عندما تدافع روسيا «الأوتوقراطية» عن حرية التجارة وتحاربها الدول «الديمقراطية»!

إبراهيم نوار
حجم الخط
0

تعكس حرب «تسقيف» الأسعار في سوق النفط والغاز تحولا في سياسة الدول الصناعية السبع الكبرى بقيادة الولايات المتحدة، إلى «التدخل» بدلا من «حرية السوق» وهو ما ينطوي على تناقض شديد في مواقف الدول التي تزعم إن سياستها تهتدي بقيم الحرية والديمقراطية. وكانت قمة الدول السبع الأخيرة قد قررت وضع سقف لأسعار النفط الروسي على أساس التكلفة، بما يضمن استمرار تدفق النفط الروسي مجانا تقريبا، وحرمان روسيا من إيرادات التصدير، التي تمكنها من مواصلة تمويل حربها في أوكرانيا. هذا الموقف من جانب «الدول الديمقراطية» يتناقض مع رفضها اتفاقيات تحديد الأسعار، وهو الرفض الذي تتبناه بالعمل على إصدار تشريعات تنص على تجريم التدخل في تحديد الأسعار، مثلما هو الحال في مشروع قانون «نوبك» الذي يتضمن فرض عقوبات على أوبك، ونزع الحصانة السيادية عن الدول الأعضاء فيها مثل السعودية أمام المحاكم، وفرض عقوبات عليها بزعم أنها تمارس دورا احتكاريا في تحديد الأسعار. المثير للدهشة هو أن الولايات المتحدة والدول الصناعية الرأسمالية الأكثر تقدما في العالم لا ترى إنها تتدخل ضد «حرية السوق» عندما تضع سقفا لسعر البترول الروسي. أوروبا تبدو منقسمة على نفسها إزاء تلك السياسة، والأمور تسير في اتجاه فرض سقف بلا معنى، هذا في حال الاتفاق.
العقوبات المفروضة على روسيا التي تم الاتفاق على تعزيزها ثماني مرات في الأشهر الأخيرة، تمثل نموذجا فجا للخروج عن قواعد حرية التجارة، والاتجاه إلى عسكرتها لتحقيق أهداف سياسية. وما أزمات الطاقة والغذاء والغلاء الحالية في أوروبا والعالم إلا مظاهر تثبت أن الحروب التجارية قد تؤذي من يشنها بمقدار أكبر من الأذى الذي قد تتعرض له الدول المستهدفة. إضافة إلى ذلك، فإن الخسائر لا تطول طرفي الحرب فقط، وإنما تنتشر في العالم كله. صندوق النقد الدولي يحذر من أن تقسيم العالم تجاريا يمكن أن يكلف الاقتصاد العالمي كله حوالي 1.4 تريليون دولار، أي ما يعادل 1.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للعالم. روسيا سوف تتضرر بلا شك من فرض سقف لأسعار صادراتها، لكنها ستقلل هذا الضرر باستخدام أدوات السوق، وذلك بتحويل صادراتها إلى الصين والهند وبلدان أخرى، مع احتمال تخفيض الإنتاج أيضا، وزيادة الإيرادات الحكومية بفرض ضرائب أكبر على شركات النفط. كما ستصبح الدول المصدرة للنفط ومنها مجموعة أوبك في حاجة لتخفيض إنتاجها، للمحافظة على مستوى مستقر للأسعار يتناسب مع احتياجات توازنها المالي وطموحاتها التنموية.

روسيا ترد باستخدام آليات السوق

بسبب العقوبات ارتفعت أسعار الصادرات السلعية الروسية حتى منتصف العام الحالي، حسب مؤسسة المعلومات الإحصائية «ستاتيستا» بنسبة 69 في المئة للفحم، و60 في المئة للقمح، و55 في المئة للغاز المسال، و46 في المئة للنيكل، و29 في المئة للنفط، و24 في المئة للذرة، و21 في المئة للبلاتينوم و11 في المئة للزنك. ونتيجة لارتفاع الأسعار فإن إيرادات روسيا من تصدير الفحم والنفط والغاز ارتفعت بعد العقوبات إلى 922 مليون دولار في شهر أيار/مايو 2022 مقابل 661 مليون دولار في الشهر نفسه من العام الماضي، أي بنسبة زيادة تقترب من 40 في المئة. وخلال الأشهر الثمانية الأولى من العام الحالي بلغت إيرادات روسيا من صادراتها النفطية 117 مليار دولار. ومع ارتفاع الأسعار فإن الحكومة الروسية تعتزم زيادة الضرائب على شركات النفط والغاز الثلاث الرئيسية (غازبروم، روسنفط، لوك أويل) بحوالي 50 مليار دولار بدءا من العام القادم وحتى عام 2025.
وفي مقابل انخفاض الإمدادات إلى أوروبا والولايات المتحدة، ردت روسيا بزيادة صادراتها إلى أسواق ضخمة على رأسها الصين والهند، وفتح أسواق جديدة، خصوصا في الدول المجاورة مثل تركيا. غير أن الصادرات الروسية يمكن أن تتأثر سلبا بسبب رفض شركات النقل البحري التعاقد على تحميل وشحن النفط الروسي، ورفض شركات التأمين إصدار وثائق لتأمين الحمولات، ورفض البنوك ومؤسسات التمويل قبول طلبات لتمويل شراء النفط من روسيا. وتتوقع روسيا انخفاض أسعار نفطها بسبب تحديد سقف الأسعار عالميا، وحظر دخوله إلى أسواق الاتحاد الأوروبي اعتبارا من 5 من الشهر المقبل، ثم وقف استيراد المشتقات النفطية اعتبارا من 5 شباط/فبراير المقبل. وقد وضعت الحكومة الروسية ذلك في الاعتبار في تقديرات الميزانية للعام المقبل، إذ تتوقع انخفاض المتوسط العام للأسعار إلى 70 دولارا للبرميل من خام الأورال، وأن الانخفاض سيستمر حتى عام 2025 حيث يبلغ متوسط السعر المتوقع 65 دولارا.
المشاورات التي تجري حاليا لوضع الترتيبات الفنية والتجارية لحظر دخول النفط الروسي الروسي المحمول بحرا إلى دول الاتحاد الاوروبي، ثم حظر المشتقات النفطية في العام القادم تتضمن تحديد سقف أسعار خام الأورال الروسي بما يتراوح بين 65 إلى 70 دولارا، وهو سعر يدور حول متوسط أسعار السوق في الأسبوع الأخير، كما أنه أعلى من أقل سعر منذ بداية العام الحالي (60.47 دولار للبرميل). ومع أن الفكرة الرئيسية التي عرضتها مجموعة الدول السبع لتحديد سقف الأسعار كانت تقوم على إضافة هامش ربح ضئيل جدا إلى تكلفة إنتاج النفط الروسي، فإن المدى السعري المقترح قد اتخذ أسعار السوق أساسا له وليس قيمة التكلفة، وهو ما سيقلل من أثر تحديد سقف للأسعار.
ويشكك كثير من الخبراء ومؤسسات الاستشارات الاقتصادية المستقلة في قدرة الدول الصناعية على فرض حظر كامل على النفط الروسي داخل أسواقها، كما يشككون في قدرتها على إلزام العالم بسقف الأسعار الذي تعتزم فرضه على السوق. وقد وصف وزير الخزانة الأمريكي السابق ستيف منوتشين اقتراح فرض سقف لأسعار النفط الروسي بأنه أكبر فكرة مثيرة للسخرية سمعها في حياته، إلى جانب عدم إمكانية تنفيذها. وقالت مؤسسة بلومبرغ أن العقوبات الأوروبية المتعلقة بحظر دخول النفط الروسي اعتبارا من 5 من الشهر المقبل لن تمنعه من الدخول بالكامل. وفي الوقت نفسه، هدد وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك بأن روسيا لن تتعامل مع الدول التي تعرض شراء النفط الروسي على أساس سقف الأسعار، وأكد على رفض بلاده لأي نوع من أنواع التدخل في السوق لتحديد الأسعار. ولا شك أن ما يهم روسيا هو تحقيق ثلاثة متطلبات: الأول تجنب التقلبات الحادة في الأسعار، الثاني هو إتاحة أسواق كافية لاستيعاب صادرات روسيا الضرورية للتنمية وتمويل الإنفاق، والثالث هو ألا يقل سعر السوق عن السعر المقدر في الميزانية السنوية. وفي حال انخفاض المتوسط العام لسعر خام الأورال إلى ما دون تقديرات الميزانية، فإنه من المرجح أن تنفذ روسيا تهديدها بتخفيض إنتاج النفط، ومن ثم دفع المستوى العام لأسعار النفط العالمي إلى أعلى، وذلك على العكس مما يعتقد المسؤولون في وزارة الخزانة الأمريكية.

روسيا تتجاوز ذروة تأثير العقوبات

الإجراءات التي اتخذتها روسيا لتقليل تأثير العقوبات حققت نجاحا كبيرا بشهادة صندوق النقد الدولي، الذي يتوقع أن ينكمش الاقتصاد الروسي بنسبة 3.4 في المئة فقط على مدار العام بأكمله، وهو ما يقل إلى حد بعيد عن التوقعات الكارثية التي راجت في أعقاب الحرب الأوكرانية وفرض العقوبات. وأشار الصندوق بشكل خاص إلى «صمود صادرات النفط الخام والطلب المحلي، مع دعم متزايد للسياسات المالية والنقدية، واستعادة الثقة بالنظام المالي». وتقدر الحكومة الروسية حاليا أن الانكماش الاقتصادي سيكون في حدود 3 في المئة فقط. ومن أهم المشروعات المستقبلية التي يتبناها فلاديمير بوتين، مشروع ربط صادرات الغاز الطبيعي الروسي بأوروبا عن طريق خطوط أنابيب عبر تركيا بدلا من أوكرانيا أو ألمانيا، وتوسيع نطاق التعاون مع اليابان في استخراج الغاز وتصديره من جزيرة سخالين، إلى جانب توسيع نطاق التعاون مع الصين والهند. كما تستخدم روسيا معدلات خصم على الأسعار لعملائها المفضلين، كأحد أساليب كسر العقوبات على صادرات النفط الروسي. ويتردد الان في أسواق ناقلات النفط أن روسيا تعمل للاستعانة بأسطول ناقلات في السوق الرمادية لتصريف نفطها في الخارج، إضافة إلى استبعاد الدولار من التمويل والتسويات التجارية.

آليات السوق في جانب الطلب

لا تحتاج الدول الصناعية الغربية المستهلكة للطاقة، لاستخدام اتفاقيات فيما بينها لتثبيت أو تخفيض الأسعار في السوق، لأن مثل هذه الاتفاقيات تؤدي إلى إرباك السوق وتشويهها وإثارة عوامل عدم الاستقرار لفترة طويلة. كما إنها لا يجب أن تعتمد على العقوبات الاقتصادية من أجل تحقيق أهداف سياسية. وتثبت تجربة الولايات المتحدة بعد الأزمة النفطية الأولى عام 1973 أن آليات السوق العادية توفر للدول المنتجة والمستهلكة الوسائل الاقتصادية الكفيلة بتحقيق أهدافها، وذلك من خلال أدوات للتأثير في الطلب مثل آلية المخزون الاستراتيجي للنفط، الذي يتم استخدامه في أوقات الأزمات أو نقص الإمدادات أو حتى ارتفاع الأسعار في السوق إلى مستويات غير مقبولة. وكذلك سياسة المخزون التجاري بواسطة الشركات ومحطات الكهرباء ومصافي التكرير. ويتم السحب من المخزون بدلا من الشراء في أوقات الأزمات، وهو ما يؤدي لانخفاض الطلب والأسعار، سواء في أوقات نقص الإمدادات أو ارتفاع الأسعار. ومن المفترض في قواعد إدارة المخزون أن يتم تعويض الكميات التي تم سحبها بعد تراجع الأسعار. كذلك فإن من بين أدوات التأثير على السوق، رفع كفاءة الاستثمار في قطاعات الطاقة المتجددة، واستخدام التكنولوجيا الموفرة للطاقة، والتحول عن الوقود الأحفوري، إضافة إلى تحويل التجارة بطرق غير سياسية، باستخدام المزايا النسبية، وعقد اتفاقات مضمونة طويلة الأمد مع موردين آخرين. ونظرا لأن أوروبا ترتبط جيوقتصاديا بسهول الأورال وبحر قزوين، فإن فصلها اقتصاديا عن روسيا يحمل مخاطر كثيرة. ومن النتائج التي نشهدها بسبب ذلك ارتفاع التضخم إلى أعلى مستوى في الـ40 عام الأخيرة، وأزمة إمدادات الطاقة، وتراجع معدلات النمو الاقتصادي إلى حد الوقوع في مصيدة الانكماش.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية