سجل المنحى العام للقضية الفلسطينية خلال العقدين الماضيين تناقضا صارخا بين حجم أداتها التنظيمية الرئيسية وتوجهاتها وإمكانياتها وارتهانها الأحادي لخيار المفاوضات من جهة، وبين حجم التحديات والمخاطر التي باتت تواجهها لجهة تواري ما اصطلح على تسميته بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، متمثلة في حقه في العودة وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس، وتقرير مصيره والأعباء الاضافية التي جلبتها عملية أوسلو وراحت تنمو في أحشائها كالورم السرطاني من جهة أخرى.
لقد تقلص فضاء الرؤى على مستوى الأداة الكفاحية للشعب الفلسطيني، ممثلة بمنظمة التحرير الفلسطينية وفصائلها، التي كيفت نفسها على مقاس سلطة فلسطينية لا تمثل في النظام السياسي الفلسطيني، أو هكذا يفترض، سوى أحد الأجهزة المتفرعة عن المنظمة والتابعة لها وليس العكس. الكيانات السياسية والتنظيمية الفلسطينية شاخت واستنفدت كل الأعمار، وبات الفضاء الفلسطيني مفتوحا على حالة جديدة تستدعي بناء توجه جديد قادر على إعادة ترميم الحركة الوطنية الفلسطينية على أسس جديدة تجاور البنى السياسية القائمة وتتحاور معها، شرط ألا تحاكيها، وتتكفل بخلق حوامل جديدة للصراع التاريخي، تستنهض ما تتمتع به القضية الفلسطينية من مكامن قوة موضوعية لا تخفى على أحد، بعد أن سجلت الحوامل التقليدية سلسلة لا متناهية من الإخفاقات على كل الصعد والمستويات، مظهرة حالة غير مسبوقة من الافتقار للأهلية والقدرة على مواكبة المستجدات وتحمل أعباء استنباط أدوات كفاحية جديدة ترتقي إلى مستوى التحديات الناشئة، التي باتت تهدد القضية الوطنية في ثوابتها التي تحظى باجماع وطني كانت تعبر عنه مجموعة من الهيئات والمؤسسات الوطنية الفلسطينية التي أصبحت في خبر كان من الناحية العملية، بينما لا يستدعى ما تبقى منها إلا لأغراض المصادقة الشكلية على توجهات قيادة السلطة الفلسطينية، حيث يأتي اجتماع المجلس المركزي الـ27 للمنظمة في هذا السياق، والذي على الرغم من أنه يوحي بأن منظمة التحرير لا تزال على قيد الحياة، إلا أن الحقيقة والواقع يشيان بغير ذلك تماما، لا سيما أن هذا الاجتماع جاء ردا على العقوبات المالية الخانقة، التي تفرضها اسرائيل على السلطة، بسبب تقديم الفلسطينيين طلب الانضمام الى المحكمة الجنائية الدولية، الذي جاء بدوره في سياق عقلية المماحكة مع دولة الاحتلال، ما يبين زيف شعار «الصمود والمقاومة الشعبية»، الذي ألصق بهذه الدورة.
شيخوخة النظام السياسي الفلسطيني جزء لا يتجزأ من اهتراء النظام السياسي العربي، هذا اذا سلمنا بسلامته من حيث المبدأ، وإذا كانت معطيات الحياة السياسية في البلدان العربية تشير بوضوح إلى ضرورة إحداث تغيير سياسي في أعلى الهرم السلطوي فيها، بغية تجنب المزيد من الاخفاقات والكوارث، فإن هذه الضرورة تأخذ أبعادا أكثر جدية على الصعيد الفلسطيني لجهة بلورة رؤية شاملة تستجيب لمتطلبات المرحلة الحرجة التي تمر بها القضية الفلسطينية، فعندما يشار، على سبيل المثال، إلى فشل اتفاق أوسلو وانسداد طريق التسوية على الجبهة الفلسطينية الاسرائيلية، فإن هذه الاشارة لا تقتصر على جوانب سياسية تتعلق بتعنت اسرائيلي وصلف أمريكي فحسب، بل أنها تشمل الأداة السياسية المسؤولة عن هذا المسار، الذي استنفد جميع أوراقه وإمكانيات تحققه منذ زمن بعيد، ما يشرع الأبواب أمام ضرورة البحث عن أدوات مغايرة من شأنها إخراج القضية من الدائرة المفرغة، التي حشرت السلطة نفسها فيها، وأصبحت عاجزة عن الخروج منها، في مشهد ينم عن خلل استراتيجي في التركيبة التنظيمية والمنهج المتبع من قبلها، ما يستدعي تغييرا جوهريا في أساليب مخاطبة هذه السلطة وفي خيار التعويل عليها كحامل وحيد للحقوق الوطنية الفلسطينية المشروعة.
لم تعد مسألة ظهور تشكيلات سياسية ومجتمعية موازية تحرك الراكد في الخطاب السياسي الفلسطيني خيارا فكريا نخبويا، أو ترفا يخص هذه الفئة أو تلك من المجتمع الفلسطيني، بل أصبحت ضرورة واقعية ملحة لن تمضي مسيرة نضال الشعب الفلسطيني المريرة من دونها، ولن تتمتع هذه التشكيلات بالموضوعية إلا إذا كانت رقعة اهتماماتها وتوجهاتها تشمل كافة مكونات الشعب الفلسطيني في جميع أماكن وجوده، وتستجيب لطلعاتها وتحاول رفع نير المعاناة عنها، على قاعدة الوحدة والخصوصية، وحدة القضية الوطنية والهوية، وخصوصية كل مكون من مكونات الشعب الفلسطيني على حدة، على أن تصب جميعها في خانة واحدة تشكل حاملا حقيقيا للقضية شكل غيابه أحد أهم العوائق أمام تقدم أي مسار من المسارات الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة وفي مقدمتها مسار المصالحة الوطنية الفلسطينية، التي تغلق، بارتهانها لسياسة المحاصصة الفصائلية المقيتة، الطريق أمام إمكانية تحقيق هذا الهدف الوطني المنشود، وهنا تظهر الحاجة إلى رفد هذا المسار وغيره بمحركات جديدة قادرة على الدفع باتجاه التفكير من خارج صندوق الهياكل السياسية الفلسطينية التقليدية، التي باتت تشكل عائقا أمام تقدم أي مسار من تلك المسارات التي باتت دروبها المغلقة تهدد القضية الوطنية برمتها، فمن غير المقبول، على سبيل المثال، أن يظهر خطابان فلسطينيان متعارضان تماما في حالة مثل حالة اعتبار فصيل أساسي من فصائل المقاومة الوطنية الفلسطينية كيانا ارهابيا في مصر، الأمر الذي ما كان له أن يحدث بهذه الفجاجة، لولا تفرد فصيل واحد بالقرار الفلسطيني، في ظل غياب تشكيلات سياسية ومدنية موازية لنظيراتها التي تتصدر المشهد الكفاحي للشعب الفلسطيني في مرحلته الراهنة.
من اللافت للانتباه أن يسبق اجتماع المجلس المركزي للمنظمة، ذلك الجدل الحاد حول الدعوات التي وجهت لهذا الطرف ولم توجه لذاك الطرف، لكن اللافت أكثر هو عدم إدراج منظمات المجتمع الفلسطيني المدني في ذلك الجدل. صحيح أن هذا الإطار التشريعي القيادي مصمم على أرضية فصائلية، وأن المجلس الوطني الفلسطيني يشكل القاعدة التمثيلية الأعرض للشعب الفلسطيني، لكن في ظل غياب أي توجه حقيقي لعقد هذا المجلس، وفي ظل الظروف الاستثنائية التي تعيشها القضية الفلسطينية، فإن الضرورة كانت تقتضي تمثيل أكبر عدد ممكن من مكونات الشعب الفلسطيني في هذا الاجتماع، وتحديدا المدنية والنقابية منها. لكن يبدو أن تراجع هذه المكونات المدنية وغياب تشكيلات سياسية لصالح المؤسسة الرسمية قد شكل بحد ذاته العامل الرئيسي في عدم حضورها ومساهمتها في النقاش وصنع القرار، ومن هنا تأتي أهمية أن تتبوأ هذه المكونات والتشكيلات موقعها الاستراتيجي في النظام السياسي الفلسطيني، كتوطئة لإعادة البناء السياسي الفلسطيني برمته على المدى البعيد، والخروج من ثنائية فتح – حماس على طريق تشكل تيار ثالث بطابع شعبي على مبدأ الوحدة والخصوصية، تيار بدأت ملامحه تظهر في فلسطين المحتلة وخارجها، من خلال حوار مفتوح بين أبناء الضفة الغربية وقطاع غزة وداخل الخط الأخضر والشتات، ما يعني أنه حوار يشمل الخريطة السكانية الجغرافية الفلسطينية بكافة مكوناتها ويستعيد تلقائيا ملامح الهوية الوطنية الفلسطينية ويفتح الطريق واسعا أمام إيجاد بدائل موازية ناجعة للنظام السياسي الرسمي الفلسطيني، ويحسم ثنائية القطبية في الساحة الفلسطينية بما يخدم تطلعات أبناء الشعب الفلسطيني وقضيتهم الوطنية العادلة.
٭ كاتب فلسطيني
باسل أبو حمدة