السلطة الفلسطينية أمام الحكومة الإسرائيلية الجديدة نداءات استغاثة أم خيارات إجبارية؟

سعيد أبو معلا
حجم الخط
0

رام الله ـ «القدس العربي»: أثار سؤال الإعلامية الفلسطينية خلود عساف حول: ما المطلوب من الفلسطينيين فعله؟ بعد تعرضها قبل يومين وعائلتها لمحاولة اغتيال من مجموعة من المستوطنين الإرهابيين تحت أعين وحراسة جنود جيش الاحتلال.
وسألت بحرقة: «ما المطلوب منا ومن أي فرد من أبناء الشعب الفلسطيني الذي يتعرض لأشكال من الممارسات الإرهابية؟» وشددت أنه «لا يمكن لشعبنا الخنوع والتسليم لهؤلاء المارقين وعندما نرد ونحاول الثأر لكرامتنا نتهم بأننا نحن الإرهابيين من قبل مجتمع دولي منافق».
يكتسب سؤال الإعلامية عساف اعتبارات كثيرة من ضمنها أنه سؤال برسم الإجابة، فرديا وجماعيا، فصائليا ورسميا أيضا، من دون أن تكون هناك إجابات فلسطينية حقيقية عليه. كما تتضاعف الحاجة إليه أمام ما يرشح من مشهد تشكل حكومة إسرائيلية يمينية فاشية جديدة.
أما تصريحات الرئيس الفلسطيني لقناة «القاهرة الإخبارية» قبل أيام فقد عكست جانبا من المأزق الفلسطيني، حيث صرح عباس إنه ليس لديه خيار آخر غير التعامل مع نتنياهو، إنه «يمثل إسرائيل المحتلة لأراضي فلسطين، وأنا مُجبر على التعامل معه، وفي الوقت ذاته متمسك بموقفي تجاه بلادي».
وأكد عباس أن رئيس الوزراء الإسرائيلي المكلف بنيامين نتنياهو «لا يؤمن بالسلام» وذلك بعد أن تعامل معه لأكثر من مرة خلال فترات ولايته.
أما آخر ما رشح من اجتماعات تشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة هو اتفاق حزب «الليكود» وحزب «عوتسما يهوديت» على شرعنة 65 بؤرة استيطانية عشوائية في الضفة الغربية المحتلة، وتوصيلها بالمياه والكهرباء والبنية التحتية الخليوية وتعزيزها بـ«تدابير أمنية».
ولا تعني هذه المؤشرات إلا سؤال ضخم حول ما المطلوب فعله في ظل وجود أقل من مليون مستوطن بقليل في قلب الضفة الغربية والقدس المحتلة ينتشرون في 132 مستوطنة و147 بؤرة استيطانية عشوائية في الضفة الغربية المحتلة تهدف إلى إحكام الطوق على التجمعات الفلسطينية والاستيلاء على أكبر مساحة ممكنة من الأراضي؟
وكانت وزارة الخارجية الفلسطينية، بحكم العادة، قد طالبت المجتمع الدولي والإدارة الأمريكية، باتخاذ ما يلزم من الضغوط والإجراءات الكفيلة بضمان عدم تنفيذ الاتفاق السابق المبرم بين نتنياهو وبن غفير، على اعتبار أن الاتفاق يعمق الاستيطان ويؤدي إلى الاستيلاء على المزيد من الأرض الفلسطينية ويشرعن البؤر العشوائية خاصة في شمال الضفة الغربية، كما أن بنود هذا الاتفاق تضرب من جديد مرتكزات أية عملية سياسية تفاوضية مستقبلية، وتستكمل التخريب الإسرائيلي المتعمد لفرصة تحقيق السلام على أساس مبدأ حل الدولتين، وتقوض أية جهود دولية وإقليمية مبذولة لبناء الثقة بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي.
كما أشارت إلى أن الاتفاق المعلن يضفي المزيد من المصداقية على التوجه الفلسطيني لمحكمة العدل الدولية وللجنائية الدولية، كما أنه يختبر مصداقية المواقف الدولية والأمريكية الرافضة للاستيطان والداعية لتطبيق حل الدولتين.
وحسب المحلل السياسي هاني المصري فإن الخلاف بين المحللين والخبراء ليس على تقييم الحكومة المقبلة التي تعتبر الأسوأ في تاريخ إسرائيل، بل إلى أي حد ستكون متطرفة؟ وهل سيسمح لها الفلسطينيون والعرب والعالم، والولايات المتحدة تحديدًا، بتنفيذ برنامجها؟
ويشدد المصري أنه لا يمكن اعتبار المطالبة بالعضوية الكاملة لدولة فلسطين في الأمم المتحدة، والملاحقة السياسية والقانونية لإسرائيل في الأمم المتحدة ووكالاتها ومؤسساتها، بما في ذلك محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية، هو البديل الفلسطيني.
ويرى المصري كما المحلل السياسي والباحث نهاد أبو غوش أنه لا بد أن تقوم الاستراتيجية الفلسطينية من الانطلاق بأن التطرف الفاشي الإسرائيلي يوفر فرصة لإعادة الاعتبار للمشروع الوطني الفلسطيني الجامع، الذي يوحد الأرض والقضية.
ويرى أبو غوش أن السلطة أمامها فرصة تاريخية فيما لو رتبت أوراقها جيدا، حيث بإمكانها التعامل مع التغيير الحاصل في إسرائيل في سبيل عزلها وتعزيز مقاطعتها وملاحقة مجرميها.
ويضيف: الحكومة الإسرائيلية تمنح الفلسطينيين كل يوم الكثير من الأدوات وأشكال الإدانة والكشف المطلوبة، «فبيد السلطة إمكانية عزل الاحتلال، وفي المقابل تعزيز التضامن مع الشعب الفلسطيني عالميا».
وعن الخيارات الأخرى أمام السلطة الفلسطينية فيؤكد أبو غوش أنها «خيارات إجبارية» وليس فيها ترف المفاضلة، في ظل سقوط الرهانات السابقة على التغيير الممكن في إسرائيل.
ويشدد أنه لم يعد هناك من خيارات أخرى إلا الالتفات للوضع الفلسطيني الداخلي، ومعالجة نقاط الضعف التي يمكن الاحتلال الإسرائيلي خلالها التمادي والاستمرار بسياساته، وكذلك العمل على نقاط القوة التي أهملت في المرحلة الماضية.
ويضيف أبو غوش أن السلطة اليوم مطالبة بالعمل على تفعيل كل نقاط القوة لدى الفلسطينيين من مقاومة شعبية ومقاطعة وكذلك السير بالمسار الدولي الأممي..الخ. «وهي أدوات حين تهمل تتحول إلى نتيجة عكسية على الشعب الفلسطيني لكونها تصبح مادة للخلاف الداخلي».
ويتوقع أن تمر الأراضي الفلسطينية بمرحلة عصيبة وهجمات شديدة، «من دون أن تكون الأصعب» لكنه يضيف: «قد يبرز خيار التهجير القسري بفعل سياسات غلاة المستوطنين، لكن لكونه فعلا يتجاوز الأراضي الفلسطينية ويترك أثرا على الإقليم واستقراره ويرتبط بمصالح دول أخرى مثل الأردن فإنه لن يكون خيارا سهلا».
وحول موقف السلطة يرى أبو غوش إن الرئيس محمود عباس يتعامل مع الأدوات على أنها أوراق ضغط وللتهديد، «إنها أدوات ظهرت في خطابة الأخير في الأمم المتحدة وهي كلها بلغة التسويف، وما نحن بحاجة إليه هو قرارات بصيغة التنفيذ، وليس بصيغة التلويح، فالمطلوب تحويل القرارات إلى صيغة مادية مطبقة على أرض الواقع… طالما هي خيارات نظرية فإنها لا تعني شيئا… لا أحد يلتفت لما يدور في ذهنك إنما كل النظر على الواقع والميدان».
وحسب أبو غوش فإن ما يعيق الخيارات التي تقوم على الكفاح والمواجهة النضالية الشعبية والوحدة الوطنية هو المصالح الشخصية.
ويؤكد أبو غوش أن ملف المصالحة لن يتحقق من تلقاء نفسه، «لن تأتي اللحظة التي يشعر بها طرفا الانقسام بالندم، وبالتالي قد آن أوان التغيير» بل يتطلب الأمر مزيدا من الضغط المستمر من كل المؤسسات والهيئات والقواعد الشعبية والشخصيات المستقلة والوطنية والاتحادات..ألخ من أجل استعادة الوحدة الوطنية التي تعتبر مسألة نضالية وطنيا، وتحتاج لتنازلات من طرفي الانقسام، والعمل الجاد على خلق قواسم مشتركة وتفاهمات داخلية.
وحول إمكانية رؤية بوادر تغيير في الساحة الفلسطينية قال أبو غوش أنه حتى اللحظة لم يلحظ تغيرا في موقف السلطة، هناك استمرار لحالة الرهان على الضغط الأمريكي، وهو ما تم التعبير عنه بالاحتفاء بالحديث عن تحفظات أمريكية على قيادات يمينية متطرفة، كما أن هناك رهانا على بعض أطراف المجتمع الإسرائيلي، إلى جانب استمرار الرهان على المجتمع الدولي من خلال استمرار نداءات الاستغاثة ومطالبات التدخل.
ويضيف: «بدل أن يكون الرهان على الساحة والجبهة الداخلية على اعتبار أن العامل الذاتي هو ما يمكن أن يؤثر على المعادلة أكثر. في ظل أن أمريكا ستجد الكثير من الأسباب للامتناع عن الضغط على حكومة الاحتلال المقبلة».
ويختم أنه حتى لو كان هناك ضغط أمريكي فإنه ومن دون أداء فلسطيني داخلي قوي ومؤثر ومن دون جهد للبناء على الموقف الرسمي العربي فلن يكون ذلك مفيدا وعمليا.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية