في سبعينيات القرن الفائت، ظهرت في مدينة البصرة مجموعة من الشعراء الشباب، وهم مهدي محمد علي، عبد الكريم كاصد، مصطفى عبد الله، وحسين عبد اللطيف، أطلقوا ما يمكننا عدّه أهم ما ظهر في ذلك العقد، وهو ما أطلقوا عليه، حينها،» القصيدة اليومية» في سعيٍ، منهم، إلى كتابة قصيدة متجردة من الحمولات التي أثقلت الشعر العراقي، حينذاك، وأخص بالذكر منها، حمولاته الأيديولوجية الشعاراتية، والأسطورية.
وقد تبنى شعراء آخرون هذا المشروع دون إشارة – حتى- إلى شعرائه الأربعة السالفي الذكر. أحد المتبنين، وأكبرهم موهبة، هو الشاعر سعدي يوسف، ما أكسب قصيدته جدةً، وزخما، كانت في مسيس الحاجة إليهما.
حديثنا، اليوم، عن الفقيد مهدي محمد علي، الذي فاجأ الجميع بقصائد نثرية لا مثيل لجرأتها في درجة اقترابها من اليومي المهمل والهامشي، ولا مثيل لها – أيضاً- في فتنتها التي لا تني تتجدد مع كل قراءة جديدة. لقد وضع شاعرنا في نصوصه تلك عصارة موهبته الفريدة، التي تكفل المنفى الذي طال.. وطال، بمصاحبة الكحول القويّ، بحرماننا من ثمارها المستقبلية اليانعة. كتب صاحب السيرة النثرية الفاتنة «البصرة.. جنة البستان» الذي يُراد، منا نسيانه اليوم، نصوصاً نثرية قصيرة، عانق فيها الجمالُ الفكرةَ التي سبقته، ومهدت الأفق له. لكن! ما الفكرة التي نقصدها، هنا؟ دعوني أذكركم بانتماء شاعرنا إلى الحزب الشيوعي العراقي؛ نحن، هنا، أمام مشروع شعري، ثوري في منطلقاته الأولى، ملتزمٍ، ومتحررٍ، في الآن ذاته، من قيود الشعارات الثورية ذات النزوع التبشيري الغائي، لا حديث بصوت عال، ومبحوح، عن العمال والثورة. شعرٌ زاهد، متقشف، كأبطاله المستلبين، الهامشيين، حديثُ شاعرٍ فقير عن فقراء مثله في الوعر الشائك والموحل، من طرق الحياة:
هذا الذي استوقفني البارحة
في ظلام الطريق..
تفصلني عن ذكرياته عشرون سنة
سألني شيئاً من النقود بلا تردد
فمنحته ما أراد باقتضاب وخوف
أليس صدفة أننا لسنا في موقع واحد؟!
أو أننا لم نتبادل المواقع
فيكون هو المانح باقتضاب وخوف
وأكون أنا السائل بلا تردد؟!
قصيدة «مواقع» البصرة 1976
ما لا يدركه غالبية شعراء العربية، من قصائد مهدي، وقلةٍ، مثله، في شعرنا العربي، طوال تاريخه المديد، هو التالي: لم يكتب مهدي شعراً مجرداً من موضوعه، بل قصيدة تتضافر فيها المفردات في وحدةٍ فنية، ليس يمكننا استبدال المفردة، فيها، بمفردة أخرى، إذ كلُّ مفردةٍ في مكان لا تحيد عنه، لضرورات لا نستبعد حتى الأخلاقية منها. أما الدلالات فليست بمحدودة. وما القصيدة، في عرف شاعرنا، وقلةٍ، مثله، سوى خلاصة تجربة حياتية لن تُكتب بمفردات غير تلك التي كُتبت بها. أول قصيدة قرأتها لمهدي كانت في ثمانينيات قرننا الفائت، ولما أتجاوز الرابعة عشرة من عمري. تُرى! كيف علقت في ذاكرتي إن لم يكن بمفرداتها ذاتها؟ وهي من ديوانه الثاني» سر التفاحة»:
لا تحدثني عما فعلت
ولا عن البلاد التي رأيت
ولا البحار التي عبرت
لكن قلْ لي:
بم تدندن حين تخلو إلى نفسك؟
قصيدة «مفتتح» 1983
هل لاحظتم، معي، مقدار التفجع الذي انطوت عليه خاتمةُ القصيدة؟ هذه القصيدة، رغم تقشفها، وبساطتها، هل يمكنني الزعم أني فهمت مغزاها يوم قرأتها أول مرة قبل أكثر من ثلاثين عاما؟ لقد علقت في ذاكرتي، رغم جهلي بمغزاها، الذي أزعم إدراكي له، اليومَ، بعد أكثر من عشرين عاماً قضيتها في مغتربي الشمالي الموحش. واني لأدندن حين أخلو إلى نفسي، دامع العينين- أحياناً- بأبوذيات داخل حسن أو عبد الزهرة مناتي.
الشاعر الحقيقي، والكبير، هو من يُقيم حواراً مديداً، هادئاً، مع قرائه، أثناء تقدمهم في رحلة العمر؛ إذا كان صحيحاً ما قاله بيتهوفن عن الموسيقى من أنها» نحتٌ في الزمن» فالأمرُ يصح على الشعر كذلك. إليكم واحدة من روائع شاعرنا، أختتم بها مقالتي عنه:
أتذكر صندوقاً كبيراً
كنت أكنز فيه مئات الصحف
وقصاصات الأوراق
وأشياء أخرى
أتدلى فيه كما أتدلى في بئر
بحثاً عن صحيفة قديمة
أو قصاصة ورق
أو تلبية لرغبة طفل
بحثاً عن أجزاء لعبة محطمة
لقد ابتعد الصندوق
ابتعدت غرفتي
وابتعد الوطن
وأنا الآن أتدلى نحو وطني
كما أتدلى نحو بئر أليف وموحش!
قصيدة «البئر» عدن 1980
كاتب عراقي