محمد الصالح النهديلا بد أن نسجل منذ البداية أن الحكومة الانتقالية الحالية تولت المسؤولية منذ مدة قصيرة لا تسمح لنا بتقييمها تقييما موضوعيا. ومن حقها علينا أن نتركها تعمل بهدوء بعيدا عن المناكفة والإرباك والمزايدة، لفترة كافية يمكن بعدها أن نحاسبها على أدائها في مختلف المجالات. ولكن الواجب يقتضي كذلك أن نتابع التجربة الجديدة في الحكم من منطلق الحرص عليها وان نرصد خطواتها الأولى ونتعرف على مدى احترام الفاعلين السياسيين لوعودهم، ونراقب عن كتب الأداء الحكومي ونسعى الى أن نكون في الموقع الذي يسمح لنا بأن تتبين الى أي حد نجح الفريق الحاكم في تحقيق انتظارات المواطنين والقطع مع الواقع الذي كان سائدا قبل الثورة والتأسيس لتونس جديدة تحترم فيها الحريات وتحكمها المؤسسات ويسودها القانون، ولأن التعرف على المقدمات يساعد على فهم التداعيات، فإننا في هذا الظرف وان كنا لا نستطيع أن نبدي رأينا في هوية المشروع المجتمعي لحكومة الائتلاف لأنها لم تستنفذ أطوارها الطبيعية فإنه يبقى من الضروري أن نقوم بدورنا كأصحاب رأي ونحاول قراءة ما وراء المشهد الذي نعايشه ونسلط الأضواء على الزوايا المعتمة في المسيرة المغامرة لأول حكومة منتخبة تفرض عليها اللحظة التاريخية أن تقطع مع أساليب الماضي وتؤمن بأن الثورة الحقيقية القادرة على إحداث المنعرج الحاسم في في تاريخ الشعوب لا تتم بتغيير الأشخاص واعتماد نفس الخيارات وتبني ذات البرامج والمحافظة على نفس الأنساق والتوجهات التي كانت سائدة والتحرك داخل إطار حزبي ضيق يعيد نفس الخطاب وينتج من حيث يدري ولا يدري نفس النظام الذي دمر البلاد والعباد وآذن بالخراب. وقد علمنا التاريخ إن الثورات لا تنجح إلا برجالها (وبنسائها أيضا) وآلياتها وبرامجها وأخلاقياتها وأفكارها ومنطقها. وأهم عوامل النجاح في الثورات أن تحدث أولا في العقول ثم نتيجة لذلك تتوفر ثقافة تهز المسلمات وتقوض أركان القديم وتبني دعائم الجديد وتخلق الإنسان القادر على صنع البديل الأفضل.
و مع إيماننا العميق بأهمية ثورة 14 جانفي واعتبارها نقطة التحول الأهم في تاريخ المنطقة فإن النظرة الموضوعية تقتضي أن نعرف ما إذا كانت الحكومة الحالية القادمة من رحم الثورة على وعي كامل بما ينتظرها من استحقاقات وهل هي في مستوى الآمال المعلقة عليها وقادرة على تحقيق أهداف الثورة وهل هي توفرت فيها الشروط التي تجعلها تقتنص هذه اللحظة التاريخية التي قدمتها الثورة وتترجم منجزاتها على أرض الواقع.
؟ ونحن سنحاول التوقف عند هذه الأسئلة بسبب ما لاحظناه في الأشهر الأخيرة من مؤشرات تبعث على الانشغال وتجعلنا نتوجس خيفة على مآل الثورة وتعثر أهدافها ومستقبل البلاد الذي يلفه الضباب.
إن هذه الحكومة التي تسيطر عليها حركة النهضة تعاملت مع الوضع الثوري الجديد بعقلية تقليدية مسكونة بها جس السلطة والمحافظة عليها وكان عليها لتحقيق ذلك أن تتوخى نفس أساليب الحزب الحاكم السابق وتدفع بعناصرها الى مواقع القرار وتسعى للسيطرة على العملية السياسية، وعندما نعرف أن مرشح القطب الديمقراطي الدكتور فاضل موسى أستاذ القانون وعميد كلية الحقوق وصاحب الخبرة الطويلة في القانون الدستوري يفشل في انتخاب رئيس أهم لجنة من لجان المجلس التأسيسي لفائدة مرشح النهضة الشاب الذي لا نشك مطلقا في كفاءته، نفهم بأن المعيار في إسناد المناصب مازال كما في الماضي يعتمد على الولاء الحزبي. ويلتقط هـــــذه الإشارة أتباع النظام السابق وكل من له مـــأرب يريد أن يقضـــيه فيدخلون أفواجا في صفوف الحزب الحاكم الجديد مادام الأمر لا يكلـــفهم إلا زرع لحية في ذقونهم وارتياد المساجد، و قديما فهم ابن المقفع سر هذا التزاوج بين الرأي (السياسة) والدين فقال: الدين تسليم بالإيمان والرأي تســــليم بالاختلاف فمن جعل الدين رأيا عرضه للاختلاف ومن جعل الرأي دينا قدسه. ونحن نفهم أنه عندما يلتقي الديني بالسياسي يتحول الأول مطية يركبها الثاني ويوظفها في صراع غير بريء يختلط فيه الحق بالباطل ويريده أن يكون وسيلة سماوية لتحقيق مآرب أرضية تمكنه من سلطة دنيوية.
ولم يغب هذا الأمر عن الناس وأدرك الكثير منهم بأن لا شيء تغير وأن الممارسات الحزبية الضيقة التي ثاروا عليها لا زالت تنخر الحياة السياسية وتلوث الأجواء وتعيد اختزال الوطن في حزب ثم في فرد ولا نظن أنهم سيقفون موقف اللا مبالاة كما كانوا في الماضي لأن الثورة وإن كانت تشهد تعثرا في تحقيق أهدافها إلا أنها نجحت في تحرير الناس من الخوف وأعادت لهم الثقة بالنفس ورفعت سقف طموحاتهم التي لا تستطيع أي حكومة في المستقبل تجاهلهما لأنها ستواجه رأي عام استرد عافيته ولم يعد مستعدا لأن يمنح أي قوة سياسية مهما بلغ شأنها صكا على بياض. وهذا ما يفسر تزايد نسق الإضرابات والاعتصامات والحركات الاحتجاجية وغيرها من المواقف التي تريد أن تقول ببساطة إن كثيرا من المسائل والقضايا التي تعج بها الساحة الاجتماعية والسياسية لا تمت بصلة للمطالب والشعارات التي دوت بها الحناجر وضحت من أجلها الجماهير، و إلا ما العلاقة بين الحرية والكرامة والعدالة والشغل والديمقراطية وبين ما يطرحه البعض من إقامة الخلافة والاحتكام للشريعة والزواج العرفي واتخاذ الجواري وختان البنات وتنقيب النساء والرجوع للسلف الصالح الذي هو بريء من ترهاتهم لأنه عاش حسب مقاييس عصره وتكيف مع متطلبات زمانه واهتم بقضايا مجتمعه ولبس وأكل وفكر حسب أذواق وتقاليد وعادات عهده فلماذا لا يقلدونه في هذا السلوك الصادق ويكونون أبناء شرعيينلزمانهم ويرفعون تحديات عصرهم بما تعارف عليه أهل هذا العصر من أدوات وآليات وطرائق ووسائل. والغريب أن كل المجتمعات التي تطمح الى النهوض تولي وجهها صوبالأمام وتشمر عن سواعدها وتبني مستقبلها إلا نحن فلا زال فينا من يلتفت الى الخلف ويفكر برؤوس الأسلاف ويعتمد على سواعدهم وتجاربهم ويعيش زمانهم عوضا عن حاضره ويلبس لبوسهم ويتغنى بأمسهم ويمتشق سيوفهم يريد أن يصارع القنابل النووية والطائرات والغواصات والعقول الجبارة التي تتحكم فينا وفي مصائرنا وأجوائنا وبلداننا وثرواتنا وعقولنا ومستقبلنا. إن الأوطان لا تساس بالعواطف والنزوات والعنتريات والعصبيات والوصفات الجاهزة والخطب الرنانة ولكنها مسؤولية جسيمة تنهض بها العقول والكفاءات ومراكز البحث والتخطيط وتعبئة الطاقات والموارد والاعتماد على مؤسسات ديمقراطية وهياكل إدارية عصرية تعود بالنظر الى خبراء في الميدان يقع انتدابهم عبر مقاييس موضوعية عادلة بعيدا عن الفئوية والحزبية والمذهبية، ولا يدينون بالولاء لأي فريق، وأجهزة قوية تشرف عليها منظومة قانونية تضمن العدالة وتحمي الحقوق وتوفر الكرامة للجميع وتفرض الأمن والاستقرار الذي لا نتصور تنمية في غيابه. ‘ كاتب تونسي