخريطة أسوة بهذه الدول لتصبح معترفا بها رسميا، وذلك بسبب تقاعس الحكومة والاضطرابات السياسية عقب خروج تظاهرات تشرين وإسقاط حكومة عادل عبد المهدي وما أعقبها من فوضى وصراع الأحزاب على السلطة.
ولا شك بان السلوك الكويتي الجديد يعزز قناعة طيف واسع من العراقيين، بان هناك أطرافا في الكويت تفتقد إلى الحكمة والحرص على بناء علاقات سليمة مع جارتها العراق من خلال تعمد استغلال الظروف الدولية المرتبكة وفترة الضعف التي يمر بها العراق لفرض المزيد من التجاوزات والإجراءات والقيود على المنفذ الوحيد للبلد على الخليج العربي وهي قضية يؤكد المختصون في العراق انها مسألة في غاية الأهمية والخطورة ولا تبشر بمستقبل تسود فيه علاقات طيبة تراعي مصالح البلدين، لأنها تؤدي إلى انتزاع حقوق سيادية تاريخية من العراق إضافة إلى خنق الرئة الوحيدة له على العالم.
الصورة: شط العرب