المونودراما الفلسطينية «الدانتيل»: أنشودة إلى حيفا تحاول استعادة الهوية

مسرحية «الدانتيل» التي كتبتها ومثلتها المسرحية الفلسطينية سلوى نقارة، وأخرجتها سوار عواد، تمثل رحلة هوية وتاريخا شفويا، فضاؤها مدينة حيفا بشوارعها وأحيائها وزمانها، قبل ومع امتداد الاحتلال الإسرائيلي. إنها تجربة مسرحية الممثلة الواحدة وكاتبة النص في آن واحد.
مسرحية «الدانتيل» ليس عمل سوار عواد الاول من هذا النوع، الذي تتعامل فيه مع ممثلة هي نفسها كاتبة النص، فقد سبق لها وقامت بإخراج عمل فني مماثل سنة 2018، هو مسرحية «آخر يوم في الربيع» التي كتبتها ومثلتها فداء زيدان، ليتضح أن سؤال الهوية هو قاسم مشترك بين مسرحيتي «آخر يوم في الربيع» و»الدانتيل» غير أن هذه المرة تلج سوار عواد عباب تجربة تراكمات فنية ونضالية، تجمعت في شخص سلوى نقارة، التي أودعت في «الدانتيل» هواجسها وتخوفاتها من فقدان الهوية المحلية والجغرافية لمرتع طفولتها وشبابها ووطن نشأتها، كتعبير عن كل ما يحدث في فلسطين. إنها رحلة بين الواقع والخرافة، بين الواقع المر والحلم المؤجل. عمل يتداخل فيه قبس سيرة ذاتية بما هو موضوعي. إنها رسالة حب مهداة إلى مدينة ساحرة، عانقتها سلوى نقارة من خلال لغة الرمز والإشارة والتصريح تارة والتلميح تارة أخرى وسخرية علنية.

العنوان

«الدانتيل» ذلك الثوب الجميل المنظر المنمق، لكنه مخرق، عنوان يترجم الخروقات والزيف في واقع محير، إنها وقفة تأمل في تاريخ مدينة حيفا القريب منه والبعيد. تفتتحه الكاتبة بالعودة إلى توظيف خرافة الغولة:
«الغولة، التي خلتنا نعيش الخوف واحنا صغار، واضحكتنا واحنا كبار».
فحكاية الغولة تبدو بريئة، لكنها تصبح حاوية، تحمل حمولة أزمة الحياة تحت سلطة المستعمر، والصراع الدائم مع كيان يتخذ كل مرة صورة الضحية واللعب على وتر الضعف وعدم الحول والقوة:
«انت تضرب الغولة، إنت بتتوهم إنها ماتت واستسلمت، لكنها تفاجئك بتقوم وتغف عليك وبتوكلك بأنيابها الطويلة والحادة».
ثم يجمل هذا الكيان صورته عالميا بما يملكه من إمكانيات متوزعة حول العالم كأخطبوط بآلاف الأذرع، من أجل ابتلاع الآخر.
«وإذا ظهرت الغولة بمظهر امرأة جميلة، هاي بتكون حيلة عشان تطمئن ضحيتها، وتوكلها بسهولة».

ضد تزييف الهوية

ويأتي العمل مزيج من أسلوب السرد الحكواتي والفعل الدرامي المجسد مسرحيا ومن ورائه ذكريات الكاتبة عن طفولتها، عن جدها، عن أمها، خروجها من القرية، ركوب الحافلة إلى ساحة الحناطير ثم إلى المدرسة في وادي النسناس في حيفا. إنه حكي يقربنا من الماضي بعيون الحاضر، بقسوته، بتشابكاته ومزيجه الذي تتداخل وتختلط فيه المفاهيم والمسميات. تحملنا نقارة معها في جولة ذاتية وموضوعية في آن واحد، تنسج فيها من خيوط مما لا يزال عالقا بالذاكرة خريطة حيز خاص، لكن في علاقته والتصاقه بما هو عام. نكتشف من خلال هذه الخريطة أوجه تهويد الأحياء والشوارع، عبرنة ومحو تاريخ المدن الفلسطينية ..
«المدرسة، الموجودة في حي وادي النسناس .. مش النسناس الأسطوري، النسناس الأسطوري هو نتيجة تزاوج ما بين شيطان مع إنسان، عنده نصف رأس، ونصف جسم، يقفز على إجر واحدة ويقوم بخطوات كبيرة!
مجرد لمسه للبشر، يقتلهم… لا مش هذا النسناس! وادي النسناس ما بخوف»؟

«الدانتيل» خزان أحداث ووقائع، سفر يجوب عوالم مهن وممارسات اختفت من عالم حيفا. حفر في وهاد هوية المكان والزمان، تصحيح الأسماء والدلالات، إعادة استحضارها في الزمن الحاضر، الإشعار بإتلاف الهوية، التي هي جزء من الماضي وبوصلة الحاضر وبناء المستقبل الفلسطيني، تأكيد على السمات الوطنية، قاعدة مسار الإنسان الفلسطيني المستقبلي. إنها تخاطب الأجيال القادمة، تؤكد أن لهم هويتهم بعلامات ورموز وطنهم، والاحتلال الذي يعمل بكل حزم على تغييبها. «أمشي مع شارع الحناطر. الحناطر هدول كانوا مخازن للبضاعة إللي تصل من المينا». «هذا كان قبل ما جففوا البحر اللي كان يوصل لحفة شارع الملوك، اللي اليوم اسمو شارع العتسمؤوت، عشان يوسعوا المينا».
إنها تعيد إلى الحياة ذكر ساحة كان يلتقي فيها الشرق والغرب، كسر نبوءة، ساهمت قبل الاحتلال في ربط حيز كبير من دول الشرق العربي، نقل السلع والبضائع ومجال تجارة بين لبنان، مصر، سوريا وحتى آسيا، كما ساهمت الحناطير في نقل المسافرين والمتسوقين القاصدين السوق التركي، وشوارع مثل شارع يافا الذي أصبح اسمه اليوم شارع نتانزون.
«والقسم الأخير من شارع يافا، صار اسمه اليوم شارع ههغنا، أو شارع وادي الصليب الذي يحمل اليوم اسم بال ـ بام».
إنها تستحضر من خلال هذا الشارع أحداثا تاريخية عاشها هذا الجزء من حيفا: «سنة الـ59 المهاجرون اليهود من أصل شمال افريقيا، ضاقت روحهم من التعامل العنصري ضدهم، من قبل دولة إسرائيل، أعلنوا ثورة، وسموها «عصيان وادي الصليب». واليهود من أصل شمال افريقيا، طلعوا كل غضبهم على مباني وادي الصليب، كسروا، قلعوا، خربوا، هدوا، نهبوا، وحرقوا».
وأمثلة كثيرة عن التحريفات وتغيير أسماء الأحياء والشوارع في حيفا.

حيفا فضاء مسرحي

لقد اختارت الممثلة والكاتبة سلوى نقارة، التي ولدت في جبل الكرمل في مدينة حيفا، فضاء مدينتها والمسرح كجنس أدبي للتعبير من خلال مساهماتها العديدة في مسرح حيفا وغيرها من المسارح داخل الوطن وخارجه، مواصلة الطريق الذي بدأه والدها حنا نقارة، الذي كان ناشطا في الدفاع عن حقوق المواطنين الفلسطينيين ضد التميز والاحتلال، من أجل التعايش العربي اليهودي. فقد قررت بلدية حيفا تسمية شارع في حي واد النسناس باسمه، نقارة حداد. كانت سلوى طالبة مشاغبة اختارت المسرح بدل الرياضيات والعلوم، وترجمت هذا الشغب إلى فقرات في مسرحيتها الدنتيل:
«وصلت البوابة، الحارس كان واقفا هناك، رجعت، طلعت على ساحة المدرسة، نزلت الشنطة عن ظهري، شولاحتها من فوق السور، تعمشقت على شجرة السنديانة، ونطيت وراء الشنطة، هذا الدرس أنا حفظته عن غيب».
بعد القفز هذا تستحضر أحداثا قاسية تسردها في أسلوب حكي درامي، كأنها وليدة الأمس. فكل جزء من المدينة له قصة وكل شارع له حكاية، وكل حي له ذكرى مأساة الشعب الفلسطيني:
«وقفت، بالضبط، بملتقى، شارع مار يوحنا مع شارع الخوري، هون، بالضبط وين الهغناه ــ منظمة عسكرية صهيونية، معناها الدفاع ــ حطوا الحاجز، بعد ما لموا ما تبقى من عرب حيفا في 48، العرب اللي ما قبلوا يشوفوا طريق الهروب، اللي دلتهن عليه جماعة الهغناه، وكان عددهم يا دوب الـ3000 نسمة، وجابوهم وحجزوهم داخل وادي النسناس».

السخرية

لم تقدم مسرحية «الدانتيل» عالم حيفا مقتصرة على الحِس التراجيدي، بل أيضا بعيون السخرية المرة، عيون طفلة تتبع نبضات وحركات ما يدور حولها في عالم يصدح بالشعارات، والألقاب الجوفاء:
«رفعت عيوني، وشنطة الجلد على ظهري، وتطلعت على البلكون اللي فوق بلكونة ستي ندى. (بغضب) .. «هاي، بلكونة الرفيق المناضل المفكر العريق المكافح، الزعيم، الشيوعي، الماركسي، اللينيني، التروتسكي، الستاليني، البروليتاري، الديناميكي، الاشتراكي، الثوري، الشريف، القائد، الخالد، الفضيل، العظيم، الفذ، العنيد، هلي يا جبل ما تهزك ريح… ساكن هناك. وهذا الرفيق الطويل الرفيع، احتفل بعيد استقلال إسرائيل، بعد اقامة الدولة، سنة 49». «كان مهرجان مطنطن على الآخر، طلع الرفيق المناضل، العريق، الثوري، الشريف، على المنصة وقال: «نحتفل بإقامة دولة إسرائيل، هو انتصار مبدأ حق تقرير المصير للشعب اليهودي في أرض إسرائيل».
وقال: «نحتفل بهزيمة الاستعمار وفشل الحملة العدوانية لجيوش الحكام العرب الرجعيين». وقال:» نشكر الاتحاد السوفييتي الذي كان الداعم الأكثر مثابرة وصدقا في حربنا للاستقلال».
لم تقدم سلوى نقارة حكاية عالم غيرها، بل حكايتها الذاتية، حكاية مدينتها، شعبها وهويتها، التي رتقتها في نسيج من الأحداث والشخصيات والوقائع كوثيقة سردية تاريخية من ظاهر العمر الزيداني ــ حاكم فلسطيني في فترة العثمانيين ــ إلى مجزرة الأتراك في الأرمن، حتى حكايات التراث الفلسطيني. من ناحية أخرى استطاعت سوار عواد أن تخلق إطارا سينوغرافيا جماليا مرنا، يمنح المسرحية إمكانية العرض والتكيف مع كل الفضاءات، وقابلية التأقلم مع كل المواقف الفنية.

كاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية