«السفينة النشوى»: كيف نتغلَّب على مشكلات الترجمة؟

يُقسِّمُ المترجم ماهر البطوطي كتابه «السفينة النشوى.. قصائد وشعراء» الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، إلى أربعة أجزاء هي: مقدمة عن الترجمة ـ قصائد مترجمة ـ شعراء ـ شاعران رومانسيان. ورغم أن المقدمة لا تَحْتلُّ سوى إحدى عشر صفحة فقط من صفحات الكتاب التي تجاوزت الثلاثمئة بإحدى عشر صفحة، إلا أنها ـ المقدمة ـ من وجهة نظري لها من الأهمية ما لِكُتبٍ تتعدَّى صفحاتها الألفَ صفحةٍ.
يبدأ المترجم ماهر البطوطي هذه المقدمة بالإشارة إلى أن مقولة «أيها المترجم.. أيها الخائن» التي يتداولها النقاد هي مقولةٌ يُجانبها الصوابُ.. إذْ أنَّ هذه المقولة لمْ يُقْصدْ بها النصوص المُترْجَمة بل قُصِد بها الأشخاص الذين كانوا يتعاونون مع أعداء بلد ما حين يحتلونه، فيقومون بالترجمة بين الغزاة الأجانب وبين سكان هذا البلد.. وهذا ما يُعتبر خيانةً صريحة.

صعوبة الترجمة

كما يشير المترجم على هامش هذه المقولة إلى صعوبة الترجمة والشروط العديدة التي يجب أن يتميز بها المترجم حتى لا يُصبح خائناً للنص الأصلي. من هذه الشروط: إجادة اللغتين الأصلية والمُتَرْجَم عنها إجادة تامة.. ومعرفة المؤلف وأساليبه والأُلفة مع موضوع الكتاب المُتْرجَم.. والأماكن التي يَرِدُ ذكرها في النص الأصلي. بعد ذلك يُعدِّد ماهر البطوطي الأخطاء التي يقع فيها بعض المترجمين ذاكراً منها: نقل أسماء أماكن أو أشخاص نقلاً خاطئا.. ويسوق أمثلةً على ذلك قائلاً إن أحد كبار المترجمين ترجم أَشْهر محل في نيويورك يُسمى بالإنكليزية «Macy´s» ويُنطق ميسِيز إلى ماكي. كما درج المترجمون في معظم اللغات على ترجمة إحدى الروايات الشهيرة لوليام فوكنر، التي عنوانها الأصلي هو «Light in August» إلى «ضوء في أغسطس».. غير أن مَنْ يقرأ الرواية يكتشف أن المؤلف يتحدث عن الأبقار في الجنوب الأمريكي حين تكون مثقلةً بحَمْلها حتى شهر يوليو/ تموز.. إلى أن تلد صغارها في ذلك الشهر ثم تصبح «خفيفة في أغسطس».

محاذير واستثناءات

ويشير المترجم ماهرالبطوطي إلى أن عناوين الروايات كثيراً ما تخدع مترجميها. أما الوسائل الممكنة لتفسير العناوين الغامضة ـ من وجهة نظر المترجم ـ فمنها معرفة كيف تُرْجمتْ إلى اللغات الأخرى. ولا ينكر البطوطي أن ترجمة الأسماء الأجنبية إلى اللغة العربية تُمثل مشكلة عويصة ـ على حد تعبير المترجم ـ تظهر هذه المشكلة في وجود عدة أشكال للاسم الواحد حسب مفهوم المترجم وحسب البلد الذي ينتمي إليه. ولا ينسى البطوطي أنْ يذكر أن القاعدة العامة في ترجمة الأسماء الأجنبية هي نقلها بحسب نطقها في لغتها الأم قدر الإمكان. غير أن هناك محاذير في ذلك واستثناءات.. منها تغليب الاسم العربي القديم إنْ وُجِدَ مثل أسماء المدن والأماكن الأندلسية.. فيقال: إشبيلية.. قرطبة.. غرناطة.. بدلاً من: سيـﭭييا.. كوردويا.. جرانادا. أما علاج تلك المشكلات ـ وفق ما يراه المترجم ـ فهو يكمن في تَوَلِّي الهيئات والجماعات الأدبية واللغوية المختصة في العالم العربي بحثَ هذه المشكلات التي تُعقِّد أمور الترجمة. ثم ينتقلُ المترجم البطوطي إلى الحديث عن مشكلات ترجمة الشِّعْرِ.. خاصةً أنَّ الشِّعْرَ يختلفُ عن النثر في وجود أوزان وقوافٍ وإيقاعٍ وموسيقى وصورٍ بديعيةٍ وأحاسيسَ.. فكيف يتم نَقْلُ ذلك كله عن طريق الترجمة؟
هذا سؤال يضيف إليه المترجم أسئلة أخرى: هل تجب ترجمة الشعر شعراً أم نثراً؟ وماذا يصنع المترجم في الأشياء التي ليس لها مقابل في اللغة العربية كأسماء بعض الطيور والزهور؟

الشاعر والقارئ

ويَرُدُّ على الذين يقولون إنه يجب عدم ترجمة الشعر أصلاً بأن ترجمة الشعر تجعله متاحاً أمام قرَّاء العربية وعلى أدنى تقدير يأخذ القارئ العربي فكرة عن نتاج الشعر الأجنبي. ويذكر في هذا الصدد قول يوسف الخال: «ليس كالترجمة حافز للشعر العربي على الإبداع بما تنقله إليه من تجارب كبار الشعراء المبدعين أينما كانوا. وليس كالترجمة وسيلة لتثقيف ذوق القارئ العربي وتعميق مفهومه للشعر ولولا ذلك لتعذر قيام الصلة بين الشاعر والقارئ».
ولا ينكر البطوطي أن لكل مترجم أخطاءه والعذر في ذلك أن شفيع المترجمين سان جيروم قد أخطأ هو الآخر.. ومن يريد أن يعرف في ما أخطأ، فعليه أن يرى تمثال موسى لمايكل أنجلو الموجود في كنيسة القديس بطرس في مدينة روما.
ويختتم المترجم ماهر البطوطي هذه المقدمة الرائعة ـ التي لا غنى لأي مترجم، سواء أكان في بداية مشواره مع الترجمة أو كان قد حقق خطوات على طريقها، عنها ـ بعبارة جميلة تقول: «أنتم الناس أيها الشعراء!»
أما الجزء الثاني من هذا الكتاب فقد ضمَّنه المترجم مجموعة من القصائد المترجمة مثل: «السفينة النشوى» لآرتور رامبو ـ «سفينة الموت» د.هـ .لورانس ـ «عن شعري» لناظم حكمت ـ «الأرض والموت» لشيزاري بانيس ـ «قصيدتان» لبابلو نيرودا..وقصائد أخرى.
أما الشعراء فقد خصص لهم المترجم الجزء الثالث من الكتاب.. وفي هذا الجزء يتحدث المترجم عن الشاعر مع ترجمة لبعض قصائده.. ممن ترجم لهم: روبين داريو ـ أنطونيو ماتشادو ـ ميغيل دي أونامونو ـ خوان رامون خيمينيث ـ ميغيل إرناندث ـ رفائيل ألبرتي ـ فيثنتي ألكساندري.
وفي الجزء الرابع والأخير من الكتاب يتحدث المترجم عن شاعريْن من شعراء الرومانسية هما: لورد بايرون «من الأندلس» ـ أبو القاسم الشابي.
ختاما.. لا بد من التنويه إلى أن ماهر البطوطي أجاد في اختيار هذه النصوص التي قدمها لنا مُتْرجمةً في كتابه هذا «لسفينة النشوى.. قصائد وشعراء» مثلما أجاد في ترجمتها ترجمة تمتاز برشاقتها وبروعتها.

نصوص

وهنا أتركك عزيزي القارئ مع بعض نصوص هذا الكتاب.
* قصيدة زهرة للروائي والشاعر جيمس جويس:
رقيقة هي الوردة
ورقيقة هي اليد التي أهدتها
روحها أكثر ذُواءً وشحوباً
من موجات الزمن الواهنة
***
وردة رقيقة جميلة
وأكثر رقة منها
تلك الدهشة الوحشية
التي تخفيها في عينيك الرقيقتين
يا طفلتي ذات المسحة الزرقاء.
أما لورد بايرون فيقول في إحدى قصائده:
لا تحدثوني بعد ذلك قط
عن أجواء الشمال
ولا عن النسوة الإنكليزيات
أنتم يا من لم يسعدكم الحظ
بتأمل فتاة قادش.
قصيدة قمري لرفائيل ألبرتي:
قمري الذي كان بالأمس
واليوم هو قمر نسياني
تعال عندي هذه الليلة
اهبط إلى الأرض
وبدلاً من أن تكون اليوم قمراً للحرب
فلتكن قمر حبي وحسب.

* وأختم بهذا المقطع للشاعر خوان رامون خيمينيث الذي يقول فيه:

أنا لست أنا

أنا ذلك الذي يسير بجواري دون أن أراه

والذي سأراه أحيانا

والذي أنساه أحياناً

ذلك الذي يصمت رزيناً حين أتكلم

ذلك الذي يغفر في عذوبة حين أبغض

ذلك الذي يمضي حيثما لا أكون

ذلك الذي سيبقى حينما أموت.

كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية