ما أشبه اليوم بالبارحة.. عاد المصطلح المقدس “الخروج المشرف”، ليتصدر المشهد من المحيط إلى الخليج مساء الأربعاء، بعد الحسرة على خروج المنتخب التونسي، واستمرار عقدته الأزلية مع مراحل خروج المغلوب في نهائيات كأس العالم، رغم فوزه التاريخي على حامل اللقب المنتخب الفرنسي بهدف وهبي الخزري، ثم الصدمة السعودية، بظهور محبط وهزيمة بطعم العلقم أمام المكسيك.
يبقى القاسم المشترك في خروج الصقور الخضر ونسور قرطاج، هو الخوف أو التردد في اغتنام هدايا السماء في الوقت المناسب، وكما نعرف جميعا، كانت فرصة العمر في مباراتي الجولة الثانية أمام بولندا وأستراليا، فقط كنا بحاجة للخروج بأي نتيجة إيجابية، لكن في الأخير حدث السيناريو الأسوأ، بسقوط المنتخب السعودي أمام أصدقاء روبرت ليفاندوسكي، في نفس ليلة ندم المنتخب التونسي أمام أستراليا.
ولأن كرة القدم جزء من الحياة، لا تمنح الفرص إلا للراغبين، كما يقول تشي جيفارا، جاءت النهاية أتعس وأكثر قسوة وألما على النفوس، بسيناريو فاق أحلام الجميع بدون استثناء، يكفي أننا سنحاول إقناع الأجيال القادمة، أن الأخضر السعودي قهر المرشح الأول للفوز باللقب بقيادة أعجوبة القرن ليونيل ميسي، وفي الناحية الأخرى، حقق المنتخب التونسي أول انتصار عربي تاريخيا على حامل اللقب، لكنهما لم يتأهلان لدور الـ16.
بعد استعراض شريط المباريات الثلاث لكل منتخب، وبالأخص المباريات المفصلية، لم أجد مهربا من إلقاء الجزء الأكبر من المسؤولية على كلا المدربين، بالنسبة لجلال القادري، ستبقى رؤيته وطريقة إدارته لمباراة أستراليا، بمثابة الكابوس، الذي سيطارده في أحلامه لفترة ليست بالقصيرة، لأنه يعرف أكثر من الجميع، أنه كان بالإمكان أفضل مما كان، لو أعد اللاعبين نفسيا وذهنيا، بنفس الطريقة الحدة التي كانوا عليها في يوم مفاجئة الدنمارك بالتعادل السلبي.
الشاهد عزيزي القارئ، أن المدرب التونسي كان يحتاج لقليل من الجرأة أمام أستراليا، تماما كما لعب بالعامية “الكل في الكل”، أمام المنتخب الفرنسي، صحيح حامل اللقب لعب بقوام رئيسي أكثر من 70% من الشباب والبدلاء، لكن هذا لا يقلل من حجم الإنجاز التونسي، الذي جاء ليثبت أننا كعرب سواء في آسيا أو أفريقيا، نُجيد مناطحة العظماء، بالاستعداد والتحضير الجيدين، والعكس تماما مع المنتخبات المتوسطة والصغيرة، حيث نعاني الأمرين أمامهم سواء على مستوى النتائج أو الأداء، كما وثق كاتب التاريخ في هذا المونديال.
بالمثل المدرب الفرنسي هيرفي رونار، هو الآخر أبدع في إعداد لاعبي المنتخب السعودي ذهنيا ونفسيا قبل ملحمة الأرجنتين، لكن بعد ذلك، لاحظنا الهبوط المستمر في منحنى الأداء الفردي والجماعي لُجل اللاعبين، إلى أن وصل إلى الهاوية أمام المكسيك، كأن ما حدث أمام البرغوث ورفاقه كان نهاية المطاف، أو ربما أصيب اللاعبون بمتلازمة “رهبة ما بعد الإنجازات”، التي ذاقها كل مشجع عربي مع منتخبه بعد ارتفاع سقف الطموح، عقب كل إنجاز أو نتيجة تاريخية في كأس العالم والمحافل الأخرى الدولية.
لعل أشهر حالات هذه المتلازمة الملعونة في الماضي غير البعيد، انهيار الجيل الذهبي لمصر أمام أمريكا في كأس القارات 2009، بعد هزيمة من نوعية “مشرفة” أمام البرازيل وانتصار تاريخي على إيطاليا بطلة العالم، والأردن في تصفيات مونديال 2014 وإلخ، دليلا على أننا بحاجة أن نصدق أنفسنا ونؤمن بقدراتنا على تحقيق ما عجزت عنه الأجيال العربية السابقة بأخذ خطوة ما بعد “الخروج المشرف” من المونديال والمحافل العالمية.. نتمنى ألا يكون للمنتخب المغربي نصيبا في هذه المتلازمة، ويعوض الخروج الثلاثي العربي بتجاوز كندا وضمان الترشح للدور ثمن النهائي.