الدوحة ـ»القدس العربي»: أول بطولة كأس عالم في كرة القدم تنطلق رسمياً في دولة عربية لأول مرة في التاريخ، لتسجل لحظة فارقة في تاريخ الساحرة المستديرة. مع إطلاق صافرة بداية العرس الكروي الذي تتطلع له جماهير منتشرة في أرجاء المعمورة، تكون قطر حققت الرهان الأساسي وسجلت اسمها في دفاتر عالم الرياضة، وأصبحت مركزاً رياضياً وسياسياً واقتصادياً في الشرق الأوسط.
وظلت لسنوات أنظار العالم متجهة صوب العاصمة القطرية التي توجت مسار تحضير شاق، مع انطلاق صافرة بداية بطولة كأس العالم لكرة القدم، مع توقعات أن تكون أفضل نسخة مونديال تنظم عبر التاريخ.
قطر التي واجهت حملة شرسة و«مغرضة» من جهات أرادت النيل من الدولة العربية التي تنظم الحدث، رحبت بعشاق الساحرة المستديرة جميعاً، متيحة الفرصة أمام المشجعين من كافة أنحاء العالم للتعرف على قطر والمنطقة والثقافة العربية الأصيلة. وتمثل هذه البطولة نقطة تحول في تاريخ قطر والمنطقة، حيث يتوقع أن ترفع الدولة الخليجية التي أنجزت قفزة نوعية في عدد من المجالات، التحدي، بوضعها معايير جديدة على صعيد تنظيم الأحداث الرياضية الكبرى، في المستقبل.
وتشهد الجماهير القادمة من أنحاء العالم أجواء مختلفة واستثنائية في قطر، وتلمس شغفاً كبيراً بكرة القدم وبالبطولة المرتقبة. وتعتبر نسخة مونديال قطر، الأكثر تقارباً في المسافات في تاريخ كأس العالم، وأصبح بإمكان عشاق الكرة حضور عدد أكبر من المباريات، إضافة إلى الاستمتاع بالكثير من الأنشطة خارج استادات البطولة، بفضل العديد من معالم الجذب السياحية والخيارات الترفيهية المتنوعة. ومن لحظة البداية تتطلع قطر لنهائي المونديال في استاد لوسيل يوم 18 كانون الأول/ديسمبر المقبل، تزامناً مع اليوم الوطني للدولة، ليكون تتويجاً لجهود اثني عشر عاماً من العمل المتواصل استعداداً للحدث العالمي، بداية من لحظة تقديم ملف قطر لاستضافة البطولة.
وتضع الدولة المستضيفة نصب عينها نقل رسالة خاصة للشباب في قطر والعالم العربي، أن المستحيل لا يجب أن يكون قدراً مرسوماً على شعوب المنطقة، وأن الأمل قائم لتحقيق الأفضل.
بدأ الحلم القطري يتلمس طريقه للتحقق في آذار/مارس 2009 حين قدم رئيس لجنة الملف القطري للاستضافة الشيخ محمد بن حمد آل ثاني الطلب إلى رئيس الاتحاد الدولي «فيفا» آنذاك السويسري جوزيف بلاتر في زيوريخ.
بجانب قطر، تقدمت دول عريقة للمنافسة على الاستضافة، منها من قدّم طلباً مشتركاً للاستضافة مثل إسبانيا والبرتغال وبلجيكا وهولندا، ومنها من قدم ملفاً منفرداً مثل بريطانيا وروسيا عن القارة الأوروبية، فضلاً عن الولايات المتحدة والمكسيك عن أمريكا الشمالية والوسطى، إلى جانب أستراليا واليابان وإندونيسيا وكوريا الجنوبية والصين عن القارة الآسيوية.
إعلان فوز قطر
في كانون الأول/ديسمبر 2010 كان العالم على موعد مع حفل إعلان نتيجة التصويت لمعرفة الدولة التي ستنظم بطولة كأس العالم لكرة القدم 2022 وتمت عملية التصويت والإعلان في مقر الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» في العاصمة السويسرية زيورخ.
وتميز الملف القطري بالتنوع في مجالات عدة، بينها وعد بالتبرع بـ 170 ألف مقعد في مختلف الملاعب التي تستضيف المباريات بعد انتهاء البطولة ومنحها إلى البلدان النامية.
وفي ظل منافسة كبيرة بين الملف القطري والملف الأمريكي، تم الإعلان عن نتيجة التصويت التي أشارت إلى فوز دولة قطر بحق تنظيم بطولة كأس العالم.
ومن لحظتها عاشت مختلف المدن القطرية أياماً من الفرح بعد إعلان الفوز بحق التنظيم، لتبدأ بعدها رحلة تحويل الحلم إلى واقع.
مونديال الامتيازات
ويتميز مونديال العرب بعدد من النقاط التي تجعل منه نسخة فريدة صعب تكرارها مستقبلاً، مع رفع الدولة المضيفة لسقف التطلعات.
بطولة كأس العالم قطر 2022 أول مونديال يقام في بلد عربي وشرق أوسطي، وتعتبر هذه الميزة حدثاً لسكان منطقة واسعة، تتطلع لأي بارقة أمل تعيد إحياء أمجادها وتوحدها على أمل بغد أفضل، والتأكيد على امكانيات خامدة يمكنها أن تصنع المستحيل لو وجهت نحو طريقها.
ومونديال قطر، أول كأس عالم تقام في الشتاء خلال عُمر البطولة الذي يناهز 92 عاماً.
وجاء القرار بالرغم من أن قطر تعهدت بتجاوز عائق ارتفاع درجات الحرارة بحلول مستدامة مبتكرة، وملاعب مبردة، ومسارات خاصة للمشجعين تكون بدرجات حرارة مناسبة.
وسيكون مونديال قطر، آخر بطولة يشارك فيها 32 منتخباً حيث يرتفع العدد إلى 48 في البطولة المقبلة 2026 التي تنظمها كندا والولايات المتحدة والمكسيك.
ويتميز المونديال الذي ينظم في دولة عربية، الأكثر تقارباً، والمسافات مختصرة بين الملاعب.
وبإمكان المشجع حضور أكبر عدد من المباريات في يوم واحد، حيث تقع الاستادات ضمن نطاق واحد ولن تحتاج المنتخبات المشاركة أو الجماهير للسفر وقطع مسافات طويلة في التنقل حيث تقع الاستادات المونديالية الثمانية على بعد ساعة واحدة بالسيارة من وسط مدينة الدوحة.
كما ابتكر المنظمون ملاعب مستدامة، وستكون أول بطولة خالية من الكربون بملاعب مكيفة قابلة للتفكيك، تقع في مدن صحية، حيث أن قطر أول دولة في العالم تستضيف المونديال وجميع مدنها صحية، وحصلت جميع بلديات قطر على لقب المدينة الصحية من منظمة الصحة العالمية في تشرين الأول/أكتوبر الماضي.
وتقنياً ستكون نسخة بطولة كأس العالم الحالية، أول مرة تجرب فيها تقنية التسلل شبه الآلي وتستخدم التكنولوجيا الجديدة لكشف التسلل 12 كاميرا تُثبّت أسفل سقف الاستاد بهدف تتبع حركة الكرة، وما يصل إلى 29 نقطة بيانات تعمل بسرعة 50 مرة في الثانية مخصصة لكل لاعب في أرضية الميدان. وزيادة عدد تبديلات اللاعبين إلى 5 حيث يستطيع كل مدرب إجراء هذه التغييرات على 3 مرات.
تسييس الرياضة
إلى جانب ما أبهرت به قطر العالم من مستوى تنظيم عالمي، إلا أنها بالمقابل كانت أكثر دولة تعرضت لحملات وهجوم واسع من جهات ومؤسسات مختلفة، وهي أول دولة عربية تستضيف هذا الحدث.
وواجهت قطر حملة معارضة غير رسمية من عدد من الجهات الأوروبية، دعت إلى مقاطعة الحدث الأكبر في عالم الرياضة.
المسؤولون القطريون اعتبروا ما تتعرض له الدولة العربية التي تنظم الحدث، يندرج في سياق الترويج للصورة النمطية المغروسة في العالم الغربي حول العرب غير المتحضرين، الذين يملكون إيجابية واحدة هي المال فقط. ويؤكد الجميع أنه لم يكن صعبًا الوصول لمرحلة يُدرك فيها المجتمع الغربي أن قطر فازت في منافسة شريفة خاضتها ندًا لند وليس هبة، في ظل استنكار واستهجان واسع لفكرة فوز دولة عربية على دول كبرى؛ مثل الولايات المتحدة الأمريكية، وكذلك على قارة أستراليا.
وفي سياق التحديات التي واجهت ملف الاستضافة العربية عن قضايا الموضوع الفني، ومن بينها الإشارة إلى حجم قطر كدولة، كونه سلبية في ظاهره، إلا أن المسؤولين يتحدثون عن قوة الملف في عرضه، بتقليله من حالة الإجهاد والوقت الضائع لدى الفرق المشاركة بسبب تقليص المدة الزمنية في التنقّل، كما أن الموقع الجغرافي للدولة فيما يتعلق بإمكانية المشاهدة للمباريات ساعد في منح أكبر عدد من سكان العالم فرصة المتابعة الحية في أوقات مناسبة.
وأكد الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر، أن بلاده تتعرض لحملة تشويه غير مسبوقة منذ إعلان تنظيمها كأس العالم، مشدداً أن قطر لن تتراجع عن دورها الإيجابي، ورحب بالجميع خلال بطولة كأس العالم التي تنظم لأول مرة في دولة عربية وفي الشرق الأوسط.
وقال وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني إن الأسباب المقدمة لمقاطعة مونديال قطر 2022 ليست صائبة. وأضاف رئيس الدبلوماسية القطرية بالقول، إن هناك الكثير من النفاق في هذه الهجمات على قطر، ويتم الترويج لها من قبل عدد قليل جدا من الناس في عشرة بلدان على الأكثر، والتي لا تمثل على الإطلاق بقية الكوكب.
وأكد الدكتور علي بن صميخ المري وزير العمل القطري، أن «الافتراءات والادعاءات والحملة السلبية ضد قطر بدأت تأخذ منحى آخر في تبني خطاب كراهية وعنصرية بهدف الإساءة للشعب القطري ومنتخبه الوطني».
أبلغ رد قطري
وتشير الدوحة إن الإنجازات التي تحققت على طريق الإعداد لاستضافة كأس العالم 2022 لكرة القدم في قطر، هي أبلغ رد على ما واجهته فرق العمل من انتقادات طوال رحلة متواصلة على مدى أكثر من 12 عاماً لتنظيم النسخة الأولى من المونديال في العالم العربي، والتي تنطلق منافساتها الأحد. ويعتقد الجميع في قطر أن المونديال سينطلق بأحلى حلة، ويلاحظ الجميع زيف تلك الإدعاءات وما سيتذكر سكان المعمورة تلك البطولة الراسخة.
مباراة افتتاحية عالمية
حفل افتتاح مونديال قطر سيكون الأكثر إبهاراً في جميع نسخ بطولة كأس العالم السابقة.
وتواجه قطر الإكوادور في مباراة الافتتاح على استاد البيت في مدينة الخور، بينما يستضيف استاد لوسيل المباراة النهائية في 18 كانون الأول/ديسمبر.
ويخوض 832 لاعباً منافسات مونديال قطر، حيث يحق لكل منتخب تسجيل 26 لاعباً (3 لاعبين إضافيين مقارنة بالدورة السابقة قبل 4 سنوات).