« لطيفة في اللغة: هي المرأة الناعمة. الرقيقة. الرفيقة. النادرة. لطيفة في الاستراحة: هي المقولة التي تشرح الصدر. لطيفة في الحياة: هي أمي. وقلبي الذي في صدري. وأجمل. وأنعم. وأرق. وأرفق إنسانة في حياتي. كل ابن يمكن أن يتحدث عن السلام والسكينة في وجه أمه، لكن أمي ليست ككل الأمهات. كانت كلها سلاماً وسكينة. ما زلت أذكر رائحة خبز أمي. أذكر حديثها معي في الصباحات الباكرة».
تلك هي بعض السطور، التي قرأتها الطفلة مريم امجون، في مسابقة «تحدي القراءة العربي»، لحاكم دبي الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، فبكى وبكت معه.
هكذا راحت تلك الصغيرة، وبحساسية مفرطة تسرد مقتطفاً من كتابه «قصتي»، الذي حكى فيه عن ذلك الحب الأول. عن حبه لامرأة لا تشبه سواها. هي أمه ورفيقته الأولى الشيخة لطيفة، التي غابت لتترك فراغاً قاسياً لن يملؤه له أحد.
ذلك المقطع المصور انتشر بكثافة على مواقع التواصل الاجتماعي، وتفاعل معه الكثيرون من رواد الـ»سوشيال ميديا»، ومن لا يضعف أمام دمعة فراق الأمها؟!
كانت دمعته حارة محملة بكل لحظة من لحظات الطفولة، وبكل ذكرى من ذكريات الماضي الجميل. يقول في إحدى تغريداته: ما زلت أشعر بفقدها حتى بعد أربعين عاماً.
شعرت بألمه وبكيت بحرقة، ربما لأن جرح قلبي الطازج مفتوح على مصراعيه. أحسست أن حزنه على أمه يهز بشدة حزني على أمي، ولوعتي في غيابها. أمي التي رحلت منذ أقل من شهر واحد.
بتلك الكلمات البسيطة والصادقة والشفافة على الوجع، استطاع الرجل أن يوصل مشاعره للصغير قبل الكبير.
لقد أضاء الجرح في أعماق الكثيرين من المتابعين الذين يعانون الفقد ويضنيهم الشوق إلى وجوه أمهاتهم.
وكأن بتلك المشاعر الإنسانية الطاهرة وحدها تتحد البشرية.
ما أصعب الفقد وما أشرس أنيابه!
منذ أقل من شهر ماتت أمي. ماتت من أنجبتني من قلبها. ماتت من حملتني في بطنها، وعلى ظهرها حتى آخر يوم من عمرها المتعب.
إنها كل قبيلتي وكل ما يربطني بالحياة. لقد ربتني بمفردها. أنا وحيدتها.
اتصل بي خالي، وقال: «أمك لا تتنفس». لم أفهم جيداً معنى الجملة. للحظات سقطت اللغة. وسقطت أنا معها.
سألته: ماذا تعني؟ كررتها عدة مرة، لكنه لم يجب.
فتكلمت مع صديقة طفولتي، وكأني أستنجد بها.
وطلبت منها أن تعاود الاتصال بخالي. كنت أتمنى أن تأتيني بخبر مختلف. كنت أنتظر اتصالها وأنا أجمع أشيائي بسرعة في حقيبة السفر.
لم تمر لحظات حتى رن الهاتف من جديد: «أمك لم تمت. إنها في حالة صعبة»!
لكن الأمل الصغير برؤية أمي تلاشى، حين اتصلت بخالي من جديد ليردد كلماته القليلة: «العمر إلك يا خالو. إيه أمك ماتت… خلص»!
ماذا أفعل بعمر وحياة لا توجد فيهما أمي؟
كنت أبكي وأشهق وأصرخ، وأنا أستعد للسفر إليها.
ربما تستقبلني، كما جرت العادة. ربما أجدها واقفة عند عتبة الدار لتلوح لي بيدها.
أمي لا تقوى على الرحيل. أعرفها جيداً. لا تقوى على جرحي. لا تقوى على تركي وحيدة.
أنا في لندن وأمي في شمال لبنان. والسفر إليها يحتاج عدة ساعات.
طلبت سيارة التاكسي لأتوجه إلى مطار هيثرو. كانت طائرتي الساعة الرابعة بعد الظهر، الطائرة الوحيدة التي تصل فجر اليوم، الذي ستدفن فيه أمي.
شعرت أني قريبة جداً من الموت. شعرت أن قلبي هذه المرة تحديداً لن يحتمل ألم الفراق.
هكذا عدت إلى لبنان مهزومة ضعيفة، وأنا في حالة أقرب للاحتضار.
وصلت ضيعتي. ولكنها كانت صامتة تماماً هذه المرة. لا عصافير تغرد ولا أشجار منتصبة ولا أبواب مفتوحة. حتى الدكان الوحيد كان مغلقاً!
لم أرغب في التوجه مباشرة إلى بيت جدتي، حيث كان التجمع قبل السير إلى الكنيسة.
أردت أن أذهب إلى بيت أمي. قد تكون اختبأت من الموت ورجعت إلى الدار حين علمت بعودتي إليها.
نعم رأيتها. كانت طيفا. نادتني: يا مريم.
فتحت الباب وركضت إلى غرفتها. كان سريرها فارغاً من كل شيء، إلا رائحتها. كنت أرى عينيها تحدقان بي. وكان وجهها في كل زاوية من زوايا البيت.
أمي ماتت وماذا أخبركم عنها. ومن أين أبدأ؟
هل أخبركم عن طفولتي، وكيف كانت كل يوم تعبر خط التماس بين شرق لبنان وغربه لتؤمن لي لقمة العيش؟
بيتنا كان في بعبدا، أما عملها فقد كان في الجامعة الأمريكية في بيروت. أمضت عمرها وهي تختبئ من القناصين وتتحايل على رصاصهم، فقط كي أعيش.
هل أخبركم كيف كانت تنام فوقي حين يشتد القصف كي تحميني بجسدها من الموت؟
هل أخبركم كيف كانت تحمل جرة الغاز وتصعد بها على السلم أربعة طوابق، كي تشعل المدفأة حتى لا أشعر بالبرد؟
هل أخبركم عن قطع «الغاتو»، التي كانت تشتريها من مطعم المستشفى، ولكنها لا تأكلها، بل تجمعها لتحملها لي إلى بيت جدتي في الشمال، حيث كنت أمضي عطلة الصيف. خمس قطع. لا تنقصها قطعة فهي تعمل من الإثنين حتى يوم الجمعة.
هل أخبركم عن فرحتها لحظة تخرجي من الجامعة الأمريكية. وكيف كانت ترقص وهي تحمل الشهادة؟
هل أخبركم عن آخر أيامها. عن زيارتي الأخيرة إلى لبنان قبل موتها بعشرة أيام؟
زرتها بعد انقطاع لسنتين، بسبب جائحة كورونا. مناعة أمي منذ ولادتها كانت ضعيفة جداً. وإصابتها بكورونا كانت تعني النهاية. وقد نصحني الطبيب أن أنتظر حتى تأخذ ثلاث جرعات من التطعيم المضاد لكورونا وبعدها نلتقي. وهذا ما فعلته تماماً. لمدة سنتين كنا نتكلم يومياً عبر الهاتف. والتقينا بعد أن أخذت جرعتها الثالثة.
ولكن قبل لقائنا الأخير، لاحظت أن أمي ليست بخير. ذاكرتها ما عادت تسعفها كثيراً. وبدأت الأحداث تختلط في رأسها.
وحين سافرت إليها أخذتها إلى الطبيب فأخبرني بعد أن أجرى لها كل الفحوصات الطبية اللازمة أنها تعاني من ألزهايمر. وأن الحالة تتراوح بين المتوسطة والحادة.
نمت في غرفتها. نمت إلى جانبها، كما كنت أفعل دوماً، حين أشعر بالخوف أو الحزن أو الخذلان. في الليل قلت لها: أشعر بالبرد.
قفزت من سريرها وأحضرت كنزتها ولفتني بها. أمي قد تنسى كل شيء، ولكنها ما كانت لتنساني أبداً. وما كانت لتنسى قداس يوم الأحد.
بعد عودتي إلى لندن بأقل من أسبوعين أصيبت أمي بكورونا. ماتت. وانطفأ البيت. وانطفأت الدنيا!
كاتبة لبنانية