في الفيلم التاريخي “الوطني” من العام 2000 من بطولة مل جبسون كقائد ميليشيا وسيم في حرب الاستقلال الأمريكية، مشهد فظيع يغلق فيه جنود بريطانيون الكنيسة على نساء وأطفال ويحرقونها بمن فيها. رغم وجود إجماع تاريخي بأن حدثاً كهذا – يذكر بالطبع بأفعال النازيين، ولم يحصل في الحرب إياها – لا أذكر احتجاجات أو دعوات للمقاطعة ضد الفيلم. رغم الشكاوى الهزيلة لدى المؤرخين، كان واسع الرواج في الولايات المتحدة وإسرائيل وحتى في بريطانيا.
“الوطني” فيلم غبي، وسطحي ومنكر، وهكذا هو الفيلم الأردني موضع الحديث “فرحة”. كناقد سينمائي، خسارة إضاعة الكثير من الكلام عليه: ما يبدأ كفيلم نضوج شخصي فج جداً عن فتاة فلسطينية في 1948، ينتهي كـ “عازف بيان” للفقراء تنظر فيه البطلة من مكان مخبئها لترى الفظائع من حولها – وعلى رأسها ذاك المشهد الذي يطلق فيه جنود إسرائيليون النار على مدنيين ويتركون وليداً ابن يومه لحتفه. نحصي بين الفظائع الإضافية لكنة المجندة الإسرائيلية التي أضيفت إلى القوة والتي بدت كمسافرة في الزمن أطلقت اليوم من حرس الحدود إلى الـ 1948، وأنف الضابط الذي امتشق من كاريكاتير في أوروبا في بداية القرن الماضي.
العنوان الغامض قصداً “بإلهام من أحداث حقيقية” (أي أنه لا يستند إلى معركة معينة، بل بزعم المخرجة إلى قصة سمعتها من أمها، هي أيضاً سمعتها بدورها من لاجئة فلسطينية في سوريا) – يعطي حرية تلاعب كافية. في ضوء حقيقة أن ما يكفي من الأحداث القاسية وموضع الخلاف وقعت في الحرب إياها – أقول بحذر وليس كمؤرخ، أن إضافة قتل وليد إلى جملة الأفعال النذلة، هو ما كان يسميه مل جبسون “سينما حكاية مصنوعة جيداً”. هكذا فعل عدد كبير من أفلام هوليوود للروس والهنود والعرب.
قد نفهم إحساس الإسرائيليين الذين يشعرون الآن، وبالتأكيد في ضوء حقيقة أن 1948 أقرب إلينا بكثير من 1776، وفي الوقت نفسه يمكن أن نسأل المشاهدين الذين لم يشاهدوا والسياسيين الذين سارعوا للحماسة: ماذا حصل؟ هل انتهت الأفلام التشهيرية من إسرائيل فانتقلنا إلى الأردن؟ هل أنهينا من التهديد على البث السينمائي الإسرائيلي فانتقلنا إلى فحص قوتنا أمام نتفليكس؟ (تلميح: يوجد لها 220 مليون مشترك، إسرائيل -حسب التقديرات السخية- تتراوح حول المليون. اجروا الحساب).
الشعار السخيف: “حرية التعبير ليست حرية التمويل”، الذي اختلقته ربة الرقابة اليمينية ميري ريغف- ينكشف في هذه القضية بعريه عند محاولة إخفاء فيلم أجنبي سبق أن اكتمل. مفهوم أن كل مبادرات المقاطعة التي قامت بها نتالي ددون وأمثالها تزيد الاهتمام حول “الفيلم الذي أغاظ إسرائيل” ولم ينل اهتماماً كبيراً حتى الآن. أنا واثق أن المخربة الكويتية التي تقيم في عمان راضية.
ما يتبقى، بعد أن زدنا مداخيل الفيلم في نتفليكس، هو أن ننكل بالمحافل الثقافية في البلاد والتي تتجرأ على بثه، وبشكل عجيب يدور الحديث دوما عن البدء بالعرب. إن محاولة نزع الأموال من مسرح “السرايا” في يافا من جانب وزير الثقافة تروبر ووزير المالية ليبرمان، لن تمس بالمنتجة وبشركة الإنتاج، وبنتفليكس ولو بفلس واحد، ولكن قد تتسبب بأخلاق إضافية أخرى في البلاد تتجرأ على الخروج عن التيار الأساس للانغلاق وللآخرين بالحذر. الوحيدون الذين تأذوا هم الإسرائيليون، الذين يتعرضون إلى مزيد من القيود على الحوار ومزيد من القليل من قدرتهم على فهم المجال الذي يعيشون فيه (وموقف المونديال منا بين مدى أهمية الأمر). هذه هي القيمة الوحيدة التي في “فرحة” – فيلم صغير ضرره الأساس الآن ليس التشهير بإسرائيل في الماضي، بل بتحولها إلى ديمقراطية أقل قوة في الحاضر، بالهدف الفاخر الذي نسجله في مرمانا.
بقلم: بنيامين طوف – آس
يديعوت أحرونوت 4/12/2022