اجرى الحوار: محمد القذافي مسعود: حول القصيدة والاحتراق بها، الكتابة وهمومها، النقد والاهتمام باللغة مواضيع متداخلة وهامة في حركة الشعر الحديث واشتغالات الشعراء والنقاد وجهت عدة أسئلة للشاعرة المصرية هدى حسين في حوار تم عبر الانترنت فكانت هذه الاجابات: *ما الحدث الذي يدفعك للكتابة؟ * تدفعني للكتابة رغبة حثيثة في البحث. البحث في كل شيء، باعتباره كلا متكاملا منقسما على أجزاء، كأننا نعيش في عالم مجهري. قد نبتعد قليلا لنراه أوضح. وقد يدلنا تكوين خلية فيه على أصل المجرة. أعتقد أن عقلي سيتعطل لو لم أكتب ،أو قد تتوه روحي بلا رجعة فأبقى مجرد جسد هامد يقوم ببعض المهام الآلية اليومية، في روتين بالي يتحول إلى نظام فعال فقط عندما أكتب. نظام يشبه النوتة الموسيقية في صرامته، بينما يبدو غير قابل للامساك به، تماما كالعزف، كالنغم . *إلى أي حد تتعبك القصيدة لكي تكتبيها وتصلي بالتالي إلى نتائج مرضية؟ *القصيدة لا تتعبني. ما يتعبني هو عدم التمكن من كتابتها أو معايشتها، أو التواجد بداخلها، تركها تعيش خارجا عني. أنا أحب الحرية لذاتي وللقصيدة على حد سواء. لذلك فإن علاقتي بها علاقة فنان بلوحة: مهما حاول رسم ما في خياله، فإن الإطار الخشبي والقماش المشدود والروح في اللون وملمس وحركة شعر الفرشاة تتدخل بالضرورة. هذا ما أحبه، أن تكون علاقتي بالقصيدة علاقة حوار، قد أريد أن أدخل في موضوع وتريد القصيدة شيئا آخر، في النهاية، النتيجة المرضية بالنسبة لي هي أن أشعر بأن القصيدة ارتاحت لي لدرجة أن مارست حرية رأيها في وجودي، وعن طريق قلمي. فأنا موجودة بجسدي على كل حال، وبحركتي أيضا، لكن القصيدة تحتاج لوجودي لتعلن عن نفسها لغيري، وأنا أحترم فيها ثقتها فيّ وأتمنى كل مرة أن أكون على قدر هذه المسؤولية التي توليني إياها. النتيجة المرضية هي أن أرى القصيدة ممتنة لأنني ساعدتها في التجسد. *اللغة التي تبدو إلى حد ما تقريرية في قصائدك أهي البساطة أم لقصد تجريبي؟ * والله أنت الذي تقول إن لغتي تبدو كذلك، وليس أنا. لذا فأنت أكثر دراية مني أهي البساطة أم التجريد.. اللغة ليست همي الأول. صحيح أنها من أهم عناصر العملية الكيميائية التي تتكون بها القصيدة، لكنها ليست هدفي. هدفي هو أن أتمكن من تقليص ذاتي قدر المستطاع لكي تأخذ القصيدة المجرى الذي تريده لغة ومعنى الخ..بهذا التقليص أوجد. لو فرضت نفسي على القصيدة سأشعر أنني ضئيلة جدا لدرجة أفرد عضلاتي على شيء كما قلت لك من قبل يحتاجني ليتجسد! وهذا ليس من شيم الكرام. *الرؤية أهي من تسبق الكتابة النهائية للنص أم أنها الارتكازة الأساسية له؟ *أحيانا أكتب ولا أراجع أو أنقح، أظن أن القصيدة تعمل بداخلي أولا، كأنني معملها الأول، أو مختبرها الأساسي، تخرج الكتابة وكأنها نتيجة البحث، أو عرض لمعطياته، أو منهجه، أو إعادة صياغة لتفاصيل البحث بصورة تصلح معها مشاركة هذه النتائج مع الآخرين. لا توجد كتابة بدون رؤية. أظن أنه أثناء الكتابة يكون الواحد منا متصلا بذاته الأوسع، التي يمكنها أن ترى في خلية من جلده المجرة كلها أو أن ترى في انفجار ماسورة تاريخ الماء. أنا لا أستطيع أن أفهم العالم بدون بحث وتحليل، الكتابة هي معاوني على ذلك، أما اللغة فهي إحدى الأدوات. وبما أني أريد أن أفهم، فأظن أن الرؤية لا تسبق الكتابة، وإنما تتشكل معها وبها ومن خلالها، فهي بذلك أيضا لا تأتي بعدها ولكن من داخلها. *في العام 1997 تحدثت بلقاء أجري معك بأخبار الأدب عن فكرة الكتاب الشعري بدلا من الديوان أين وصلت هذه الفكرة في إنجازها وهل حققت فعلا ‘الكتاب الشعري’ كبديل عن الديوان؟ *لا أحب أن أبدل شيئا بشيء، فوجود النمل الطائر مثلا لا يلغي أهمية النمل الذي لا يطير! أما عن الكتاب الشعري فأظنني حققت ذلك في ديوان ‘فيما مضى’ وديوان ‘عشوائية’ وكذلك في ديواني الأحدث ‘خريطة الذات’.*ألا توافقينني في أن بعض قصائدك الطويلة تبدو أقرب إلى شكل آخر غير الشعر والنثر؟ *لا أعرف. لم أفكر في هذا الموضوع. مسألة الشكل لا تشغلني. الكتابة تتشكل أثناء حدوثها. أنا مجرد ساعية بريد، تكئة، تحمل الكتابة من منطقة اللا حروف ولا صوت إلى منطقة الحروف والصوت! *صعوبة النص المفتوح أساسا في الكتابة هو تحد أكبر من فكرة القصيدة النثرية والتي بداخلها تكتب الشكل الرأسي الخ’ أخبار الأدب ‘هدى حسين’. *كيف يمكن تحقيق ذلك رغم صعوبته؟ *لا توجد ‘روشتة’ للكتابة. لا أفهم لماذا تراها صعبة، أو تضعها في حيز التراوح بين الصعوبة والسهولة! الكتابة تاريخ. تاريخ لكل ذرة وكل خلية، لكل فكرة أو محاولة فكرة.. الكتابة بغض النظر عن أي معادلات أو أشكال يمكنها أن تكون الفيلم التسجيلي الكوني، بدون مونتاج. *الاتكاء على النص التراثي أو العودة إلى التراث والخروج من خلاله كيف ترينه؟ *لم أقتنع أبدا بتهمة القطيعة مع التراث التي تم إلصاقها بجيلي. وأظن أن التراث، التراث الإنساني كله، ثروة مشاعة ينبغي أن يتقاسمها كل البشر على الكرة الأرضية. لا أحب الوقوع في أسر التراث، لكنني سأكون في منتهى الغباء لو لم أترك ذاكرة الكون تتضافر في نسيجي. و أظنني استفدت كثيرا من كتب مثل ألف ليلة وليلة، والديكاميرون، وحكايات الببغاء، وكليلة ودكنة وحديث عيسى بن هشام الخ.. ومازلت أعتقد أن استيعاب الماضي، بغض النظر عن التصالح معه أو التخاصم، لكن استيعابه، مجرد استيعابه يجعل قلبي أوسع، في النهاية أنا متأكدة أنني بنت اللحظة الآنية. كما أنني أعرف بالطبع أني سأصبح يوما من الماضي. *يبقى انتشار الشاعر الحداثي محدودا رغم شهرته في الأوساط الأدبية والثقافية ما هي الأسباب في رأيك؟ *لا أفهم ماذا تقصد بالشاعر الحداثي. لكن دعني أحاول أن أفهم ماذا تقصد بـ ‘انتشاره’ من ناحية و’شهرته’ من الناحية الأخرى. ودعني بدلا من كلمة الشاعر الحداثي، أقول الشاعر فقط. أولا هناك وسائل الشهرة المعروفة وهي الوسائل السمعية البصرية التي تدخل كل بيت، وأغلبها في الوطن العربي مملوكة لحكوماتها، ويعمل بها موظفون ليسوا بالضرورة على دراية بما يحدث على الساحة الثقافية بكاملها. وفي النهاية دائما تخدم هذه الأجهزة من يملكها، لذا لا أظنها ستهتم إلا بما سيهتم به هؤلاء، عندما يهتمون بالشاعر الشاب، أقصد عندما يكون من مصلحتهم الاهتمام بشاعر شاب معين فيعرفون كيف يصلون له. أما عن الانتشار، فأظن أن الكتاب المدرسي من أهم هذه الوسائل. من خلال منهج مادة العربي بالمدرسة تتشكل ذائقة الطفل من البداية، وطبيعي، عندما لا تضع له نماذج من قصيدة النثر مثلا ضمن المنهج، فسيخرج إلى العالم شاب لا يتذوق هذه القصيدة، بل وقد يدينها معتقدا أن الشعر ينبغي أن يكتب مثلما كان يكتب المنفلوطي! وعندما لا تضع له نماذج من شعر العامية، فهو سيعتبر شعر العامية شعرا من المستوى الأدنى. أنت تشكل ذائقة الشعب من خلال كتاب المدرسة. وبالطريقة التي عليها مناهج مادة العربي في مدارسنا في الوطن العربي، فأنت لا تؤهل لأن تكون شاعرا أو متذوقا لكتابات من أسميته أنت ‘الشاعر الحداثي’.*لماذا تبدو تجارب الشاعرات في الوطن العربي خجولة في ظهورها؟ *اسمح لي ألا أوافقك الرأي نهائياً هنا. فأنا لا أعتقد أن كتابات الشاعرات العربيات تخرج على استحياء. إنما هي قوية ومؤثرة وكثيرة بل وضاغطة أيضاً لكن النقد اعتاد أن يبحث في كتابات المرأة باعتبارها خارجة عن الكتابة عموماً، كأنها خارج الخارطة، أو كأن لها مستعمرة خاصة بها، هناك بالفعل هذا الحرملك في النقد، الذي لا يساهم في وضع تجارب الشاعرات ضمن تجارب الشعر في العموم، فكيف يمكنك مثلا أن تتجاهل كتابات إيمان مرسال أو نجاة علي أو زهرة يسري، أو إيمان الابراهيم أو جومانا حداد أو سوزان عليوان أو دليا الشاوي أو نبيلة الزبير وغيرهن ، كيف تقلص التعامل معها فقط داخل حيز ‘ الكتابة النسوية !’، إنها أوسع! أظن أن تجارب الشاعرات في الوطن العربي ليست خجولة في ظهورها بالمرة، لكن ربما إلى جانب مشكلة النقد في التعامل معها، فهي أيضا مضرورة بالدرجة ذاتها، من حيث انتشارها وشهرتها، ذات الضرر الواقع على الشاعر الشاب في العموم، من حيث عدم امتلاكه وسائل الانتشار والشهرة. *كيف تقيمين تجربتك حتى اخر إصدار شعري لك؟ *بصراحة، لا أعرف! ولا أتمنى أن أقيم فأنا لم أنته بعد من الرحلة.. لكنني أحب تجربتي. لا أقصد هنا أي غرور أو أنانية أو تعال أو فخر.. فقط أحبها. كما تحب محبوبتك. أحبها ولا أعرف كيف أصفها أو أتكلم عنها. بالنسبة لي هي أقرب من أن أستطيع سجنها في حروف. إنها أنا على الورق، بكل تخبطاتي وتغيراتي ومواقفي وتساؤلاتي..إنها أنا بالفعل، وليس بالقوة. *ماذا أضاف لك الشعر وأين وصلت بك الرحلة معه؟ ماذا أضاف لي الشعر؟ لا أظنني كنت موجودة قبله أصلا! الشعر أعطاني روحي التي أحيا بها. ولا أقصد هنا شعري فقط، لكن شعر الآخرين أيضا. فماذا كنت سأفعل لو لم يكتب موريس دوجيران شعرا، أوجيرار دو نيرفال، أو كلودين هلفت، أو أمل دنقل، أو أبو القاسم الشابي، أو علية عبد السلام أو عيد الخميسي أو… كلهم كل الشعراء.. ماذا كنت سأفعل لو لم يكتبوا قبلي، ومعي وبعدي؟ بل وماذا كنت سأفعل لو لم أر كيف تكتب النخلة حياتها شعرا مع كل اهتزازة في الريح، لو لم تكتب ذبابة موتها ملتصقة على طلاء حائط طري مازال، لو لم تكتب الكرة الأرضية تصوفها في الدوران! ماذا كنت سأفعل؟ لم أكن لأوجد أصلا لو لم يكن الكون كله يكتب نفسه شعراً. *يقول عيد عبد الحليم في كتابه ‘الشعر النسائي في مصر’: ان فترة التسعينات قد شهدت انحساراً للإبداع الشعري النسائي في مصر فلم نكد نسمع عن اسم شاعرة في هذا الجيل باستثناء ‘زينب أبو النجا’ التي ظهرت لفترة قليلة ثم اختفت. ‘ ما رأيك أنت وهل هذا يعني بشكل من الأشكال أنك مقصرة؟ * لو كان الأستاذ عيد يعني ‘بالشعر النسائي ‘ الشعر الذي يتناول قضايا المرأة بصورة مباشرة، فأظن عنده حق، لأن أغلب شاعرات التسعينات كن معنيات بالأساس برصد وعرض مجريات الحياة كلها دون اتكاء على الجانب النسوي منها وحده، بل كن جديرات، ومازلن، بالتقدير اللازم لمن لا يلعب على وتر’قهر المرأة’ ليصبح مشهوراً. أظن ان شاعرات التسعينات، مثلهن مثل شعرائها، أغلبهم يعتبر الشعر وسيلة لفهم الحياة عن طريق إعادة ترتيب علاقاتها شعريا. أما عن جزئية التقصير، فبصراحة لا افهمها، فالكتابة ليست وظيفة حكومية ينبغي الدوام فيها من 9 إلى 3 والإمضاء يوميا بغية ‘إثبات الحضور’! وأغلب جيلي الذي أطلق عليه جيل التسعينات لا يسعى لل’مجد الأدبي!’ أو الشهرة الخ. لا. لست مقصرة. ولو كنت مقصرة في حق كتابتي لقتلت نفسي. * ولعل هذا الانحسار ـ نتج عن وجود ما يشبه التحزبات الشعرية في هذا الجيل وانقسام الشعراء إلى جماعتين شعريتين هما ‘إضاءة 77′ و’أصوات’ وكذلك انحسار فرص النشر نظراً للرقابة الشديدة على المطبوعات إلى أي حد ترين أن وجهة نظر عيد عبد الحليم صحيحة وواقعية؟ *هنا أنت تنتقل بي مع الأستاذ عيد إلى موضوع آخر، وجيل آخر، جيل السبعينات. ولم أكن حاضرة لحظات الذروة في هذا الجيل حتى أحكم عليها. في جيلي، إلى جانب ان النشر الورقي سهل أو تعذر، هناك الانترنت، والتي فتحت لنا أبوابا خارج الرقابة.* بتداخل الأجناس الأدبية وبانتشار قصيدة النثر اليوم أيمكننا أن نقول ان شهرزاد هذا العصر شاعرة؟ * بل يمكننا أن نقول ان الشعر عاد ديوان العرب، لأن الكتابة الشعرية الآن توثق تواريخ أشخاصها أكثر من أي شيء آخر، ومن تاريخ الأشخاص تكون تاريخ الدول. يمكننا أن نقول إن الشعر أصدق من نشرات الأخبار، وانه صار يعبر بالفعل عن أزمات المجتمعات التي يقع فيها وعن رغبات وطموحات وتطلعات شبابه، لأنه ببساطة بخرج منهم أنفسهم وبالطريقة التي يريدونها له أن يخرج. إننا لم نعد نملك حقيقة سوى حقيقة أننا نكتب. إننا ينبغي أن ندون و إلا ضاع التاريخ بين أشكال التزييف والتحريف التي تحدث له من قبل المستفيدين من ذلك. نحن لا نملك سلاحا سوى الكتابة، ربما يتعظ من بعدنا بما حدث لنا. شاعر وكاتب ليبي