ما بعد «داعش»… محاولة في قراءة المشهد

مع تقدم قوات الجيش العراقي والحشد الشعبي والعشائر السنية المساندة له في معارك تحرير محافظات صلاح الدين والأنبار، ابتدأ الكثير من محللي الاستراتيجية البعيدة والمتوسطة المدى في قراءة المشهد العراقي ما بعد «داعش»، وانقسموا بين متفائل يرى النتائج تشير إلى ولادة حكومة قوية مستندة إلى مصالحة داخلية لا يشوبها ظل التهميش الذي سيطر على الولاية الثانية لحكومة المالكي، بينما قرأها المتشائمون على أنها صفحة صراع مريرة ستطوى لتلد صفحات من قتال أعنف يتولد من نتائج ما تفرزه المعارك على الأرض.
خريطة التوازنات السياسية التي سيطرت على المشهد العراقي منذ 2003 ولحد الان مهددة بالزوال، وقرأها البعض على أنها ستعاني من اقتتال داخلي في كل طائفة من الطوائف الممثلة للمشهد العراقي، ففي البيت الشيعي هنالك اقتتال مكتوم بسبب اصوات المعركة العالية، سيفرز بعد انجلاء المشهد رموزا جديدة قاتلت وثبتت ومسكت الارض، هذا الجزء ممثل بمنظمة بدر ورمزها هادي العامري، وعصائب أهل الحق ورمزها الشيخ قيس الخزعلي، وبعض التشكيلات الأصغر مثل حزب الله العراقي، هولاء الرموز سوف يطالبون بحصة الأسد من اللعبة السياسية، بعد ان يتحقق جلاء خطر «داعش»، تقف بوجههم الرموز القديمة، التي رغم مساندتها للعمليات العسكرية، إلا انها لم تسجل موقفا واضحا على الارض، ربما كان المثال الابرز هو التيار الصدري ورمزه السيد مقتدى الصدر، الذي جمد الجناح العسكري لتياره سرايا السلام، كما لم يشاهد وجود فعلي لجيش المهدي الميليشيا العتيدة السابقة للتيار، التي فرضت توازنات سياسية في عراق 2006 إبان الاحتراب الطائفي، أقول لم يشهدها أحد تقاتل «داعش» اليوم، كذلك الاحزاب (المكاتبية) كما باتت تسمى، مثل حزب الدعوة او المجلس الاعلى المتكئة على تاريخها النضالي في مقارعة سلطة نظام صدام حسين قبل عقود، والتي جنت ثمرات نضالها خلال العقد المنصرم عبر سيطرتها على مفاصل السلطة، وإن كان رئيس الوزراء الحالي الدكتور حيدر العبادي من حزب الدعوة، إلا ان مساندته وقيادته للعمليات جاءت وكأنها محصلة حاصل لمكانته الحكومية والمسؤوليات الملقاة على عاتقه.
اما البيت السني، فبعد الصوت العالي لـ»ساحات الاعتصام» التي شهدتها المحافظات السنية، وبعد ما أطلق عليه (ثوار العشائر) في بداية هجمة «داعش» على تلك المحافظات، بات اليوم الموقف اكثر وضوحا، فهنالك عشائر سنية في الرمادي وصلاح الدين تقاتل جنبا إلى جنب مع الجيش والحشد الشعبي، في محاولة لطرد «داعش» من مناطقها وإعادة ابناء عشائرهم الذين هجروا إلى ديارهم، وبات هنالك طرح واقعي في الشارع السني يشير إلى أن النخبة السياسية السنية الحالية لا تمثل شارعها، إذ أنها انشغلت في الصراعات على المناصب وتوزيع الكتل السياسية في الحكومة والبرلمان، ونسيت شارعها بين مطرقة «داعش» وسندان التهميش الحكومي، وبذلك سيطالب شيوخ العشائر المقاتلة بإزاحة الوجوه القديمة والحلول محلها، ولم يتبق من مشهد يونيو/حزيران 2014 من القيادات السنية الصارخة بالتهديد بأنها ستدخل بغداد محررة، أحد فحتى من كان أعلى صوتا في التجييش ضد الحكومة ورموزها نراه اليوم يحاول العثور على خطوط انسحاب تحفظ ماء الوجه، وأبرز الامثلة على ذلك هما الشيخ حاتم العلي سليمان والشيخ رافع الرفاعي.
أما الجزء الكردي من المعادلة السياسية العراقية فيظهر للمتابع، وكأنه اكتفى بالحصة التي حصل عليها مع اندلاع الأزمة، بالسيطرة على محافظة كركوك الغنية بالنفط والاراضي المتنازع عليها في محافظات ديالى وصلاح الدين ونينوى، ووزع قوته العسكرية على حدود الاقليم الجديدة، بل حصل على الدعم الدولي المباشرمن دون مرور هذا الدعم عبر بوابة بغداد وحكومتها المركزية. لكن ما يخفى من اصطراع داخلي هو الجزء الاكبر من جبل الجليد، فهنالك صراع غير معلن بين الحزبين الرئيسين الاتحاد الوطني والديمقراطي الكردستاني بالاضافة إلى بروز لاعب شاب مهم في الساحة الكردية، وهو تيار التغيير الذي بدأ يأكل من جرف الحزبين القديمين، كل ذلك سيمثل قنابل موقوتة مزروعة في مستقبل استقلال الاقليم، الذي يسعى اليه بعض الساسة الكرد، مضافا لذلك الرفض التركي القاطع لهذا المشروع وانزعاج ايران من هذا الامر. كما ان مطالبة سنة العراق بكركوك ستتجدد مع انجلاء الموقف الحالي، وقد جاء ذلك عبر تصريح رئيس البرلمان العراقي السابق الدكتور محمود المشهداني في قوله، اذا كان الكرد يعتبرون كركوك قدس كردستان فسنة العراق يعتبرونها كعبتهم. وتجدر الاشارة إلى ان الاتفاق النووي الايراني الامريكي يلقي بظلاله على مشهد الصراع العراقي ولا يجب اغفاله، فاليوم هنالك دعم ايراني واضح للعراق في حربه ضد «داعش»، يبالغ فيه البعض فيوصله حد ان هنالك آلاف المقاتلين الايرانيين المشاركين في معارك صلاح الدين، ويطلقون المخاوف من أن هذه القوات ستعمل على تغيير ديموغرفيا المنطقة، بينما المقللين من شأن هذا الامر يقولون إن هناك دعما ايرانيا لوجستيا وتخطيطيا يشارك فيه بعض القادة الميدانيين الايرانيين، ربما كان ابرزهم الجنرال سليماني قائد فيلق القدس الايراني، والحقيقة تندرج بين هذا وذاك، فالمراقب يمكنه أن يلاحظ ان قوات الحشد الشعبي المشكلة بفتوى دينية من مراجع الشيعة في العراق تم تجهيزها ودعمها على اعلى مستوى من قبل ايران، وقد مثلت هذه القوات حائط الصد الاخير بوجه موجة «داعش» الكاسحة التي وصلت حدود بغداد، بينما كانت قوات الجيش العراقي تعاني من التفكك والانكسار المادي والمعنوي بعد هزيمتها في المحافظات التي سيطرت عليها «داعش» من الانبار إلى نينوى. واليوم تمثل القوات المشتركة من الحشد والعشائر السنية القوة الضاربة الاساسية في قتال «داعش» تدعمها قوة مروحيات وقوة جوية بسيطة القدرات – لم يتدخل طيران التحالف في معركة صلاح الدين – وتكبد «داعش» خسائر كبيرة، هذه الفرشة كلها مرت تحت أنظار الولايات المتحدة الأمريكية، التي غضت البصر عن الدور الايراني، بل ربما نستطيع القول ان هنالك ارتياحا من ادارة اوباما تجاه الموضوع، هذا الارتياح جاء مصحوبا باخبار عن توقيع الاتفاق النووي في غضون اسبوعين من الآن، ما أدى إلى اشعال قلق المنطقة من النفوذ الإيراني المتنامي، وهذا ما دفع وزير الخارجية الامريكي جون كيري إلى زيارة المنطقة، وبدأ سلسلة تصريحات تطمئن حلفاء الولايات المتحدة الامريكية الاستراتيجيين في الخليج في أن التقارب الامريكي الايراني لن يكون على حسابهم. ومع تداخل هذا السيناريو مع السيناريو السوري الذي يعتبر حلقة مرتبطة بالسيناريو العراقي نجد ان لقاء موسكو بين النظام السوري والمعارضة السورية يحاول ان يفتح كوة في الطريق المسدود، ولاول مرة تطرح فكرة إمكانية الحوار مع بقاء الرئيس بشار الاسد، الذي كان يمثل خطا أحمر في كل اللقاءات السابقة.
الدعم الخليجي والتركي لسنة العراق والمعارضة السورية (المعتدلة) اذن بات مرهونا بالاتفاق الايراني الامريكي الوشيك، وخريطة النفوذ الجديدة سترسم بسيطرة من قاتل ودفع الدماء على الارض بعد انجلاء غبار المعركة وستشهد المنطقة تغيرات ربما اكثر عنفا مما سبقها، اذا دخل على المعادلة العامل الاسرائيلي ولهذا الامر حديث اخر في قادم الأيام.

٭ كاتب عراقي

صادق الطائي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية