صدمات وثورة الضعفاء.. ظواهر مريبة لجبابرة كأس العالم!

عادل منصور
حجم الخط
0

بلغت الإثارة ذروتها في نهائيات كأس العالم قطر 2022، بكم غير مسبوق من الصدمات الكروية والمفاجآت المدوية في نسخة واحدة، بداية بما وُصفت بمعجزة القرن، بالفوز التاريخي للمنتخب السعودي على ليونيل ميسي ورفاقه في المنتخب الأرجنتيني في الجولة الافتتاحية، مرورا بما عُرفت إعلاميا بانتفاضة الضعفاء أمام منتخبات الصفوة، نهاية بالسقوط المحرج للمنتخب البرازيلي أمام الكاميرون في ختام مرحلة المجموعات، ضمن مجموعة من الظواهر التي تثبت لنا من مباراة لأخرى أننا محظوظون بمشاهدة أجمل مونديال في كل العصور.

 

أبرز الضحايا

واحدة من أهم الظواهر أو الرسائل التي هزت عرش جبابرة وعظماء كأس العالم، تلك التي تكمن في تحطم المقدسات والمعتقدات القديمة، بأن الأفضلية والتفوق أشبه بالحق المكتسب لمنتخبات الصفوة أمام منتخبات دول العالم الثالث كرويا، والدليل على ذلك، لم يفلح أحد في جمع العلامة الكاملة في المباريات الثلاث في مرحلة المجموعات، وأيضا لم يتمكن أي حارس من الحفاظ على شباكه نظيفة، وبالنظر إلى أبرز ضحايا ما يمكن وصفها بمرحلة المجموعات الأكثر جنونا في تاريخ أم البطولات، كان بطل العالم النسخة قبل الأخيرة، والإشارة إلى المنتخب الألماني، الذي سبب حرجا مضاعفا لجماهيره، مرة بالألم النفسي والمعنوي، جراء صدمة الخروج المبكر من الدور الأول للمرة الثانية، ومرة أخرى بالموقف المعادي للبلد المنظم وتقاليد وعادات الدول الشرقية، بالإصرار على موقف الدولة السياسي من شارة علم “الريمبو”، بتلك الطريقة التي خسفت بشعبية منتخب الماكينات، الأرض على الأقل في الدول الناطقة بلغة الضاد، إثر الحركة الاحتجاجية، التي أُجبر عليها اللاعبون في برتوكول التقاط الصور التذكارية قبل المباراة الافتتاحية أمام اليابان، وبلغة الشامتين في الفضيحة الألمانية، في ليلة خسارة الكرامة والنتيجة أمام الساموراي الياباني.

 

اتفق كوكب المركولة المجنونة، على أن المنتخب الألماني سافر إلى عاصمة كرة القدم، مختوما برسالة سياسية خاسرة، أو كما نقول في الوطن العربي ليس للاعبين فيها “لا ناقة ولا جمل”، كأن الاتحاد الألماني، تعمد شراء عداء الدولة المنظمة والجماهير العربية، مثلما شاهدنا غطرسة وزيرة الداخلية نانسي فيزر، وهي توثق صورها مرتدية الشارة الملونة، وسط حماية رئيس مؤسسة الفيفا جياني إنفانتينو، تزامنا مع اللقطة الاستفزازية للاعبين، بوضع أيديهم على أفواههم، اعتراضا على قانون الاتحاد الدولي، بمعاقبة من يحمل تلك الشارة، بحصوله على بطاقة صفراء بمجرد إطلاق صافرة بداية المباراة، ما أثار غضب واستياء ربما 99.9 من العرب، كما وضح الحملة الشعواء التي تعرض لها هانز فليك ورجاله، بحفلات تفوح منها السخرية والتشفي في العالم الافتراضي، ودعم منقطع النظير لكل خصوم المنتخب الألماني، وهذا أثر بشكل سلبي على اللاعبين، الذين لعبوا في أجواء أقل ما يُقال عنها صادمة، بالنسبة لمنتخب من المفترض أنه كان قبل المونديال، يحظى بشعبية جارفة تحاكي البرازيل والأرجنتين وإيطاليا في المنطقة العربية، إلى المنتخب الذي يتحالف ضده الصغير قبل الكبير، ولعلنا شاهدنا الاحتفالات الصاخبة في ردود أفعال العرب على خروج ألمانيا من الدور الأول، وإضافة إلى ما سبق، لم يظهر المنتخب الألماني بالثوب أو النسخة المعروفة عنه، كمجموعة أشبه بالمحركات التي تصنع في بافاريا، أو ما يُعرف منذ سنوات بالواقعية الألمانية، التي وُصفت من قبل بأن “كرة القدم عبارة عن مباريات تُلعب وتنتهي بفوز ألمانيا”، ولاحظنا مدى سهولة اختراق الدفاع واصطياد شباك الحارس مانويل نوير، بإجمالي 5 أهداف في 3 مباريات، ناهيك عن صداع غياب عملة المهاجم الجلاد بالتصميم الألماني المتوارث منذ جيرد مولر وكلينسمان وكلوزه، فكانت الضريبة، السير على خطى الجارة إيطاليا، بالتجرع من لعنة الفوز بكأس العالم، بالخروج من دور المجموعات مرتين على التوالي بعد معانقة اللقب، تماما كما حدث مع أسياد الدفاع في نسختي 2010 و2014، بعد معانقة الكأس الرابعة في برلين 2006.

 

ترنح جماعي

بالإضافة إلى الناسيونال مانشافت، شهد المونديال القطري صدمات أخرى أحدثت هزة في أوروبا والجزء الغربي للكرة الأرضية، بخروج ما مجموعه 5 منتخبات من القارة العجوز واثنين من أمريكا الجنوبية، منها منتخبات كانت مرشحة للذهاب بعيدا في المسابقة، والحديث عن ثالث النسخة الماضية المنتخب البلجيكي، الذي حطم آمال عشاقه، بالعودة إلى زمن ما قبل الجيل الذهبي، بمستوى يندرج تحت مسمى “باهت” مع نتائج كارثية، عجلت بخروجه من البطولة، مكتفيا بالمركز الثالث في مجموعة الموت السادسة، بحصوله على ثلاث نقاط في المباراة الأولى أمام كندا، وتعادل سلبي في لقاء الفرصة الأخيرة أمام كرواتيا، بعد السقوط المذل أمام المغرب بثنائية نظيفة في الجولة الثانية، وجزء كبير من خيبة الأمل هذه، يقع على عاتق المدرب الإسباني روبرتو مارتينيز، الذي ظل متمسكا بعواجيز الجيل الذهبي، بالاعتماد على كثير من الأسماء التي نشاهدها بقميص الشياطين الحمر منذ مونديال البرازيل 2014، بدلا من الاستفادة من خبراتهم، بطريقة تحترم أعمارهم بعد تخطي حاجز الـ30، وبالمثل عاش المنتخب الدنماركي نفس المأساة، من منتخب كان مرشحا فوق العادة ليكون الحصان الأسود في الدوحة، وذلك بطبيعة الحال استنادا إلى نتائجه المرعبة مع فرنسا في البطولة المستحدثة دوري أمم أوروبا، وقبلها الحملة الجريئة في يورو 2020، لكن على أرض الواقع، خرج بحصيلة تكاد تكون صفرية، بالاكتفاء بتسجيل هدف يتيم في مباراة الهزيمة أمام حامل اللقب، في المقابل اهتزت شباكه 3 مرات، لينهي مشواره في ذيل المجموعة الرابعة بنقطة يتيمة، متأخرا بثلاث نقاط عن المنتخب التونسي صاحب المركز الثالث و5 نقاط كاملة عن المتصدر والوصيف الأسترالي.

 

وكما أُسدل الستار على الجيل الذهبي للمنتخب البلجيكي، أيضا تعرضت أوروغواي لصدمة مماثلة، بانتهاء جيل لويس سواريز وإدينسون كافاني، في واحدة من كبرى مفاجآت المونديال القطري، رغم الصحوة المتأخرة، التي أسفرت عن افتراس المنتخب الغاني بثنائية نظيفة قابلة كانت للزيادة للضعف على أقل تقدير، وذلك في الوقت الذي تخلى فيه كريستيانو رونالدو ورفاقه عن المنتخب اللاتيني، بسقوط مدوي –تقليدي في قطر- أمام كوريا الجنوبية في نفس التوقيت، لينتهي المطاف بأوروغواي في المرتبة الثالثة، برصيد 4 نقاط، بفارق هدف عن أحفاد شمشون، في حين بدا وكأن المنتخب الصربي لم يتعلم من أخطاء الماضي غير البعيد، باستنساخ سيناريو فشله الذريع في روسيا 2018، بالتجرع من مرارة الهزيمة أمام البرازيل، وأيضا الجار المسلح بدماء وعروق أعداء كوسوفو، المنتخب السويسري، الفارق أنه هذه المرة، فرط في انتصاره على الكاميرون، بينما في موسكو، فاز على كوستاريكا بهدف طيب الذكر كولاروف، أما المنتخب الويلزي، فكان أتعس وأسوأ ممثلي القارة العجوز، بحصيلة ونتائج متواضعة للغاية، باستثناء التعادل الإيجابي مع الولايات المتحدة الأمريكية بهدف لمثله، سجله القائد غاريث بيل، كأول هدف لمنتخب الغال منذ المشاركة الأولى في نسخة البرازيل 1952، بعدها انهار أمام المنتخب الإيراني، بعد أيام تعد على أصابع اليد الواحدة، لهزيمة فريق كيروش أمام المنتخب الإنكليزي بسداسية، وفي الأخير، انحنى في الديربي البريطاني بثلاثية مع الرأفة، فيما كان منتخب الإكوادور، الأسوأ حظا من ضحايا أوروبا وأمريكا الجنوبية في الدور الأول، نظرا لبدايته المشرقة، التي عصفت بالبلد المنظم بثلاثية في المباراة الافتتاحية للبطولة، ثم بالتعادل الإيجابي مع الطواحين البرتقالية، قبل أن يفرط في تأشيرة اللعب في دور الـ16، بهزيمة غير متوقعة أمام المنتخب السنغال، في غياب قائده وملهمه ساديو ماني في ختام المجموعات.

 

ثورة الضعفاء

صحيح مونديال كوريا الجنوبية واليابان 2022، شهد بعض المفاجآت التاريخية، أبرزها الانتصار السنغالي الخالد على حامل اللقب آنذاك المنتخب الفرنسي في المباراة الافتتاحية، وذهاب كوريا وتركيا إلى المربع الذهبي، لكنه في المجمل، لم يشهد هذا الكم من الصدمات والنتائج المخالفة للمنطق والعقل، سواء من حيث الفوارق التاريخية أو جودة الأفراد داخل المستطيل الأخضر، فيما عُرفت بثورة الضعفاء، وفي رواية أخرى انتفاضة الفرق العربية والآسيوية والأفريقية، التي ستخلد في كتب التاريخ، والتي فجرها المنتخب السعودي، بالريمونتادا والمباراة الأعظم والأهم في تاريخ الصقور الخضر أمام التانغو الأرجنتيني، فيما كانت أشبه بالثورة التي فجرت غضب الضعفاء في وجه الجبابرة وأسياد كأس العالم، والمثير للدهشة، أن الأخضر سار على نهج مفجري الثورات، تجسيدا لمقولة نابليون بونابرت “في الثورة هناك نوعان من الناس.. من يقومون بالثورة ومن يستفيدون بها”، وكان واضحا أن المنتخب السعودي هو “عراّب” الثورة، التي استفادت منها باقي المنتخبات العربية والآسيوية والأفريقية، حتى أنه دفع ضريبة باهظة الثمن، بهزيمة عكس أحداث المباراة أمام بولندا، ثم بالانهيار العظيم أمام المكسيك، عكس باقي الحلفاء في آسيا وأفريقيا، الذين حجزوا 5 مقاعد في دور الـ16، بحصيلة تاريخية لممثلي القارة الصفراء، بالتواجد بالثلاثي أستراليا واليابان وكوريا الجنوبية، على حساب منافسين أكثر منهم خبرة وتمرسا على هكذا مواعيد، كما انتفضت النينجا الياباني في وجه بطلي العالم السابقين ألمانيا وإسبانيا في معارك المجموعة الخامسة، مفجرا مفاجأة من الوزن الثقيل، بالحجز على صدارة هذه المجموعة على حساب منتخب لا روخا، تاركا ألمانيا في المركز الثالث المؤدي إلى مطار “حمد الدولي”، وبالمثل نجح هيونغ مين سون ورفاقه في المنتخب الكروي، في إقصاء واحد من المحظوظين بالتتويج بكأس العالم مرتين، والحديث عن منتخب أوروغواي، بفضل الانتصار التاريخي الذي تحقق على حساب أصدقاء كريستيانو رونالدو في المنتخب البرتغالي، بنفس نتيجة فوز اليابان على الثنائي الأوروبي، بهدفين لهدف، وأيضا بعد التأخر في النتيجة، ليقتنص المنتخب الأسيوي المقعد الثاني في المجموعة السابعة، بأفضلية الأهداف عن المنتخب اللاتيني العريق، ضمن غرائب وعجائب المونديال، التي لم يتوقعها أحد قبل إطلاق صافرة البداية.

 

الحصان الأسود

كل ما سبق في كفة، وما يفعله المنتخب المغربي في كفة، باعتباره الحصان الأسود الحقيقي في البطولة، بعروضه ونتائجه التي ربما فاقت أحلام أكثر المتفائلين في البلاد، بداية بإحراج وصيف النسخة الماضية المنتخب الكرواتي في اللقاء الافتتاحي الذي انتهى على نتيجة البياض، ثم بترويض الشياطين الحمر بثنائية نظيفة، وتجاوز كندا في اللقاء المفصلي على بطاقة الترشح للدور الثاني، كرسالة شديدة اللهجة، مفادها أن وليد الركراكي ورجاله، جاؤوا إلى قطر بحثا عما هو أهم وأعمق من المقولة الشهيرة “الظهور المشرف”، بالأحرى بطموحات تلامس عنان السماء، متسلحا بأصوله وجواهره الثمينة، متمثلة في إبداع حكيم زياش والنصيري ومزراوي وحكيمي وباقي أفراد الكتيبة، الذين وصلوا فعليا لقمة الانسجام والتناغم على المستوى الفني، مع تأقلم اللاعبين ودخولهم أجواء البلد والبطولة، فقط يتبقى تأكيد أحقيتهم بلقب الحصان الأسود الجامح في المونديال، بإزاحة إسبانيا في سهرة ملعب “المدينة التعليمية”، المقررة بعد غد الثلاثاء، هذا بخلاف الصدمات والمفاجآت الأخرى التي لم تكتمل بالطابع الهوليودي، أبرزها معجزة تونس أمام حامل اللقب المنتخب الفرنسي في المباراة الختامية للمجموعة الرابعة، بفوز عربي غير مسبوق على المنتخب المعروف باسم حامل اللقب، ضمن الانتصارات الأربعة التي حققتها المنتخبات العربية، في رقم قياسي غير مسبوق في نسخة واحدة، لكن في الأخير، لم تكن النهاية سعيدة، إثر الخذلان الدنماركي أمام أستراليا، نفس مشاعر المرارة والخذلان، التي شعر بها الشعب الكاميروني تجاه صربيا بعد خسارتها أمام سويسرا، في الوقت الذي ختم فيه أبو بكر مشواره الدولي بلقطة ستبقى عالقة في الأذهان لعقود، برأسيته التي احتضنت شباك السيليساو في الوقت المحتسب بدل من الضائع، كأول انتصار بالصبغة الأفريقية على المنتخب الأكثر تتويجا بكأس العالم، بيد أنه لم يكن كافيا لمرافقة أصدقاء نيمار إلى الدور الثاني، لانتهاء المباراة الأخرى بالنتيجة الوحيدة التي تطيح بالأسود غير المروضة من البطولات، وختاما من هذا الاستعراض لموجز الدور الأول، يمكننا أن نفهم أو نستنتج أن المفاجآت والصدمات المدوية ستبقى العنوان الرئيسي لهذه المونديال المجنون.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية