احتضنت جامعة نيوإنكلند في طنجة ندوة «العالم بعيون مغربية: عودة إلى رحلة ابن بطوطة» المنظمة من لدن كلية الآداب والعلوم الإنسانية في تطوان، ومجلة رباط الكتب بشراكة مع جماعة طنجة وجامعة نيوإنكلند الأمريكية، صباح يوم الجمعة، تناول الكلمة خلال الجلسة الأولى منها «رحلة ابن بطوطة من جديد» أحمد بوحسن، عبر قراءة عرض روس إ. دان من جامعة سان دييغو في أمريكا عنوانها «تجربتي في كتابة «مغامرات ابن بطوطة: الرحالة المسلم في القرن الرابع عشر الميلادي» الذي لم يحضر الندوة لأسباب صحية، ومما جاء فيها أن الكتاب تناول الرحالة الذائع الصيت من زاوية جديدة، وتلك سمة أمهات الكتب، فهي لا تنتهي مساءلتها، ويعتبر روس دان، ابن بطوطة رحالة عالميا ونصه يساعد على فهم العالم في القرن الرابع عشر.
وأشار أحمد بوحسن إلى أن روس إ. دان انتمى إلى جامعة ويسكنسن لدراسة التاريخ سنة (1963) لدراسة التاريخ الإسلامي. وكان قد طلب مع بعض زملائه الطلاب أن يسمح «لنا بترجمة الجزء الخاص من رحلة ابن بطوطة إلى مالي». ناقش أطروحته في موضوع «المجتمع والمقاومة في الجنوب الشرقي المغربي، المواجهة المغربية للإمبريالية الفرنسية (1881-1912)» ثم شرع يدرس في جامعة سان دييغو، ثم عاد إلى موضوع وكتب «مغامرات ابن بطوطة».
يقول الكاتب جاءت فكرة الكتابة عن ابن بطوطة سنة 1976 حين أطل عليه ابن بطوطة من نافذة، وأطل هو على الحقبة الوسيطة، فترة توسع الإسلام إذ أصبح ظاهرة كونية.
وهناك من شك في وجود ابن بطوطة، وهناك شح الوثائق التي اكتشفت، والأعمال المنشورة للمقارنة، قبل العودة إلى مشروعي ماذا أفعل بكتابة كتاب عن القرن الرابع عشر، ومعرفتي بالعربية محدودة. أردت أن أعرض قصة الرجل ومساره ضمن التاريخ غير السريع.. بل كان روس لان قد رغب في إنجاز فيلم كبير ومليء بالحركة في المغرب.. ولئن خاف الكاتب أن لا يرضي كتابه المؤرخين فقد قوبل بالترحاب، وطبع مرات عدة، ثم ترجم إلى لغات عدة منها العربية، التي اعتبرها روس الأقرب إلى قلبه، وها هو ابن بطوطة يصبح شخصية تاريخية معروفة أكثر فأكثر للمسلمين وغير المسلمين لأنه يجسد الفضول في عالم ابتلي بالطائفية..
وانتقل بوحسن إلى الحديث عن تجربته في الترجمة، وبعد أن ترجم كتاب روس لان الأول حول المقاومة، وربطت بين الطرفين علاقة الصداقة طلب ترجمة كتاب مغامرة ابن بطوطة، وهو ما تحقق بعد سنوات. وحين نترجم إلى العربية نصا كان اعتمد على نصوص عربية إلى الإنكليزية يجب العثور على النصوص الأصلية لتصحيح الترجمة الإنكليزية، ويجب أيضا الوقوف على المصطلحات، وقراءة الرحلات العربية، لأن الرحلة تشتمل على عدة علوم: تاريخ، وجغرافية، وأدب، وفلسفة.. ولا بد من الترجمة الحرفية، ثم الترجمة الثقافية والحضارية، وهناك مزالق وقعت فيها ترتبط بأسماء المواقع والأنهار والبحار، وقد أفدت من الأستاذ السبتي الذي واكب هذه الترجمة والنصوص، والترجمة صناعة وثقافة. وقد استمرت الترجمة قرابة السنتين..
وتساءل لطفي بوشنتوف في مداخلته عن «أي قراءة جديدة للرحلة؟» فأكد أن المؤلف أعاد ابن بطوطة إلى الاهتمام، وهو قطع 120 ألف كيلومتر تقريبا، الرحلة التي قال عنها عميدنا محمد الفاسي الرحلة الكاملة؛ لأنها اشتملت على خمسة عناصر من الرحلة العامة: وهي الحجية والسياحية والاستكشافية والسفارية..
اختار قراءة تعتمد ثلاثة عناصر تبرر العودة لابن بطوطة: كتابة الرحلة تبين أن صاحبها يملك ذاكرة خارقة، إذ كتبها بعد سنوات من العودة، ولم يتدخل ابن جزي إلا قليلا، من خلال، قال ابن جزي، وظلت مخلصة إلى البعد الشفوي المحكي. وهي يجب أن لا تندرج ضمن فنون الترف مثل ألف ليلة وكليلة ودمنة، والأهم من هذا أن رحلة ابن بطوطة اكتشفها الغرب ونعيد قراءتها عن طريق الغرب..
ويقدم روس لان سردية جديدة للنص، وهي تأويل خاص وليست صورا للقرن الخامس عشر بعيون ابن بطوطة، لأن دواعي الرحلة في الدراسات المغربية والعربية كانت لأداء فريضة الحج، بينما تكمن دواعي هذه في الهوى الذي شده للترحال والتنقل وشدة العزيمة، والشوق العظيم لركوب المجهول. وابن بطوطة كان شغوفا بكل جديد وغريب، لذلك حققت الرحلة في الأرض أغراضها، ولذلك يقول عن غيره زدت عليه زيارة بلاد السودان.. رأسماله زيارة مناطق لم يزرها غيره كما يقول روس، ويضيف أن الرحالة اقترف بعض السرقات الأدبية لأن الرحالة لا يدون ما شاهده، بل أشياء ثبتت بالسماع منها أخذ مشاهد الحج من رحلة ابن جبير مع إعادة الصياغة.. ويبقى مركز القوة في الرحلة هو الإسلام الآسيوي، ومركزية الشرق الإسلامي. وهناك من قال عنه «مجرد كذاب» وإذا شكك البعض في مقاطع من الرحلة، فابن خلدون يعطي مثال على الأدلة العقلية التي مارسها في المقدمة، لا يمكن أن ننكر شيئا شاهدناه.

ويؤكد روس أن المغرب لم يكن معزولا، عثر الرحالة على مغاربة في الصين، كانوا فقهاء، جوالين، أحدهم في الصين، والآخر في السودان، على الرغم من البعد ما بين البلدين. وينتقد روس لان رغبة تموضع الغرب في قلب العالم، ويرد بأن أوروبا تكتب تاريخها الصغير لجهل يلازمها فتتجاهل بقية الدول، بينما يؤكد الواقع أن الثقافات متعددة والأهم هو استكشاف غير المعروف.. ويتحقق ذلك عبر التجارة والتبادل الثقافي، ولذلك يقول واتسون في ذلك الزمان لو جاء زائر من القمر والمريخ لقال إن الاسلام على وشك أن يسود العالم كله.
وفي القضية الثالثة، السياقات، لاحظ الباحث أن مارشال وواتسون قدما دراسة شاملة عن اللحظة التي ساد الإسلام فيها العالم، اكتفى روس بدراسة حالة تقدم القضايا ذاتها، واختار الزمن القصير القرن الرابع عشر، متناولا الإسلام الآسيوي. وتناول أسباب النزول منذ راودته، سنة (1976) فكرة تدريس تاريخ العالم والعصر الوسيط، لكن حديث النافذة والقول إن ابن بطوطة نظر إليه وقال له اكتب كتابا عني.. فيها نظر؛ ذلك أنه منذ ذلك التاريخ حتى كتابة الكتاب شهد العالم أحداث جُلى أعادت النقاش حول الإسلام: حرب باكستان والهند، المجال المستحب عند ابن بطوطة نظرا للتسامح الذي كان يسود المنطقة، وثورة إيران وآثارها، وغزو أفغانستان. ولا شك في أن روس تفاعل مع الموضوع وما أثر فيه حديث النافذة. وذلك لأن ابن بطوطة يمثل أيقونة العولمة ولم يكن المفهوم تبلور تماما يومها. وإذا أحب روس الإسلام عبر ابن بطوطة الناسك الأبر والعالم، فقد بين الباحث أن الرحالة لم يكن متصوفا ولا زاهدا ولا فقيها عالما، كان كذلك يوم غادر المغرب، وخلال ترحاله أصبحت له مشاركة يسيرة في طلب العلم، وأضحى مزواجا كثير الأبناء، ومقبلا على الحياة والحكام.. ووقع التحول حين أوشك على المغادرة إلى آسيا نحو الحكام المغول الذين تحولوا إلى الإسلام، وانتقلوا من حياة الرحل إلى الحضر..
وتناول سعيد بنسعيد العلوي موضوع «المؤلف والسارد وابن بطوطة» فتحدث عن مشاركته في لقاء عن ابن بطوطة نظمته مدرسة فهد العليا للترجمة، شارك فيه «شيخ البطوطيين» روس لان قبل ثلاثين سنة، وتناول روايته «سبع ليال وثمانية أيام» من خلال الثلاث شخصيات، على الرغم من أن «الحديث عن النفس يثير الاستنكار» إذ يجب على المؤلف أن يلتزم الصمت. بعد توقيع عمله. والرواية تعني الخيال والكذب. والنقد أحدث خلخلة بين المؤلف والسارد، وأصبح قارئ النص جزءا من مؤلف، والكاتب قارئ أيضا، لأن كل قراءة كتابة، أو إعادة كتابة للنسخة الأولى. وأكد أنه سيقول ثلاث كلمات، فاعتبر أن شريكه هو صاحب التحفة لأن مقاطع من نصه تحضر في متن الرواية، إذ ينبغي أن ننشئ العالم أولا لتأتي الكلمات من تلقاء ذاتها، كما قال إيكو.
والثانية تتعلق بالسارد وهو ليس مفردا ولا مثنى، بل هو «ساردون متعددون» بالجمع، ابن بطوطة الطنجي وقد أملى أسفاره، وابن جزي (لكن روس لان يقول ابن جزي نسخ عدة مقاطع من وصف دمشق حين يعجز ابن بطوطة عن الوصف يتم الاعتماد على كتابات سارد آخر هو ابن جبير) ولا يقف الأمر عند ابن جزي بل تدخل نساخ آخرون.. ولذلك فالكاتب يتعدد بتعدد الساردين.
والثالث هو محمد بن عبد الله اللواتي.. وقد درج البطوطيون على التمييز بين صورتين ابن بطوطة المفترى عليه، والمفتري أيضا و»يعجبني كروائي لأنه يتقن الكذب». وأشار إلى أن فضاء الرواية هو طنجة إذ جاء ابن بطوطة خلال الذكرى السابعة إلى طنجة خلال الندوة، وتناولت أيضا أسباب ودواعي الندوة. والكلمة الثالثة هي الحسرة. أصيب الرحالة بالحسرة على وجوده وعلى الإسلام الذي لا يعرفه وينكره، وغياب التسامح، «في الجامع يصل اللباس الكعبين، وللحجاب مستويين أو ثلاثة مستويات، وداعش والقتل والسلب».
ثم عقبت الجلسة مناقشة مما جاء فيها اتهام ابن بطوطة ابن تيمية بأن فيه بعضا من جنون، وهل يمكن اعتماد ابن بطوطة مصدرا للتعريف به، وهل التقى به فعلا، إذ هناك من يشكك في اللقاء بينهما، وهل هو أصل التشدد، أم أن الوهابية حين أرادت تأسيس ذاتها استثمرت الرجل. وعن السياقات قال الروائي عبد الحي المودن، إنه لا يمكن الحسم فيها لأنها تبقى مفتوحة، وقد تكون ذات طابع سياسي كما قال وزير خارجية ألمانيا مؤخرا متحدثا عن طريق الحرير، ليس سياقها رحلة ماركو بولو، بل هو مشروع استراتيجي سياسي لتموقع الصين على المستوى السياسي.. قد تكون السياقات مهمة وليست حاسمة. خلال رده على أسئلة الحضور قال بنسعيد العلوي، أؤكد بكل أسف أن أكبر أعداء المسلمين يوجدون في المسلمين، هل عرف الإسلام عدوا أكبر من الداعشية؟ وأضاف لا وجود للواقع ولا الحقيقة، المؤرخ هو من ينشئ الواقع، ولا نطلب منه إلا عدم السقوط في الذاتية، والالتزام بالموضوعية. ثم استطرد لا نهتم بما يهتم به الغربيون، لا أحد أنجز عملا يعادل عمق تاريخ الحنبلية مثل هنري لاوست، ولذلك أسميه الفقيه لاوست. أقول هذا الأمر وقد قضيت ثلاثين سنة في الأشعرية، وأهم ما كتب في علم الكلام عن المعتزلة كتبه يوسف فان إس.. وقال بوحسن في نهاية الجلسة بعث لي روس لان بعض ما كتب عن كتابه، ومن هذه الكتب واحد عنوانه «الكتب التي عليك أن تقرأها قبل أن تموت» وهي ألف كتاب يحتل منها كتاب «مغامرات ابن بطوطة» الرتبة 283. لعل الكتب العظيمة تستوجب العودة إليها باستمرار، لعل لك مبرر العودة إلى ابن بطوطة، أكبر رحالة جاب العالم، وانعقاد هذه الندوة.
كاتب مغربي