أعلامٌ تَحملُ صورة الأيقونة دييغو أرماندو مارادونا الذي أوصل بلاده إلى الحلم الذي طالما حلمت به، وصورٌ أخرى لميسي الذي يُعلّق الشعب حملاً كبيراً على أكتافه، هكذا تزينت شوارع الأرجنتين استعداداً لتشجيع منتخبهم المشارك في مونديال كأس العالم قطر 2022.
وعلى الرغم من أن الأرجنتين تُعاني من مشاكل اقتصادية متراكمة، تفاقمت عاماً بعد عام، حتى وصلت ذروتها هذا العام إلى نسبة تضخم بلغت 80%، إضافةً إلى ارتفاعٍ في أسعار الغذاء والوقود عالمياً، إلا أن الأمل الذي علّقه جماهير “التانغو” لم يخب رغم كل هذه الصعوبات، كيف لا وهو يُعَد من أقوى الجماهير تعلُّقاً وتشجيعاً وشغفاً بكل ما يتعلق بعالم المستديرة، وكيف لا وبلادهم قد أنجبت أسماءَ لا يغيبُ شمسها أبداً.
من ناحية أخرى، أعلن الفيفا مؤخراً عن مبيعات تذاكر كأس العالم والتي وصلت إلى مليونين و450 ألف تذكرة، وعلى الرغم مما تعانيه الأرجنتين إلا أنها بلغت المرتبة السابعة ضمن الدول العشر الأكثر شراءً للتذاكر بمعدّل 61 ألف تذكرة، سبقتها كل من قطر والولايات المتحدة وإنكلترا والسعودية والمكسيك والإمارات وفرنسا. وبهذا ضرب مشجعو الأرجنتين بكافة المعيقات عُرْضَ الحائط، بحثاً عن انتماءٍ يُنسيهم صعوبة حياةٍ يعيشونها ويعلقهم بأملِ إعادة تتويج الأرجنتين لمرةٍ ثالثة بعد فترة غيابٍ طويلة سطّر بطولتها مارادونا عام 1986 في المكسيك.
المونديال في الشوارع
“إذا أتيحت لي الفرصة لاختيار المكان الذي ولدت فيه، فسأختار الأرجنتين مرة أخرى ولا مكان غيره”. هكذا علّق أحد المشجعين تعبيراً عن حبه لأجواء التشجيع “الفريدة من نوعها” على حد وصفه، إذ ضجّت شوارع الأرجنتين بالهتافات وقرع الطبول والأعلام المميزة التي تفرّد بها كلٌ على حدى في التعبير عن حبه للمنتخب.
وامتلأت المتاجر بالمشجعين الشغوفين الباحثين عن الملصقات التي طرحتها شركة بانيني الإيطالية، لتعبئة ألبوم خاص بصور اللاعبين المشاركين في بطولة كأس العالم 2022، المؤلف من 600 ملصق، ما أدى إلى نفادها من المتاجر، إذ وصفها البعض “بالحُمّى” التي أصابت الأرجنتينيين والتي دعت البعض إلى إنشاء تطبيقٍ يسمح بتتبع أماكن بيع الملصقات، وهو ما دفع أصحاب المتاجر إلى تعليق لافتات كُتب عليها “لا مزيد من الملصقات أو الألبومات”. كما انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي فيديوهات ساخرة لردود فعل جنونية لبعض المشجعين بعد حصولهم على ملصق ميسي.
“الفتى الذهبي” الجديد
لم تظفر الأرجنتين بلقب كأس العالم منذ 1986، عندما توُّج المنتخب بلقبه الثاني على يد الراحل مارادونا، ومنذ ذلك الحين لم يقترن لقب الفوز إلا باسمه. ومنذ 36 عاماً، لم يستطع ميسي سرقة لقب “الفتى الذهبي” حتى الآن مع منتخب بلاد الفضة، ولم يستطع أن يحقق حُلمَ شعبٍ بأكمله، لذا لم يحصل على نفس التمجيد الذي حصل عليه “قديس” الأرجنتين مارادونا.
ولكن عادت الآمال تتعلَّق على أكتاف ميسي بعد حصوله على أول لقب دولي كبير له مع المنتخب بعد الفوز على البرازيل في نهائي بطولة كوبا أميريكا العام الماضي، تلاها حصول المنتخب على لقب كأس الأبطال “فيناليسيما” هذا العام، عقب فوزه بثلاثية نظيفة على منتخب إيطاليا حامل لقب كأس الأمم الأوروبية “يورو 2020″، ما أبدى تطوراً كبيراً في أداء المنتخب على كافة الأصعدة.
وبعد إعلان ميسي بأن مونديال قطر سيكون آخر مشاركة له في نهائيات كأس العالم، ازدادت التكهنات حول إمكانية ظفره بلقب كأس العالم وتتويج سجله الحافل بلقبٍ طالما انتظر الحصول عليه بألوان “الألبي سيليستي”. ومن ناحيةٍ أخرى، يؤمن البعض بأن اللقب لن يتحقق في عهد ميسي “البرغوث” إلا أن مشجعي “التانغو” رفعوا الرايات استعداداً للوقوف إلى جانب منتخبهم. ورغم امتلاء شوارع الأرجنتين بصور ميسي وغياب الغائب الحاضر عن مونديال هذا العام إلا أن الأعلام لم تغفل عن ذِكر عبارات مثل “مارادونا… ستبقى دائماً في قلوبنا”.
قلب مارادونا
لم يتوقف جنون المشجع الأرجنتيني عند هذا الحد، بل طالب عددٌ كبيرٌ من المشجعين بأن يرافق “قلب” مارادونا منتخب الأرجنتين ومدربهم ليونيل سكالوني ليكون تميمة حظ لهم للفوز بالكأس في قطر، بعد أن احتفظت به الحكومة الأرجنتينية داخل سائل الفورمالين! كما علّق أحد المشجعين الأرجنتينيين عند سؤاله عن رأي الآخرين بهم: “المشجع الأرجنتيني فريد من نوعه، في تشجيعه وأغانيه، والعالم أجمع يعلم ذلك”.
وبحسب موقع “لوس انديس” الأرجنتيني أنشأت مجموعة من الجماهير الأرجنتينية اتحاداً خاصاً بهم أسموه “باروارخينتو”، كما أنشأوا علماً خاصاً بهم، بل إن كثيرا منهم لجأوا إلى الاستدانة من أجل السفر إلى قطر لتشجيع منتخب “التانغو”. وذكر أحد المشجعين أنه “من الصعب أن تكون أرجنتينياً وأن تسافر إلى حدَثٍ مثل كأس العالم، بالنسبة لي بدأتُ بالادخار منذ العام الماضي نظراً للضرائب المتزايدة التي تفرضها الحكومة”.
اختلاف الثقافات
أما من المنحى الثقافي، فقد أبدى بعض المشجعين تخوفه من الفروقات الثقافية التي ستواجههم في دولة قطر، حيث وصفها البعض بـ”القيود” ولكن أكثر ما تردد على ألسنتهم حسب مقابلة أجرتها قناة “موندو باتّا”
على اليوتيوب مع مجموعة من المشجعين فإن ما يجب على المشجع الأرجنتيني فعله هو فقط احترام الاختلاف بين البلدين وستجري الأمور على “أفضل ما يرام”. وجاء هذا بعد انتشار إعلانٍ على مواقع التواصل الاجتماعي يحمل عنوان “أظهر احترامك لدين المجتمع القطري وثقافته” يتضمن مجموعة من السلوكيات التي يجب على الحاضرين إلى قطر تجنبها، ومنها الألفاظ الخادشة، وشرب الكحول، وارتداء اللباس المبتذل، وممارسة الشذوذ. إلا أن الحساب الرسمي للجنة العليا للمشاريع والإرث المنظمة للمونديال نفى عبر بيانٍ صحة هذا الإعلان.
وفي النهاية، تتضارب التحليلات حول الفريق الذي سيظفر بالكأس، ولكن كما أنه ما من مستحيل في عالم المستديرة، فليس من المستحيل أن يتوِّج ميسي مسيرته بلقب البطولة الأخيرة له في كأس العالم، ويروي ظمأ جماهير الأرجنتين بعد 36 عاماً، ليسرق بها لقب “الفتى الذهبي” خلفاً لمارادونا.