لندن- “القدس العربي”: نشرت صحيفة “فايننشال تايمز” تقريرا أعده جوش نوبل، قال فيه إن لاعبي كرة القدم القطريين يساعدون على بناء هوية الدولة الخليجية، مشيرا إلى أن دولة قطر المستضيفة هذا العام لمباريات كأس العالم، مصنفة في المرتبة 50 على مستوى العالم.
ومن بين الدول التي تأهلت لكأس العالم هذا العام، فقد اعتٌبرت السعودية وغانا ضعيفة في تصنيفات الفيفا. وتحتل الإكوادر منافسةُ قطر في المرتبة 44. ومع ذلك، يعتبر تصنيف قطر الحالي مرتفعا منذ حصولها على حق استضافة المباريات في عام 2010. وفي تلك الفترة، كان تصنيفها هو 113 بعد كل من سوريا وهاييتي من بين دول أخرى. ونقلت الصحيفة عن روس غريفين، أستاذ الرياضة والثقافة بجامعة قطر، قوله: “سيكون من الصعب هزيمتهم، فهم منظمون جيدا وسيسجلون أهدافا”.
وترى الصحيفة أن التحول في المنتخب الوطني القطري، هو انعكاس للتحول في هذه الدولة الخليجية الثرية نفسها. فقد استخدمت موارد الغاز الطبيعي الضخمة لبناء بنى تحتية طموحة واستوردت خبرات دولية، ووضعت الأساس للهوية الوطنية في مكان لا يحمل فيه الجنسية القطرية إلا نسبة عشرة بالمئة. وفي عام 2010، كان 5% من لاعبي المنتخب الوطني ممن ولدوا في قطر، وذلك بحسب كريستوش انغاغونستوبولس، أستاذ إدارة الرياضة في جامعة حمد بن خليفة بالدوحة. وفي الدورة الحالية لكأس العالم، فنسبة اللاعبين المولودين في قطر تصل إلى 90%. معلقا: “هذا هو إرث كأس العالم حتى قبل أن يبدأ، ولديهم رؤية وخطة محددة لتحقيق هذه الرؤية”.
ولا يُعرف كم من اللاعبين يحمل الجنسية الكاملة، فبعضهم ولد في الدوحة لأبوين غير قطريين مثل لاعب الجناح، أكرم عفيف. وهناك عدد منهم ولدوا في أماكن أخرى مثل المعز علي، ولكنهم نشأوا في قطر. وفقط ثلاثة من الفريق حصلوا على الجنسية وهم كبار. ويضيف غريفين: “الرؤية النمطية هي أن القطريين ليس لديهم لاعبون يلعبون من أجلهم، ولديهم مرتزقة فقط”، فقد “ولد هؤلاء اللاعبين هنا، وذهبوا للمدارس هنا ويقومون بتطبيع المجتمعات في قطر”.
وتضيف الصحيفة أن في قلب مشروع كرة القدم القطرية، أكاديمية أسباير، وهي مدرسة نخبة للتدريب الرياضي، وتحظى بدعم سخي من الدولة. ولدى الأكاديمية ثمانية ملاعب كبيرة بما فيها “أسباير دوم” وهو مجمع ضخم مفتوح للتدريب. ومنذ إنشائها عام 2004، دربت الأكاديمية وعلمت آلافا من الرياضيين الشباب، خاصة في رياضة كرة القدم، إلى جانب ألعاب أخرى مثل المبارزة وكرة الطاولة. وفاز معتز برشم، من أصول سودانية بميداليتين في القفز العالي في الألعاب الأوليمبية. وقال مايكل براون، أحد كبار المدربين في أسباير ما بين 2004- 2012: “المباني لا تصدق ولن تجد لها مثيلا في العالم”.
وتقول الصحيفة إن التحول الكروي القطري، سابق على طموحات تنظيم مباريات كأس العالم، وأثبتت أنها وسيلة قوية لبناء “قصة وطنية” لبلد لا يتجاوز عمره أكثر من 50 عاما. وتعرضت الدولة الخليجية الصغيرة مثل جيرانها لانتقادات بسبب اعتمادها على شراء اللاعبين من الخارج.
وفي عام 2004 حاولت قطر تجنيس 3 لاعبين برازليين لا أحد منهم له علاقة سابقة مع البلد. إلا أن سرعة القرار الذي اتخذ في أسبوع، دفع الفيفا لمنع التحرك، وشدد القوانين المتعلقة بتجنيس اللاعبين.
وبعد عقد، طفا الموضوع من جديد على السطح بعد فوز قطر بالمرتبة الثانية في مباريات كأس العالم لكرة اليد. فقد كان ثلثا اللاعبين في الفريق من الذين ولدوا خارج البلد. وهو ما دعا رئيس الفيفا في حينه سيب بلاتر لتحذير قطر أن هذه الممارسات لن يتم التسامح معها في كرة القدم.
وبالتأكيد، لعب المال دورا في تشحيم عجلة النجاح القطرية، فإلى جانب بناء منشآت تدريب بمستويات عالمية، جذبت قطر أهم المدربين وعلماء الرياضة. كما دفعت لفرق النخبة الأوروبية لكي تزور قطر وتلعب مباريات فيها، وهي تجربة ضرورية عندما تحاول التنافس في مباريات كأس العالم. وتوسعت أسباير في الخارج، وتملك الآن ناديين للمحترفين في أوروبا، كاس يوبين في بلجيكا، ونادي كالتشرال يي ديبورتيفا ليونيسا الإسباني.
وبدأت الأكاديمية تثمر عندما فازت قطر بكأس الشباب الآسيوي لأقل من 19 عاما عام 2014. وبعد خمسة أعوام، فازت قطر بكأس أمم آسيا لأول مرة، بعد تغلبها على اليابان 3-1 في المباراة النهائية.
وتلقى ثلثا الفريق تدريبهم في أسباير، بمن فيهم حارس المرمى سعد الشيب. ويقول غريفين: “كانت هذه لحظة ضخمة في تاريخ قطر.. من الصعب وصف الاحتقال عندما فازت قطر بكأس آسيا ولم أر شيئا مثل هذا في حياتي”. ولم تكن أسباير بعيدة عن الجدل، ففي التقرير الداخلي للفيفا حول عمليات المنافسة على تنظيم مباريات 2022، وجد المحققون أن مصادر الأكاديمية استُخدمت للتودد إلى أعضاء لجنة الفيفا، وهو ما نفته قطر دائما، وأكدت أنها لم ترتكب أي خطأ.
واتهمتها منظمات حقوق الإنسان بأنها حاولت الحصول على مواهب كروية بعقود رخيصة من إفريقيا. ومنذ عام 2007، أرسلت الأكاديمية آلافا من الكشافة عبر القارة الأوروبية لمقابلة وتقييم ملايين الشباب واللاعبين لمشروع أحلام أسباير الكروية.
وفي كرة القدم الدولية، تظل الجنسية مفهوما هلاميا، حيث يختار بعض اللاعبين تمثيل البلد الذي ولدوا فيه، ويختار آخرون البلد الذي ولد فيه آباؤهم وأجدادهم لتمثيله. وفي الوقت الذي يمنع القانون القطري اللاعبين المولودين لأبوين أجنبيين من الحصول على الجنسية، إلا أن اللاعبين القطريين يقومون بأداء مهم، ويعملون على بناء هوية وطنية كما يقول جون ماكمانوس، الأنثروبولوجي ومؤلف كتاب “في داخل قطر” عن النخب في الدولة الخليجية، معلقا: “هذا بلد شاب، وهناك الكثير من الهويات الموجودة.. وأنت بحاجة لهوية مقدسة”.