اللافت في عمليات الإفراج وإسقاط المتابعة الجارية، أن معظمها يشترك حول مضمون المادة 87 مكرر المتعلقة بالإرهاب، والتي هي محل جدل واسع وطنيا ودوليا.
الجزائر- «القدس العربي»: أحصى النشطاء الحقوقيون منذ انطلاق افتتاح الدورة الجنائية في المحاكم الجزائرية، شهر تشرين الأول/أكتوبر الماضي، خروج العشرات من السجناء المتابعين في قضايا الحراك الشعبي، ما يؤكد وفق قراءات سياسية، أن ثمة مسار تهدئة جديدا يختلف عن سابقيه، حيث كان الإيعاز في عدة مناسبات يأتي مباشرة من الرئيس عبد المجيد تبون وبشكل معلن.
وتشير التقديرات الأولية إلى أن عدد النشطاء الذين غادروا السجون يناهز الخمسين بعد حصولهم على أحكام بالبراءة أو عقوبات تغطي فترة مكوثهم في الحبس المؤقت، بينما نطقت المحاكم بعشرات الأحكام بالبراءة في حق نشطاء متابعين وهم قيد الإفراج، وبعضهم حكم عليه بالسجن غير النافذ. وفي المجموع، يقترب من وجدت قضيتهم طريقا للحل المئة، وهو عدد يؤكد أن هناك انفراجا نسبيا، في قضية سجناء الحراك أو ما يعرف بمعتقلي الرأي، في انتظار مزيد من المحاكمات هذا الشهر، أبرزها قضية الصحافي والحقوقي حسان بوراس، المتابع بتهمة الإرهاب، على غرار كافة النشطاء المحالين على الجنايات، إذ ثمة تفاؤل بالإفراج عنه وأن تعرف محاكمته نفس المسلك الذي انتهت إليه قضيتا الصحافي محمد مولوج المفرج عنه قبل أسابيع وكذلك الناشط في مساعدة عائلات السجناء الهادي لعسولي.
وعلى الرغم من أن عمليات الإفراج الجارية لم تسبقها أية إعلانات أو تمهيد من قبل السلطة، إلا أن هناك من أحزاب المعارضة من التقط إشارات بوجود رغبة في التهدئة. وقال حزب العمال ذو التوجه اليساري في هذا الصدد، إنه يُعرب عن ارتياحه لرؤية المزيد من سجناء الرأي ينضمون إلى عائلاتهم. وأبرز في بيان له أن ما يجري، «يؤكّد أنّنا أمام مسار سياسي كنا قد دعينا إليه لأنّه بالنسبة لنا لا شيء يعلو على مصالح أغلبية الشعب والوطن». لكن إجراءات التهدئة السياسية هذه، وفق الحزب الذي تقوده لويزة حنون، تتناقض من ناحية أخرى، مع المتابعات القضائية الجديدة ضدّ مواطنين على خلفية آرائهم أو مهنتهم كصحافيين. لذلك، قال الحزب إنه يدعو مجدّداً من أجل التسريع في وتيرة إطلاق سراح السجناء السياسيين ومعتقلي الرأي لكي تشمل كل المواطنات والمواطنين وإعادة الاعتبار لهم، مع المطالبة باحترام ممارسة جميع الحريات الديمقراطية بدءاً باحترام حرية الضمائر والتعبير والتنظيم.
واللافت في عمليات الإفراج وإسقاط المتابعة الجارية، أن معظمها يشترك حول مضمون المادة 87 مكرر المتعلقة بالإرهاب، والتي هي محل جدل واسع وطنيا ودوليا، بعد متابعة عدد كبير من النشطاء السياسيين بها منذ تعديلها سنة 2021 على يد وزير العدل السابق بلقاسم زغماتي. وحول هذه النقطة، يقول رئيس التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية المعارض عثمان معزوز، رغم ابتهاجه بالإفراج عن العديد من السجناء، من المبكر أن تكون أحكام البراءة مقدمة لإلغاء هذه المادة المستحدثة بمرسوم رئاسي والتي كان الهدف منها حسبه «تجريم العمل السياسي» مشيرا إلى أن تبرئة النشطاء لا تقلل في شيء من طبيعة السلطة القائمة.
أما على الصعيد الدولي، فكانت المادة 87 مكرر من قانون العقوبات، مادة دسمة لملاحظات الدول الغربية خلال تقييمها ملف الجزائر الحقوقي خلال الاستعراض الدوري الذي أقيم بمجلس حقوق الإنسان الأممي في جنيف. وأبدت ممثلة الولايات المتحدة، عدم رضاها على هذه المادة التي لا تنسجم حسبها مع التعريف الدولي للإرهاب، ووافقها في ذلك ممثلو باقي الدول الغربية مثل إسبانيا وألمانيا وإيرلندا وغيرها الذين أوصوا بإلغاء هذه المادة.
وفي مواجهة هذه الانتقادات المتزايدة محليا ودوليا، قال وزير العدل رشيد طبي، خلال تدخله في جنيف، إن المادة 87 مكرر من قانون العقوبات، منسجمة مع قرارات مجلس الأمن ولا تتناقض مع لوائح أممية في الجانب المتعلق بالوسائل والأدوات المستخدمة في الأعمال الإرهابية. واعتبر الوزير الذي بدا منزعجا مما وصفها أحادية النظرة الغربية لحقوق الإنسان، أنه «لا يوجد تعريف موحد للإرهاب، ما يترك للدول الحرية لتحديد ما يمكن إدراجه ضمن الفعل الإرهابي».
ووجد وزير العدل الجزائري، في المحاكمات الأخيرة التي أدت للإفراج عن عدد كبير من النشطاء، حججا إضافية لدعم وجهة نظره، حيث قال إن «القضاء الجزائري مستقل ويمكنه يدين أو يبرئ أو يسقط التكييف القانوني المقدم من قبل النيابة وفق شروط المحاكمة العادلة» ما يعني حسبه أن وجود المادة أو المتابعة بها ليس بالضرورة مرادفا للإدانة بالإرهاب، إذ يمكن للمتهم أن يحصل على البراءة، كما حدث في مختلف المحاكم الجنائية التي عالجت هذه القضايا.
ومن وجهة نظر قانونية، يؤكد المحامي عبد الغني بادي المتابع لقضايا سجناء الحراك، أنه «بالفعل حصل عدد من النشطاء على البراءة من تهمة الإرهاب، لكن خلافا لما هو معتقد لم تشمل الجميع، وهناك من أدين بنص هذه المادة من المتهمين الذين حضروا المحاكمات، حيث سجلت أحكام في باتنة شرق البلاد والعاصمة بنص المادة 87 مكرر، أما الغائبون فكلهم تمت إدانتهم بنص هذه المادة».
وقال بادي لـ«القدس العربي» إن المادة 87 مكرر تختص بتعريف الأفعال الإرهابية، لكن المثير للجدل فيها هو الفقرة المستحدثة مؤخرا في حزيران/يونيو 2021 والتي جرمت السعي لتغيير النظام خارج الأطر الدستورية واعتبرته صورة من صور العمل الإرهابي. وأضاف أنه من الضروري عند الحديث عن المادة 87 مكرر تحديد النقطة المختلف حولها، لأنها في فقراتها الأخرى لا تطرح تعقيدات بل تحدد صور العمل الإرهابي.
وحول الأسباب التي دفعت القضاة لتبرئة عدد معتبر من المتابعين بالإرهاب، شرح المحامي أن المشكل في المادة 87 مكرر هو تطبيقها بأثر رجعي، فأغلب من تمت تبرئتهم أسندت لهم وقائع كانت قد حدثت قبل تصنيف حركتي الماك ورشاد على قائمة المنظمات الإرهابية، في حين أن التهمة الأساسية التي توبعوا بها هي الانتماء لهاتين الحركتين، حتى أن هناك من توبع بوقائع ترجع لأكثر من عشر سنوات وهذا غير معقول، حسبه.
ولفت بادي إلى أن «التطبيق السليم للقانون لا يمكن ان يكون بهذا الشكل، فكل المحبوسين نفوا انتسابهم للحركتين المصنفتين على قائمة الإرهاب، ومنهم من كان في السجن أثناء حدوث التصنيف». ويرى المحامي أن هذه الأخطاء الجسيمة التي ارتكبت من ناحية تطبيق القانون، هناك محاولة لترميها عبر أحكام البراءة المنطوق بها، خاصة أن المتابعات من حيث زمان التطبيق خرقت المادة 43 من الدستور التي تنص على أنه «لا يدان أي شخص إلا بمقتضى قانون صادر قبل ارتكاب الفعل المجرم» وكذلك المادة 2 من قانون العقوبات، وأحكام العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية التي تؤكد عدم رجعية القوانين.
ومع انتخاب الجزائر مؤخرا، عضوا في مجلس حقوق الإنسان الأممي، تشير قراءات إلى إمكانية مراجعة السلطات في البلاد، لطريقة تسييرها الملفات الحقوقية التي كانت على مدار السنوات الماضية بعد الحراك الشعبي، محل انتقاد واسع، وعلى رأسها قضية السجناء التي قدرت أوساط حقوقية في السابق عددهم بأكثر من مئتين، وذلك لإزالة الاحتقان السياسي داخليا وتفادي الملاحظات المحرجة في المنابر الحقوقية الدولية، خاصة بعد اعتماد الدستور الجديد الذي جرى تقديمه من قبل السلطة وأحزاب الموالاة، على أنه سيؤسس لمرحلة جديدة في التعامل مع قضايا الحقوق والحريات.