كلّ ما قرأت وأقرأ، لا يُبقي من أثر فيَّ إلّا ابتسامة آنية لفكرة لامعة ما، أو طيف فكرة إجمالية واحدة يفوق التعبير عنها ستمئة صفحة أحيانا. وأتساءل ما جدوى كلّ هذه الكتب وهذه الجهود التنويرية، وهذه الفِكَر المعاد تدويرها من زمنٍ إلى زمنٍ إلى زمن؟ أنا نفسي كتبتُ، وأكتب، ولو قيّض لي أن أرجع إلى اللحظة التي رحت أخطّ فيها روايتي الأولى، التي قد تكون الأخيرة، لابتلعت حروفها دفعة وأجهضتها قبل أن تولد. فكري لا قيمة له. ولا فكر سواي. ولا حتى فكر عظماء الفلاسفة والعلماء والأدباء والخليقة جمعاء. كلنا متساوون في اعتقادنا أن الكلمة قوّة.. أنها في البدء كانت، أنها من مراتب فيض العقل، أنها تغيّر أمزجة وتبلسم أرواحا وتبرئ قتلة وتبدّل خرائط وتلغي حدودا وتحلّ سلاما عالميا أو باطنيا بين ذات لا تني تتصارع مع ذاتها.
كذب.. لو كان للكلمة قوّة، لأصغى إليها البشر «العاقلون» لما تناهشوا كما يفعلون، لما تفننوا في اختراع مدمّرات أحيائية وفيزيائية وكيميائية.. لما بقروا باطن أمّهم الأرض وأفرغوا جوفها الأسود ليتخموا سواد نفوسهم. لو كان للكلمة قوّة، لما تآكلتنا شتى العلل العقلية، لما تكالبنا على بعضنا، لما نَحَرَ واحدنا الآخر. حتى كلمة الكتب السماوية لم تُجدِ معنا.. كببغاوات نردّدها ولا أحد- على الأرجح- يطبّقها.
لا أدري لمَ أكتب كلّ هذا الآن…من تجمّد وجداني ربما.. وربما من شدّة سأمي كلّ ما يدور من حولي.. من تيقّني بعد تفكّر منطقي، لا تشاؤمي، أنّ الحياة حقيرة بتطاولها على وجودنا الهيولاني التافه بحقّ. لست سوداوية ولا حتى مكتئبة، ولو ظننتم ذلك الآن ورحتم تؤكّدون عليه في قرارة نفسكم. فإن جئت إلى تعداد النِعَم التي لي، لأنّبني ضميري أشدّ تأنيب.
أكتب لأخفّف من ثقل الخواء الذي يملأني، والذي أعرف أنّه يملأ كثرا منكم ممن بلغتم مثلي عتبة العدمية بمفهومها المباشر. أوَليس من عدم انطلقنا وإلى عدم نعود؟ أكتب لأحرّر هذه الفكرة المُطبِقة على روحي: الحياة لا معنى لها. مائعة هي حدّ القرف. متغطرسة لظنّها أننا نكافح من أجلها، أن سكناها أجسادنا منّة منها علينا. أنها مستحقّة كلّ هذا اللهاث في العدو خلف ثوانيها. لي في أيّ لحظة أن أنهيها. لكنني أختار البقاء لمجرّد أن أثبت لها سخفها. سخيفة في النزر الذي تعطيه. سخيفة في الكثير الذي تأخذه. نخشى الموت وهو حاضر فيها. ففي كلّ ما نفعل موت. لا حياة في القلق. لا حياة في الفشل. لا حياة في الخسارة. لا حياة في الفقد. لا حياة في اللاتكافؤ. لا حياة في الحب المشروط. لا حياة في الصمت. لا حياة في الاغتصاب، أو العنف أو التعذيب أو السَجن أو التسلّط أو الاستبداد أو البرد أو الجوع. لا حياة في الفقر. لا حياة في القناعة. لا حياة تستمر بعد كلّ هذا. وحده الموت الحيّ فينا يستمرّ.
كاتبة لبنانية