بعد أكثر من أسبوعين على نتائج الانتخابات الإسرائيلية التي أعادت اليمين المفرط في تطرفه إلى سدة الحكم بقيادة عرابه وقائده بنيامين نتنياهو لا حاجة للبحث عن ملامح الحكومة المقبلة التي كلف الرئيس الإسرائيلي نتنياهو بتشكيلها. وقد حذر الرئيس نفسه من أن العالم يراقب تشكيل الحكومة التي جلبت إليها متطرفين شوهدوا في معقل التطرف، مستوطنة كريات أربع، الخليل وهم يحتفلون بوصول دعاة التطهير العرقي للفلسطينيين.
فالحكومة المقبلة قادمة للانتقام وباسم أوهام هذا اليمين. ولهذا لم يكن مفاجئا كما قال المؤرخ إيلان بابيه أن نرى الكنيست يديرها دينيون يهود متطرفون وصهاينة وساسة متشددون دعوا في السابق للتطهير العرقي وإطلاق النار لقتل الفلسطينيين. وسيحاول وزراء الحكومة الجديدة الضغط على نتنياهو للحصول على وزارات الأمن والجيش لمعاقبة الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية وتنفيذ مشاريع الاستيطان وشرعنة الهجمات على المسجد الأقصى بل وحتى الصلاة علانية فيه.
تحالف قديم – جديد
ويعتقد بابيه في مقال نشره موقع «ميدل إيست آي»(16/11/2022) أن هذا اليمين الفوق متطرف يقود إسرائيل نحو الهاوية، ولن يتردد نتنياهو بتلبية مطالبه وخاصة أنه بحاجة إليه في الكنيست لتحييد القضاء والمحكمة العليا وإلغاء اتهامات الفساد التي تلاحقه منذ سنين وأنهت حكمه الطويل ليعود بعد عام على ظهر المتطرفين. ويقول بابيه إن أحد المتطرفين قد يصيح وزيرا للأمن العام، وآخرون سيحصلون على وزارات مهمة في الحكومة، وعلينا ألا نفاجأ، فإسرائيل تتحرك نحو معسكر التطرف منذ عقدين، وفاز الائتلاف الحالي في انتخابات سابقة، والمسألة هنا ليست في الصدمة بقدر ما تتعلق بوضع إسرائيل وكم ستكون مختلفة بعد هذه الانتخابات؟ فبأغلبية في الكنيست وسيطرة على الجهاز التنفيذي فستحاول هذه النخبة القديمة- الجديدة في إسرائيل مواصلة ما فعلته الحكومات الإسرائيلية السابقة على مدى 74 عاما ولكن بحماسة منقطعة النظير دونما اعتبار للشجب الدولي. ومن المحتمل أن تقوم بتوسيع عمليات تهويد المناطق الفلسطينية المحتلة في الضفة الغربية والقدس الشرقية وزيادة الضغط على الفلسطينيين الذين واجهوا عاما استثنائيا من العنف والمداهمات والقتل. فمنذ بداية العام الحالي قتلت القوات الإسرائيلية أكثر من 130 فلسطينيا بمن فيهم 30 طفلا في أنحاء مختلفة من الضفة الغربية. وأكد بابيه أن الحكومة الجديدة ستزيد بالتأكيد من الاقتحامات الاستفزازية التي يقودها الساسة اليهود المتطرفون للحرم الشريف، وعلينا توقع عمليات هدم البيوت واعتقالات بدون محاكمة ويد حرة للمستوطنين كي يعيثوا الدمار في المناطق المحتلة.
وليس من الواضح كيف ستتعامل النخبة المتطرفة الجديدة مع قطاع غزة والتي تطبق عليه سياسة حصار وإغلاق وقصف متقطع وحروب صغيرة منذ عام 2008. وبنفس السياق فمن الصعب التكهن بسياسات الحكومة الجديدة من الفلسطينيين في داخل إسرائيل، فمنذ قانون الدولة القومية عام 2018 أكدت إسرائيل مكانتها كدولة تمييز عنصري. ويمكن للواحد توقع نفس الشيء كما هو الحال في الضفة الغربية. وربما واصلت الحكومة عدم اهتمامها بانتشار معدلات الجريمة داخل مناطق الفلسطينيين ووضع قيود على عمليات توسيع الإسكان فيها. وسيواصل التحالف المتطرف الجديد جهوده في منع وقمع أي محاولات للتعبير عن الهوية الوطنية الجمعية للأقلية الفلسطينيية مثل رفع الأعلام في حرم الجامعات والاحتفال بذكرى النكبة أو التعبير عن التراث الغني لمجتمعهم. وبالمختصر فسيتختفي أي مظهر لتمثيلية الديمقراطية في ظل هذه الحكومة.
إلى الهاوية
ويعلق بابيه أنه وبالرغم من التحول الدولي بالنظر إلى إسرائيل والذي تمظهر بتصويرها من قبل عدة منظمات حقوقية دولية مثل أمنستي انترناشونال وهيومان رايتس ووتش كدولة تمييز عنصري /أبارتهايد، بل وعدم تردد محكمة الجنايات الدولية في مناقشة التخلص من بقايا الاستعمار في الضفة الغربية إلا أن هناك ترددا عاما بالاعتراف بوجود ولو بشكل محتمل بعنصرية يهودية بنفس الطريقة التي لا يتردد البعض فيها بالحديث عن عنصرية مسيحية، مسلمة أو بوذية وغير ذلك. وكان قرار الأمم المتحدة 3397 في عام 1975 والذي تم إلغاؤه لاحقا وساوى ما بين الصهيونية والعنصرية، غير منفصم عن واقع وتعقيدات إسرائيل وفلسطين. ويقول بابيه إن الدول العربية والأفريقية التي دفعت باتجاه القرار أظهرت بصيرة في تحديد العنصرية كأهم خطر تحمله الصهيونية كدولة وأيديولوجية، ليس ضد الفلسطينيين ولكن المنطقة كلها.
ويعتقد الكاتب أن غياب الصهيونية اليسارية عن الانتخابات الأخيرة مفهوم لو نظر الواحد لعمق العنصرية وتوسعها في المجتمع الإسرائيلي، وخاصة بين الشباب. وكإبن يهودي ألماني فر من العنصرية في ثلاثينات القرن الماضي ويدرسها عندما كبر «أشعر بالقلق من هذه الصورة لمجتمع بات مفتونا بالعنصرية وينقلها للجيل المقبل».
والسؤال إن كانت المجتمعات اليهودية وخاصة في الغرب ستعترف بواقع هذه العنصرية أم ستتجاهلها؟ وهل ستعترف الحكومات الغربية وخاصة الإدارة الأمريكية بهذه الموجة أم لا تلتفت إليها؟ وهل ستنظر الدول العربية التي بدأت عمليات تطبيع مع إسرائيل للظاهرة على أنها غير مهمة لأنها لا تقوض مصالح أنظمتها الأساسية؟
ومن رؤية الناشط فليس من المهم الحصول على أجوبة، لكن العمل قدر المستطاع على التوصل لأجوبة عنها يوما ما بطريقة تنقذ الفلسطينيين واليهود من المصير الكارثي ووقف إسرائيل من المضي نحو الهاوية التي باتت حافتها ظاهرة مع هذه الانتخابات أكثر من أي وقت مضى.
بايدن المتراجع
والسؤال الآخر هل تستطيع إدارة جو بايدن الوقوف أمام الموجة هذه، في وقت تراجعت فيه عن معظم تعهداتها في مجال حقوق الإنسان، وكان القرار الأخير الذي غلفته بالقانوني ومنح الحصانة لولي العهد السعودي من المحاكمة في قضايا تتعلق بحقوق الإنسان صورة عن اعتراف الإدارة بالواقعية السياسية القائمة على المصلحة وكشف عن أن حقوق الإنسان هي مجرد قناع أو غطاء لا أهمية له. وأشار المعلق في صحيفة «واشنطن بوست»(17/11/2022) ديفيد إغناطيوس أن الخارجية سألت قبل ان تمنح جوابها للقاضي جون بيتس حول حصانة محمد بن سلمان أم لا، بل وأخبره مسؤول في الخارجية أن الوزارة ناقشت ما إذا كانت قضية الحصانة مسألة سياسية وتنطوي على قضايا حقوق الإنسان المهمة وليس مجرد مسألة قانونية. ولا نبعد قليلا، ففي الوقت الذي فتح فيه مكتب التحقيقات الفدرالية وإن متأخرا تحقيقا بمقتل الصحافية الفلسطينية الأمريكية شيرين أبو عاقلة، سارعت الخارجية والبيت الأبيض للتأكيد انها غير مرتبطة بالتحقيق الذي أعلنت وزارة العدل بعد انتخابات التجديد النصفي، كما كشف موقع «أكسيوس»(16/11/2022). ومن هنا فرغم تعبير الإدارة عن قلقها من وصول المتطرفين وخاصة إيتمار بن غفير إلى السلطة بمعية نتنياهو وحذرت من توليه مناصب، إلا أن تحالفات وتعهدات رئيس الوزراء المكلف تجعله رهنا لليمين المدين له بالعودة وقد لا يهتم ما تقوله واشنطن.
يهود أمريكا
ورغم تعبير المنظمات اليهودية في أمريكا والتي تدافع عن إسرائيل أمام الساسة والرأي العام الأمريكي عن قلقها من نتائج الانتخابات إلا أنها عبرت عن رغبة بمواصلة التعاون والدعم للدولة اليهودية. وفي تقرير نشره موقع «ميدل إيست آي» (17/11/2022) أورد فيه أن الجماعات اليهودية التقدمية باتت تتحدث ناقدة ممارسات التمييز العنصري الإسرائيلية، إلا أن المؤسسات اليهودية الكبرى لن تغير من مواقفها حتى بعد صول اليمين فوق المتطرف إلى السلطة. وجاء في التقرير أن الجماعات الليبرالية اليهودية متفائلة من أن تؤدي ممارسات الحكومة المقبلة بوجوهها المتطرفة لفتح أعين المجتمع اليهودي الأمريكي على معاملة الفلسطينيين. واعترف الناشطون اليهود الأمريكيون من أن دعم المنظمات اليهودية الأمريكية لن يتغير لكن تشكيل الحكومة قد يدفع اليهود التقدميين لإعادة التفكير بمسألة تمثيل إسرائيل للمجتمعات اليهودية في الخارج. وربما دفعت الحكومة المقبلة المجتمع اليهودي للتساؤل حول رغبة إسرائيل بإنهاء احتلال المناطق الفلسطينية. ووصف مايكل كوبلو، مدير منبر السياسة الإسرائيلية في مقال رأي أن تحالف نتنياهو واليمين المتطرف هو بمثابة «عاصفة عظيمة» ستضرب قريبا اليهود الأمريكيين. وحتى الآن لم تصدر المنظمات اليهودية القيادية بيانات ناقدة بشكل واضح لنتائج الانتخابات. وفي بيان للجنة اليهودية الأمريكية وهي جماعة مناصرة لإسرائيل قالت فيه إن عناصر في التحالف الحاكم تثير تساؤلات جديدة، إلا أنها ملتزمة بمواصلة تقوية أمن إسرائيل ومكانها في العالم والرابطة القوية بين إسرائيل ويهود العالم. ولم يكن لدى الفدرالية اليهودية لشمال أمريكا أي قلق من نتائج الانتخابات حيث قالت في بيان لها «نتطلع للعمل مع الحكومة الإسرائيلية التي اختارها الشعب الإسرائيلي، كما فعلنا دائما». وقالت ماري كوهين، المحررة المساعدة لجويش كرانتس (تيارات يهودية) «كان هناك تعبير عن عدم الرضا من عدة جماعات، وحتى الآن لم تظهر أي تعهدات بتغيير السياسة أو التحرك من المنظمات اليهودية الأمريكية». وأضافت «هناك بالتأكيد قلق، ولا أعتقد أن هذه الجماعات تريد بالضرورة تغير علاقاتها العامة أو نهجها نحو إسرائيل وبالكامل». ومواقف المنظمات اليهودية الملتزمة بدعم إسرائيل لا يعكس بالضرورة مواقف الناخب اليهودي الذي تغير موقفه بعد قصف غزة في أيار/مايو، ففي استطلاع أجراه معهد الناخب اليهودي قالت نسبة 25 في المئة أن إسرائيل هي دولة تمييز عنصري. وقالت نسبة 38 في المئة إن معاملة إسرائيل للفلسطينيين تشبه بشكل عام العنصرية في أمريكا. وتفتح الفاشية والعنصرية العيون للجماعات اليمينية المتطرفة التي تلعب دورا في السياسة الأمريكية حاليا، وبرزت في انتخابات التجديد النصفي. وينقسم المجتمع اليهودي بين أتباع لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية «إيباك» المؤثرة والتي تعتبر اللوبي المدافع عن إسرائيل والحركة الليبرالية «جي ستريت» وكان الانقسام واضحا في الموقف من انتخابات التجديد النصفي، حيث انتقدت جي ستريت إيباك على دعمها لمرشحين صادق عليهم الرئيس السابق دونالد ترامب ومعظمهم من داعمي أسطورة «سرقة الانتخابات» من ترامب في عام 2020. وفي استطلاع أجرته وجدت ان نسبة 72 في المئة من الناخبين اليهود لم يوافقوا على قرار إيباك دعم هؤلاء المرشحين. وأرسلت جي ستريت رسالة لأنصارها قالت فيها «يستخدم ترامب التعبيرات المعادية للسامية لاتهامنا بعدم الولاء لإسرائيل، ولكننا نعرف أن دعم إسرائيل آمنة وبمستقبل ديمقراطي لا يعني دعم نتنياهو وحركة الاستيطان». وقالت كوهين من «تيارات يهودية» «هناك فجوة تتوسع في السياسة اليهودية الأمريكية من إسرائيل، وهي فجوة جيلية، فالجيل الشاب ميال من الناحية الإحصائية لفك الارتباط، وأعتقد أن (الانتخابات الإسرائيلية) ستسهم في زيادة المد».
وحتى لو استمر دعم الجماعات الكبرى اليهودية لإسرائيل إلا أن فوز المتطرفين ومشاركتهم في الحكومة تجعل من دعم الليبراليين اليهود أمرا صعبا كما تقول فيليس بينس من مشروع العالمية الجديد في معهد أبحاث السياسة. وفي اتجاه آخر، تحاول عدة مجموعات يهودية الاستفادة من نتائج الانتخابات وتوعية اليهود الأمريكيين بواقع الاحتلال الإسرائيلي للفلسطينيين. فقبل 10 أعوام كان هناك إجماع داخل المجتمع اليهودي الأمريكي حول دعم إسرائيل مهما فعلت، لكنه وبسبب أفعالها ونشاط التقدميين اليهود فهناك حالة استقطاب بين اليهود الأمريكيين، حسبما قال إسرائيلي يعيش في بروكلين، ووصف الانتخابات ونتائجها بأنها تعبير عن الفاشية والعنصرية المتجذرة في إسرائيل. ونظمت منظمة يهودية تقدمية «إف نت ناو» (إن لم يكن الآن) تظاهرة أمام مؤتمر للصندوق القومي اليهودي وحثت المشاركين على قطع العلاقات مع الحكومة الجديدة والصندوق الذي لعب دورا في التطهير العرقي للفلسطينيين. وسيواجه اليهود الأمريكيين وخاصة التقدميين مسألة الإستيطان في ظل تعهد نتنياهو بعد لقائه مع بن غفير للاعتراف بالكتل الاستيطانية في الضفة الغربية.
تحدي نتنياهو
بعيدا عن تغير المواقف الأمريكية يهودية كانت أم مواقف الإدارة الأمريكية، إلا أن طبيعة التحديات التي ستواجه نتنياهو هذه المرة مختلفة، فبعد عام من غيابه عن الحكم تغير الكثير، وعام في السياسة يعتبر طويلا جدا، ففي الماضي ركز نتنياهو على العلاقات مع الدول العربية وحاول تهميش الفلسطينيين وحرف الانتباه إلى إيران التي برر محاولات التطبيع مع دول الخليج بناء عليها. ورسم عقيدته بناء على قاعدة «القوي يحترم» وقوى تحالفه هذا مع الدول القوية، كما يقول سيث فرانتزمان بموقع «ذي هيل» (16/11/2022)، ولهذا لم يكن الفلسطينيين في وارد اهتماماته طوال فترة حكمه الطويل، حيث عمل على قتل أي فرصة لحل الدولتين وعمل على توسيع المستوطنات.
ولكن الفلسطينيين يعتبرون اليوم التحدي الأكبر نظرا لعمل ممثلي المستوطنين في حكومته. وسيواجه اليوم الضفة الغربية المتفجرة منذ بداية العام وظهور جيل من الناشطين الفلسطينيين الذين فقدوا الثقة بالسلطة الوطنية وبالتسوية مع إسرائيل، كما كشفت نشاطات «عرين الأسود» في مدينة نابلس والمقاومة في جنين.
أما التحدي الثاني، فهو إيران حيث لا تزال الجماعات الموالية لها في سوريا واليمن ولبنان والعراق تمثل تهديدا، وحقيقة دعم طهران لروسيا بمسيرات يعني انها قادرة على وضع تهديدات جديدة على إسرائيل، رغم ما لدى هذه من قوة دفاعية متفوقة.
أما الثالث، فهي اتفاقيات إبراهام، حيث استفادت منها حكومة يائير لابيد ونفتالي بينيت ووسعت علاقات إسرائيل مع دول مثل المغرب وتركيا، وأدارت لقاءات مهمة مع الإمارات ودول الخليج. وشاركت إسرائيل في لقاءات أمنية مهمة بالمنطقة ومعارض ووقعت اتفاقيات دفاعية مع المغرب والإمارات. ويجب على نتنياهو إدارة العلاقات العامة والتي شملت أيضا حوارات مع الأوروبيين ومنع اليمين المتطرف المشارك في حكومته من إحباطها وتخريبها.
وأخيرا عليه إدارة علاقاته مع أوكرانيا وروسيا والسعودية. وتتعرض إسرائيل لضغوط متزايدة لتزويد أسلحة لأوكرانيا، ومن المتوقع مقاومة نتنياهو الضغوط، لكن عليه توضيح موقفه. وفي السنوات الماضية استفاد نتنياهو من علاقته مع روسيا لشن هجمات لم تتوقف ضد سوريا التي تحتفظ روسيا بقوات فيها، وعليه والحالة إدارة العلاقة معها. وتظل السعودية التي تزايدت العلاقات معها بدون تطبيع، وفي الأسابيع المقبلة عليه العمل بحذر على هذا الملف وغيره.