أنماط تصويت العرب في انتخابات الكنيست الإسرائيلي.. قراءات وتحذيرات وتوصيات

وديع عواودة
حجم الخط
0

الناصرة- “القدس العربي”: يقدم باحث إسرائيلي قراءة لنتائج انتخابات الكنيست الخامسة والعشرين في المجمعات السكانية العربية، يشير فيها لانتصار التيار الإسلامي على الشيوعي، الذي فقد الريادة التاريخية على فلسطينيي الداخل سياسياً، محذراً، ضمن توصياته، من مغبة انفجار جديد على غرار هبة الكرامة في مايو/ أيار 2021، بحال أغلقت حكومة نتنياهو السادسة الباب أمام المواطنين العرب والحوار معهم ومعالجة مشاكلهم الملحّة. ويقول دكتور ميخائيل ميلشتاين، الباحث في معهد السياسات والإستراتيجيا في جامعة ريخمان، في مقال مطول نشر في موقع “المعهد”، إن الانتخابات للكنيست الـ25، تعتبر، وبحق، إحدى أهم المعارك الانتخابية في تاريخ إسرائيل. معلّلا ذلك بالإشارة إلى أنها أدت لحسم أنهى أزمة سياسية تعانيها إسرائيل منذ ثلاثة أعوام ونصف العام، وسوف تسمح ببلورة حكومة ذات هوية وخطوط أساسية وأهداف سياسية واضحة. ويرى أن هذه الانتخابات امتازت بأهمية خاصة بالنسبة إلى المواطنين العرب في إسرائيل، وأنها حدث ينطوي على تناقُض عميق بالنسبة إليهم: من جهة، الصوت العربي أثّر بصورة غير مسبوقة في نتائج الانتخابات، وفي شكل السلطة المقبلة، ومن جهة أُخرى، فإن نظام الانتخابات وحجم الاقتراع أدّيا إلى صعود كتلة سياسية تُعتبر عدوة في نظر أغلبية الجمهور العربي، وخسارتهم التأثير غير المسبوق الذي نشأ في السنة الأخيرة.

التوتر العميق بين اليهود والعرب يعني أن هناك “قصة مفتوحة” يمكن أن تحدث مجدداً، وربما بقوة أكبر من الماضي.

ويوضح ميليشتاين، الجنرال في الاحتياط (رئيس شعبة الدراسات الفلسطينية في الاستخبارات العسكرية سابقا)، أن هدف هذه القراءة عرض نتائج اقتراع المواطنين العرب في الانتخابات الأخيرة، ومن خلالها تصوير التوجهات السياسية والاجتماعية التي انطوت عليها. وبالاستناد إلى هذه الأرقام، يحلل التأثير المحتمل للواقع السياسي الناشىء لدى الجمهور العربي، وفي علاقته بمؤسسات الدولة والجمهور اليهودي، وسيقدم توصيات إلى الحكومة الإسرائيلية بشأن السياسة الواجب اتباعها إزاء المجتمع العربي.

خلاصات مركزية

نسبة الاقتراع: بلغت 53% وتُعتبر متوسطة، مقارنةً بالجولات الانتخابية الأربع التي جرت منذ بداية 2019، وهي في الوسط، بين النقطة الأدنى في العام الماضي (44.6%) وبين الذروة في انتخابات 2020، حين استطاعت “القائمة المشتركة: الحصول على 15 مقعداً. وسُجّلت نِسب التصويت العالية في معاقل القائمة العربية الموحدة (وخصوصاً في البلدات البدوية، وفي الجنوب)، وأيضاً في بعض المراكز في شمال البلاد.

تشرذُم الاقتراع: 84% من المواطنين العرب صوّتوا لأحزاب عربية، وهذا استمرار لتوجُّه برز منذ تقلُّص الاقتراع العربي للأحزاب الصهيونية منذ عقود. وينبع هذا الأمر، برأيه، من ضمن أمور أُخرى، من ازدياد خيبة أمل الجمهور العربي إزاء عدم استعداد الأحزاب الصهيونية لفتح أبوابها أمام المواطنين العرب وترشيحهم في أماكن حقيقية على قوائمها: 32% من المواطنين العرب صوتوا لـ “الموحدة” و29% مع الجبهة/التغيير و22.5% مع “التجمع”. يذكر هنا أن ميليشتاين يغفل السبب الرئيس خلف تراجع قوة الأحزاب الصهيونية في الشارع العربي في العقود الأخيرة (إلى 15% في الانتخابات الأخيرة) بسبب تشكيل الأحزاب العربية الوطنية وتصاعد التوتر بين العرب واليهود واستشراء العنصرية في إسرائيل وانسداد الأفق مع الشعب الفلسطيني.

تراجع قوة الأحزاب الصهيونية في الشارع العربي يعود لاستشراء العنصرية وانسداد الأفق أمام الشعب الفلسطيني.

الموحدة: بالنسبة للقائمة الموحدة، برئاسة النائب منصور عباس، يرجح ميليشتاين أنها ازدادت قوة، مقارنةً بالانتخابات الماضية (زيادة مقعد واحد)، ويعود هذا إلى شعور جزء من المواطنين العرب بأنها نجحت في إحداث تغييرات، بعد انضمامها غير المسبوق إلى الائتلاف، وأنها قادرة على تقديم إستراتيجيا بديلة سمحت لها بالتأثير، والرد على مشكلات أساسية يواجهها المجتمع العربي. كما يغفل ميليشتاين هنا دور البدو في النقب وفي الشمال (انتخاب ممثلين اثنين لها بواسطة “الموحدة”: وليد الهواشلة من النقب، وياسر حجيرات من بلدة البير المكسور في الجليل).

 لكنه يشير إلى أن المعاقل الأساسية للموحدة، كما في الماضي، هي البلدات البدوية في الجنوب (حصلت الموحدة على 70% من الأصوات في النقب)، والبلدات البدوية في الشمال، والبلدات في الجنوب والمثلث، وعلى رأسها كفر قاسم، مهد الحركة الإسلامية، وجزء من البلدات المختلطة، وفي طليعتها عكا والرملة.

الجبهة/التغيير: وبرأي الباحث الإسرائيلي ميليشتاين أيضاً تبدو قائمة تحالف الجبهة/ التغيير، برئاسة النائبين أيمن عودة وأحمد الطيبي، خاسرة بعد تفكُّك “القائمة المشتركة” التي شكلت الجبهة، بزعامة أيمن عودة، المحرك الأساسي لتشكيلها ونشاطها. ويقول إن تقلُّص القائمة يتلاءم مع حدود التأثير التقليدي التي تملكها الجبهة: منطقة الناصرة وحيفا، وكذلك وسط الجمهور المسيحي العربي”.

ويتابع: “هذا بالإضافة إلى نجاحات محدودة في بعض بلدات النقب، وفي الوسط (المثلث) (وخصوصاً في الأماكن التي يوجد فيها مرشح محلي في مكان حقيقي في قائمة الجبهة/ التغيير”. يشار هنا إلى أن الجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة (ونواتها الحزب الشيوعي الإسرائيلي) قد فقدت الريادة لصالح الخط الإسلامي الممثل بـ “الموحدة”، التي تمكنت من تجاوزها بثلاثين ألف صوت، رغم تحالفها مع “العربية للتغيير”. وهناك انتقادات ودعوات إصلاح متصاعدة لدى أوساط داخل “الجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة”، تجلت في عريضة نشرت اليوم وقّعها عشرات من الناشطين يدعون لمؤتمر طارئ، ولاستقالة سكرتير “الجبهة” منصور دهامشة، بسبب سلسلة الإخفاقات المتتالية التي منيت بها “الجبهة”، علاوة على حالة الترهل والتكلّس التي تلازم الحزب.

التجمع الوطني الديموقراطي: لم ينجح الحزب في تجاوُز نسبة الحسم، لكنه جذب نسبة تصويت تفوق ثلاثة مقاعد، وساهم بذلك في حسم الانتخابات. وبرأي الباحث الإسرائيلي أيضاً حقق “التجمع الوطني الديموقراطي” إنجازاً مهماً في عدد من البلدات، وتحول إلى قوة سياسية قائدة في المدن الساحلية (المختلطة) المركزية، وخصوصاً في اللد ويافا، اللتين تشهدان توتراً دائماً بين اليهود والعرب، وكذلك في الطيرة وباقة الغربية وكفر كنا وأبو غوش.

ميليشتاين: تحولت “الموحدة” إلى الحزب العربي الأكبر في “الدولة”، وذلك بعد شيطنته أعواماً طويلة من جانب التيار الشيوعي و”الجبهة”.

التصويت في المجتمع الدرزي والشركسي: كما في الماضي، أغلبية الأصوات في المجتمعيْن أعطيَت لأحزاب صهيونية، وعلى رأسها المعسكر الرسمي برئاسة بيني غانتس، و”إسرائيل بيتنا”، برئاسة أفيغدور ليبرمان، و”يوجد مستقبل” برئاسة يائير لبيد، والليكود برئاسة نتنياهو، وميرتس برئاسة غالؤون. في المقابل، فإن نسبة التصويت للأحزاب العربية كانت أقل نسبياً، يشمل ذلك “الموحدة”، التي سعت لإيجاد موطئ قدم وسط العرب الدروز (تراوح التأييد لمجمل الأحزاب العربية في أغلبية البلدات الدرزية بين 0.5 % و2% فقط).

التصويت للأحزاب الصهيونية: كما ذكرنا، استمر تقلُّص اتجاهات تأييد الجمهور العربي للأحزاب الصهيونية، وهذا الأمر واضح أيضاً وسط المجتمع الدرزي الذي تملك فيه هذه الأحزاب نفوذاً تقليدياً. على سبيل المثال، تراجع التأييد لليكود في جزء كبير من المدن مرتين أو ثلاث مرات على الأقل، وحصل المعسكر الرسمي وحزب العمل على عدد ضئيل من الأصوات في البلدات غير الدرزية، وحتى حزب ميرتس، الذي حظيَ في الماضي بتأييد واسع نسبياً في المجتمع العربي، حقق هذه المرة إنجازاً محدوداً (في كفر قاسم، وفي مسقط رأس الوزير عيساوي فريج حظيَ الحزب بـ 19.5% من الأصوات في الانتخابات السابقة، و5.4% في الانتخابات الحالية).

تأثير زعماء محليين: ويرى ميليشتاين أنه قد برز في العديد من المدن تأثير نشاط مرشح محلي في نمط الاقتراع. مثلاً في بيت جن، محل إقامة مرشح ميرتس علي صلالحة، حصل الحزب على 62% من الأصوات، وأحمد الطيبي على 63% من التأييد لـ الجبهة/ التغيير في مدينته الطيبة، وفي بلدة حورة في النقب صوّت 40% للقائمة نفسها، وذلك بعد ترشيح ابن البلدة يوسف العطاونة في المكان الخامس في قائمة الجبهة/ التغيير، وكذلك في قرية الرينة بلدة دعاء حوش طاطور، المرشحة الثالثة في قائمة “التجمع الوطني” حصلت على 36% من أصوات المقترعين.

تغيّران هامان

وبرأي ميليشتاين، انطوت الانتخابات على تغيريْن دراماتيكييْن في ما يتعلق بالسياسة العربية في إسرائيل: التغيير الأول تحوُّل “الموحدة” إلى الحزب العربي الأكبر في الدولة، وذلك بعد شيطنته أعواماً طويلة من جانب التيار الشيوعي و”الجبهة”. والتغيير الثاني هو “الهزيمة المجيدة” التي مُنيَ بها “التجمع الوطني الديموقراطي”، الذي خسر للمرة الأولى منذ شارك في انتخابات البرلمان الإسرائيلي عام 1996. ويعتبر الباحث الإسرائيلي أن التأييد الواسع لـ “التجمع” يعبّر، إلى حد بعيد، عن الاحتجاج والتحدي، سواء ضد المنظومة الحاكمة، أو ضد البدائل التي تطرحها سائر الأحزاب العربية: التعاون العربي- اليهودي، الذي في أساس تعاليم “الجبهة”، والاندماج في الحكم الذي دفعت به قدماً “الموحدة”. من المحتمل برأيه أن يكون الدعم الحزبي قد عكس أيضاً ردات فعل مضادة على ازدياد قوة اليمين وسط الجمهور اليهودي، أي “العودة” إلى تشديد حزب “التجمع” على الموضوع الوطني الفلسطيني.

هناك يأس عميق من الزعامات السياسية العربية، بالإضافة إلى الخوف من شكل وخطوات الحكومة اليمينية المتشددة المستقبلية.

ويضيف: “بالإضافة إلى ذلك، خلقت الانتخابات شرخاً عميقاً في السياسة العربية في إسرائيل. صحيح أن الأحزاب الكبيرة منخرطة في الساحة البرلمانية، لكن تأثيرها فيها محدود، يبرز هذا تحديداً مع منصور عباس الذي يعتمد وجوده السياسي على انضمامه إلى الائتلاف. في المقابل، من المتوقع أن ينشط حزب “التجمع” خارج البرلمان، ويمكن أن تنضم إليه كيانات أُخرى في هذا المجال، وعلى رأسها لجنة المتابعة العليا كتحدٍّ للسياسة الرسمية، ومن المحتمل أن تجري محاولة لبلورة بديل لها”.

كما يرى ميليشتاين أنه من الناحية الإستراتيجية، فإن علاقة الجمهور العربي بالدولة والجمهور اليهودي، والتي كانت متوترة، تواجه الآن وضعاً حساساً جداً: يعيش الجمهور العربي بعد الانتخابات حالة هي مزيج من الصدمة والإحباط والخوف. ويقول إن الأمل (المتواضع) بزيادة التأثير، الذي نما في السنة الأخيرة، ذهب دفعة واحدة، مثلما هناك يأس عميق من الزعامات السياسية العربية، بالإضافة إلى الخوف من شكل وخطوات الحكومة اليمينية المتشددة المستقبلية، بينما تغلي طوال الوقت مشكلات أساسية تزيد في التوتر العام وسط الجمهور العربي، وعلى رأسها الجريمة والعنف وضائقة جيل الشباب، والإحساس بالقمع والتمييز.

وفي التوصيات يرى ميليشتاين أنه يتعين على الحكومة العتيدة فهم هذا الواقع المشحون، إذ تكفي شرارة واحدة كي تشعل نيراناً كبيرة. ويتابع: “اضطرابات 2021 ذكّرت بالتوتر العميق بين اليهود والعرب، ونشوبها في نظر أغلبية العرب واليهود يعني أن هناك “قصة مفتوحة” يمكن أن تحدث مجدداً، وربما بقوة أكبر من الماضي”.

من الناحية العملية، يوصي ميليشتاين الحكومة العتيدة، على الرغم من الفجوة بين نظرتها وبين نظرة الأحزاب العربية، بإيضاح نيتها الاستمرار في المعالجة الواسعة لكل أزمات المجتمع العربي، وفي طليعتها الجريمة والعنف وأزمة السكن وتطوير الاقتصاد والبنى التحتية المدنية في البلدات العربية. كما يقترح إجراء حوار واسع ومباشر مع الزعامات العربية، ومع الجمهور العربي، من أجل إيجاد حلّ للمشكلات وإشراك الزعامات والسكان في الوسائل التي يجب الدفع بها قدماً.

ويخلص ميليشتاين للقول، محذراً، إن تجاهُل الواقع المشحون، أو إعلان النية بالدفع قدماً بخطوات جديدة تقيّد الجمهور العربي، أو تقلل من دعم الدولة له، يمكن أن يعتبرها المواطنون العرب، وخصوصاً الشباب، كـ”إغلاق الباب” الحكومي والعام الذي فُتح لهم في السنة الأخيرة، وسيؤدي إلى انهيار حاد للتوقعات، يمكن أن ينعكس سلبياً على الواقع الداخلي في إسرائيل، وعلى حصانتها ومناعتها الوطنية كدولة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية