■ عام آخر يمر.. يأتي اليوم العالمي للمرأة وامرأتنا العربية لا زالت تعاني في الكثير من مناطق هذا العالم العربي. رغم كل الاحتفالات، الخطابات الجوفاء والشعارات البراقة من الأحزاب والمنظمات، التي لم تعد تمتلك من التقدمية أو اليسارية إلا اسمها؛ أو السلطات الحاكمة الديكتاتورية التي تستغل هذا اليوم لتقدم فصولاً شعاراتية خالية من أي مضمون، سوى استغلال هذا اليوم لادعاء التضامن مع المرأة وترسيخ أركان هذا الحكم الحامي لكل الحقوق.
سمعنا الكثير وسنسمع التصريحات عن المرأة العربية ودورها: حارسة نارنا؛ عمود خيمتنا.. إلخ، من دون التوقف لحظة وإدراك أن هذه الإنسانة التي هي بالفعل حارسة نارنا محرومة من أبسط حقوقها الإنسانية في الكثير من جغرافيا هذا الوطن المتخم بالتناقض: نحرمك حقك في ميراثك المنقوص أصلاً؛ ولا نتوقف عن التباهي بنزاهتنا وتقوانا، حسبنا ومكانتنا بين الفحول المنتفخة؛ نرغمك على الزواج ممن نعتقد أنه المناسب وليس ما تودين أنت، حتى لو تحطم قلبك، فلا ضير فنحن أدرى بما يناسبك أيتها القاصر الناقصة. نقنعك منذ الطفولة بأنك عورة تجلبين العار، وأن شرفك مرتبط بأقل هفوة حتى لو كانت بريئة، طفولية أو طبيعية، فهذا لا يتماشى مع تقاليدنا البالية ويجلب العار لفحولتنا المتضخمة. ننكر عليك حقك في الكفاح لأجل حقوقك البديهية باسم الوطن والوطنية؛ فهذا ليس وقته فلا وقت للكفاح المجتمعي، ونحن نناضل ضد الاحتلال والاقتلاع؛ وإن تمردت أخرجناك من الكل الوطني المناضل. نحكم على شرفك بلباسك وليس عقلك أو عملك؛ أخلاقك أو انسانيتك، فهذه أمور لا ترتقي لأهمية ما يجب عليك أن تظهريه أو تخفيه من كينونتك التي تمتلكينها أنت ولا أحد غيرك.
حين نمدحك نقول «أخت الرجال»؛ فقبولك عندنا نابع من صفات جيدة نعزيها لذكوريتنا المتأصل. نحن من يقرر أي عمل يناسبك؛ لا ما تريدين أو ما تستطيعين الإبداع فيه، فقط المجال الذي لا يعطيك الفرصة لأن تكوني فتنة وعورة. نغتال طفولتك.. نبيعك في مخيمات اللاجئين لمن يدفع أكثر من العواجيز الشبقين، بحجة السترة؛ نصمت على هذه الجريمة ما دام بعضنا يبررها زوراً بشرعيتها؛ ملعونة هذه السترة وعار على كل صامت. نفصلك عنا في كل محيط فأنت شرف العائلة التي يجب أن لا يختلط بالفحول ذوي الشهوات الحيوانية، ولا يمكن أن نسمح لشرفنا المصان بالتلطخ، يمتد اعتزازنا بشرفنا وحرصنا على تفادي أذى الفحول المتربصة لأحزابنا المسماة تقدمية، فعار الاختلاط لا يمسنا شخصيا فقط، بل وطنيا ونضاليا.
إن لم تنجحي في زواج بغض النظر عن الأسباب؛ نضعك تحت المجهر فطلاقك في مقياس شرفنا يجعلك عورة مضاعفة؛ نقتلك باسم الشرف، حتى عندما تغتصبين، بل ونسن القوانين التي تسمح لنا، نحن حماة الشرف والفضيلة، بأن نقتلك من دون اكتراث بعقاب؛ نصمت جميعاً على هذه الجريمة إلا قلة من عديمي الشرف من الخارجين على عاداتنا وتقاليدنا الأصيلة. نتهم كل من ينادي بحقوقك بالتبعية لأجندات مشبوهة خارجة عن مقاييس شرفنا، عاداتنا وتقاليدنا التي قادتنا إلى سيادة الامم. نحرمك الحب، الاختيار، الإبداع، أحياناً التعليم. نحرمك ذاتك، نفرض عليك كل شيء وأي شيء وكله باسم ذكوريتنا الحامية الوحيدة لقيمنا الأصيلة. بعد هذا كله نعقد المؤتمرات ونسير المسيرات ونتنافس في التغني بقيمتك وأهميتك؛ نضالك وصبرك – وننسى أو نتناسى في خضم بريق الشعارات أنك كلك في قاموسنا «عورة» ألا توافقينني سيدتي أننا كلنا كاذبون.
٭ كاتب وناشط سياسي من فلسطين
مشير الفرا