لندن- “القدس العربي”: في ليلة ستبقى عالقة في الأذهان لعقود قادمة.. أعاد المنتخب السعودي زمن المعجزات الجميل، باصطياد الفضائي ليونيل ميسي ورفاقه في المنتخب الأرجنتيني، في موقعة ملعب “لوسيل”، التي انتهت بفوز تاريخي للصقور الخضر بهدفين مقابل هدف، في افتتاح مواجهات المجموعة الثالثة الحديدية، التي تضم معهما بولندا والمكسيك.
الإرادة والعزيمة
من ناحية العقل والمنطق، فلا خلاف أبدا على أفضلية التانغو من حيث الجودة والفوارق الفردية بين اللاعبين، في ظل تسلح المدرب سكالوني، بكوكبة من ألمع نجوم وجواهر الأندية الأوروبية، على رأسهم القائد البرغوث ومعاونيه لاوتارو مارتينيز وأنخيل دي ماريا، وباقي المجموعة التي هزمت البرازيل في قلب “ماراكانا” في نهائي كوبا أمريكا الأخير، لكن على أرض الملعب، لم نشعر بهذه الفوارق، وذلك في المقام الأول، بفضل الانتشار الجماعي شبه المثالي للاعبي المنتخب السعودي، مدعوما بالمعنى الحرفي للعزيمة والروح القتالية، مع مساندة جماهيرية يُقال عنها “تُحرك الصخر” في مدرجات “لوسيل”، ما ساهم في ذوبان جليد الخبرة والفوارق الفردية بين المنتخبين على أرض الواقع.
الساحر الأبيض
مرة أخرى، أثبت هيرفي رونار، الشهير بلقب “الساحر الأبيض” في أدغال أفريقيا، أنه النسخة الجديدة للراحل برونو ميتسو، صاحب ثاني معجزات الماما أفريكا في كأس العالم، بقيادة السنغال للفوز على فرنسا بوصفها بطلة العالم في افتتاحية 2002، بعد 12 عاما من فوز الكاميرون على الأرجنتين في افتتاح إيطاليا 1990، يكفي تحضيره وتأهيله النفسي لسالم الدوسري ورفاقه، دليلا على أن عروضه المقنعة مع المغرب في النسخة الماضية، بإحراج إسبانيا، في المباراة التي خسرها بهدف نظيف، والتعادل مع البرتغال بهدفين لمثلهما، لم تكن ضربة حظ أو من قبيل الصدفة.
جرأة وشجاعة
لفهم كيف تحققت المعجزة السعودية أمام الأرجنتين، علينا أن نسأل أنفسنا.. متى كانت آخر مرة شاهدنا فيها منتخبا عربيا يلعب بهذه الجرأة والشجاعة أمام واحد من واحد من أبطال العالم السابقين؟ أتصور كانت ملحمة الجزائر أمام ألمانيا في بداية مراحل خروج المغلوب 2014، وهذا كان واضحا في التطرف الإيجابي، في عملية الضغط العالي، بمحاصرة حامل الكرة من قبل دائرة المنتصف بثلاثة لاعبين، لإجباره على أسوأ خيارين، إما إعادة الكرة إلى آخر مدافع، أو الاضطرار للتخلص منها باستخدام الكرات الطولية، وهذا ما كان يريده ويبحث عنه البليهي وتمبكتي والشهراني وسعود عبد الحميد، لإيقاع لاوتارو وميسي والبقية في التسلل، بدقة وتنفيذ ولا أروع، خاصة في الشوط الأول، الذي شهد 4 حالات تُدرس في كيفية اصطياد المهاجمين في مصيدة التسلل، ما عكس دهاء رونار وتفوقه على سكالوني تكتيكيا.
رجال الريمونتادا
صحيح كل اللاعبين بما فيهم البدلاء الذين شاركوا في الشوط الثاني، قدموا أفضل ما لديهم، لكن بالنظر إلى أبرز رجال الليلة التاريخية، سنجد أن في مقدمتهم الحارس محمد العويس، الذي ذاد عن مرماه ببسالة يُحسد عليها، بداية من تصديه لتصويبة ميسي في الدقيقة الثانية، مرورا بصموده أمام المحاولات المكثفة بعد تأخر التانغو في منتصف الشوط الثاني، وبالمثل لعب عبدالإله المالكي، دور حلقة الوصل بين الدفاع والوسط كما ينبغي، بمجهوده الهائل على دائرة الوسط، بدعم لا يصدق من كنو وسلمان الفرج قبل خروجه بداعي الإصابة، ما ساهم في التقارب المذهل بين خطوط الأخضر الثلاثة، بتلك الطريقة المنظمة، التي عجز ميسي وأصدقائه على فهمها، إلا بعد “الريمونتادا” السعودية، بهدف صالح الشهري الأول، ثم رائعة سالم الدوسري، التي ستتحاكى عنها الأجيال القادمة.
وقبل أي شيء، يُحسب لمنتخبنا العربي، تماسكه وعدم اهتزاز ثقة لاعبيه في أنفسهم، بعد هدية الحكم، باحتساب ركلة الجزاء المثيرة للجدل، التي سجل منها ليو هدف التقدم لبلاده في أول 10 دقائق، فكان له ما أراد، بتحقيق أول انتصار ناطق بلغة “الضاد” على الأرجنتين في مباراة رسمية في كأس العالم.. مبروك لنا جميعا.