بين الخطر الإيراني «المرحلي» والإسرائيلي «الدائم» العينُ على ظاهرة العمليات الفلسطينية المنفردة

رلى موفّق
حجم الخط
1

لطالما كانت القضية الفلسطينية هي القضية المركزية والأولى للعرب. قبل عقود، ما كان السؤال ليُطرح عما إذا اختلف الحال. اليوم أصبح هناك نقاش في هذه المسألة، ليس فقط على مستوى الحكّام والأنظمة إنما أيضا على مستوى الشعوب. ثمة مخاوف من أنَّ الجيل الجديد لن تسكنه القضية كما سكنت عقول وقلوب ووجدان الأجيال السابقة، ولن يلتفَّ حولها ويحضنها كما فعل أسلافه. البعض يعزو تلك المخاوف لاعتبارات عدة، لعل أبرزها فقدان الأمل بإمكان استرجاع الحقوق نتيجة الخيبات المتلاحقة من السياسات في مواجهة الاحتلال، الذي يمضي في قضم الأرض والاستيطان والحصار ونكث اتفاقات السلام، حيث يُشكِّل «اتفاق أوسلو»، بعد 30 عاماً على توقيعه، النموذج الحيّ لنسف إسرائيل كل مضامينه ولفشل التجربة.
ثمّة عوامل طرأت على الواقع العربي ساهمت في تبدُّل الأولويات لدى الدول والأنظمة وحتى الشعوب. تهديد إيران لجوارها، ولا سيما لدول الخليج ومحاولة محاصرتها، وتصديرها لمشروعها العقائدي ومدّ نفوذها السياسي إليها، وتمددها الأمني والعسكري – عبر أذرعها – إلى كل من اليمن، والعراق، وسوريا، ولبنان، والأزمات الاقتصادية لبعض الدول العربية شكّلت أوراق ضغط قوية بيد الغرب، فباتت ضمانة الدعم الغربي تُقابلها أثمان وتسويات واتفاقات وتنازلات في قضايا أخرى، ومنها ما هو متعلق بالصراع العربي – الإسرائيلي، والفلسطيني – الإسرائيلي.
أحد دوافع «اتفاقات أبراهام» التي صاغتها بعض الدول الخليجية العربية مع تل أبيب هي محاولة إيجاد توازن في وجه التهديدات الإيرانية. هذه دوافع فعلية ويمكن تبريرها والدفاع عنها إزاء الأخطار التي يمكن اعتبارها وجودية، لكن باحثين وسياسيين، وإنْ أبدوا اقتناعاً بذلك، يرون أن الخطر الإيراني مرحليّ، وهو مرتبط بالنظام الديني المذهبي القائم حالياً في إيران وأحلامه الإمبراطورية، وقد لا يُكتب له طول العمر، فقد سبق أن واجه هزّات داخلية، ويُواجه اليوم تحدياً حقيقياً، وسيواجه غداً تحديات مماثلة لأنه يحرم شعبه من الرفاهية في سبيل أهدافه التوسعية خارج الحدود، وتغلغله في مجتمعات الدول الأخرى وشعوبها وضرب استقرارها، وهو نظام لن يصبح مقبولاً وضامناً للحياة من دون تغيير لرؤيته ومشروعه.
أما إسرائيل، فقامت منذ بدايات القرن العشرين، وبعد احتلال فلسطين على أساس مشروع توسّعي وسيطرة ونفوذ وهيمنة سياسية واقتصادية وثقافية على المحيط العربي، وتلقى كل أشكال الدعم الغربي الذي يتجنّـدُ في سبيل حمايتها، وهي تتمدّد عبر اتفاقات السلام الاختيارية مع بعض الدول العربية إلى العقل العربي، فيما يقوى مشروعها الديني العقائدي بتمدّد الفكر اليميني المتشدد لدى الجيل الجديد. هي تُشكّل الخطر الدائم، وإن بدا أن المشروع الإيراني هو التهديد الحالي، وهذا ما سيتم اكتشافه مستقبلاً.
ما لفت المتابعين هي ردَّات فعل الشباب العربي من غالبية الدول العربية في «مونديال قطر»، الذين رفضوا إجراء مقابلات مع الإعلام الإسرائيلي اعتراضاً على السياسات الإسرائيلية حيال الفلسطينيين. ردَّات الفعل العفوية تلك تُظهر أن القضية الفلسطينية ما زالت حاضرة في وجدان أكثرية الشعوب العربية. لا بل إن أفضل طريق فعليّ للدخول إلى العقل العربي هو الموضوع الفلسطيني، وهذا ما التقطته الثورة الإسلامية الإيرانية بعد تولّيها الحُكم. رفعت لواء الدفاع عن القضية الفلسطينية وتبنّت دعم المقاومة بالسلاح، للدخول إلى قلب الشارع العربي وتنفيذ مشروعها بالاستيلاء التدريجي على العقل العربي وتالياً على السياسات والدول العربية. المفارقة – يقول هؤلاء المتابعون – أن الإيرانيين الذين التقاهم الإعلام الإسرائيلي في الدوحة تحدثوا بأريحية واعتبروا أن لا مشكلة لديهم مع إسرائيل.
على أن الرهان في «نوستالجيا» القضية الفلسطينية يبقى على المستقبل وما يمكن أن يحمله من تحوّلات. هنا، تبرز ظاهرة العمليات الفدائية الفردية التي ظهرت منذ أشهر في الضفة الغربية وغزة، وهي عمليات، بنظر المتابعين، تخرج عن هيمنة الأحزاب والفصائل والسلطة الفلسطينية. هؤلاء الشباب عايشوا فشل مسار السلام الذي تبنّته منظمة التحرير، ووجدوا أن لا شيء يُعيد تحريك الأوضاع الساكنة ويحدُّ من الجبروت الإسرائيلي المستمر بتصعيده، سواء في بناء المستوطنات أو الحصار وإضعاف القيادة الرسمية، إلا إعادة بناء قوة خارج نطاق السلطة والفصائل من خلال العمليات المنفردة.
الاقتناع السائد حتى لدى مؤيدي السلام أن اليمين الإسرائيلي يستفيدُ من العقلية الفلسطينية الرسمية المستمرة بالمراهنة على السلام. فرغم فشل «اتفاق أوسلو» وكل محاولات الحوار والتفاوض ومواصلة سياسة القمع والاضطهاد والاستيطان وقضم الأراضي والحصار السياسي والاقتصادي والمالي، لم تخرج السلطة من نطاق المراوحة، وما زالت تُراهن على السلام المطلق، وهذا خلق لدى إسرائيل المعادلة الراهنة بأن الاستمرار في التصعيد يؤدي إلى تحصيل المزيد من المكاسب، والمزيد من التنازلات من الجهة المقابلة، سواء أكانت فلسطينية أم عربية. باتت هذا المعادلة عنصر قوّة للطرف الإسرائيلي الذي يزداد تشدداً وينحاز جيله من الشباب إلى موجات التطرّف اليميني. فجاءت العمليات الفلسطينية الفردية من الجيل الفلسطيني الجديد الذي لم يعشْ زمن الكفاح المسلح، ولا زمن الانتفاضات، لتعطي أملاً بإمكان بروز معطى جديد من شأنه أن يخلق نوعاً ما من التوازن المفقود ويلجم إسرائيل.
أهمية الظاهرة الجديدة، في رأي مؤيدي القضية الفلسطينية وداعميها أن الشباب الذين نفذوا تلك العمليات قرروا الخروج عن الأُطر التقليدية للتنظيمات الفلسطينية التي انتمى إليها آباؤهم وأرادوا استعادة الحيوية الفلسطينية، وهي ظاهرة تُعيد بث الروح في «قضية العرب الأولى»، ليس فقط عند العالم العربي، إنما أيضاً داخل الأراضي المحتلة، وتُعيد الأمل بإمكان أن يُصحِّح هذا الطريق المسار من جديد لسلام ارتضته القيادة الفلسطينية الرسمية الممثلة للشعب الفلسطيني والعرب في حل الدولتين: دولة إسرائيلية وأخرى فلسطينية مستقلة وفق حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وليس أقل!.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية