د. ناصر عبد الرحمن الفرا
نتابع وبقلق مؤلم ازدواجية الجدال الدائر، علنياً وسرياً، بين المكونات الدينية والسياسية الفلسطينية والعربية حول وجوب أو عدم وجوب زيارة المدينة المقدسة. أول ما يخطر على بال المراقب لمجريات الأحداث هو الاستغراب، ألا يكفي لهذه المدينة المباركة الاحتلال الغاشم، بكافة تشعباته، لكي يأتوا هؤلاء ويزيدوا هموم هذه المدينة أكثر مما تطاق. في غضون هذا الوقت بالتحديد، التي خلاله عملية التهويد ومعركة الهيمنة بدأت واضحة المعالم، مدينتنا المسلوبة لا تحتمل ذرة ضغط قادمة ممن يصرحون بأنهم ملتزمون بالدفاع عن وطينية، قوميه وقدسية هذه المدينة. بلا شك، أي محاكاة مبسطه مع مساجد، كنائس ومعابد القدس، التي لا تنطق، سوف ترد و تصرخ بالقول ‘أذهبوا جميعكم لنار السعير’، فأنتم باختلافكم فقط تزيدون من حجم معاناتنا التاريخية. اما أهل هذه المدينة، اصحاب الكلمة الفاصلة في كل هذا الجدال القائم، فلن يخرجوا، على علمي، عن أدبهم المعتاد، الذي هو من طبائعهم، فقط سوف يقولون لكم، كفاية مساومات ومزايدات سخيفة، احياناً باسم الدين واحياناً باسم الوطنية، واتفقوا جميعكم على مبادئ عامة وثابتة، تساعدنا على تجاوز هذه المحنة الشرسة.
المستغرب هو أن من يعارض زيارة المدينة المقدسة -بعض شيوخ الامة ومن يدور في فلكهم- لم يقدم سوى اسباب مجردة لا تساعد على بلورة موقف مساند لهذا الرأي، ومن يؤيد ويدفع عن زيارتها ـ بعض ساسة الامة ومن يتبعهم- لم يوضحوا بدقة الفوائد والابعاد المستقبلية لهذه الزيارة. توضيح المقاصد في هذا الشأن سوف يساعد المواطنة والمواطن الفلسطيني والعربي، المسلم والمسيحي، على تفهم الامور وأخذ موقف، اما نقديا إيجابيا بناء، أو أما، نقديا سلبيا بناء.
فقط القول أن التطبيع محرم لا يغير ولن يقدم أو يؤخر في الامر من شيء. كذلك بدوره، توجيه دعوات عبر وسائل الأعلام والتشجيع على زيارة المدينة بدون خطة عمل ذات افاق ومفاهيم وطنية عربية واسلامية واضحة المعالم، لن يجدي أو يغير من مجريات الامور، بل، سيبدو الامر وكأنه ليس سوى عملية دعائية لتحسين صورة القيادات السياسية بعد الفشل الذريع على طاولات المفاوضات وبعد ارتفاع وتيرة سخط المواطن والمواطنة الفلسطينية من تعنت القيادات الوطنية، على هذا المستوى بشكل خاص وعلى كافة المستويات بشكل عام. يجب أن تكون هنالك استراتيجية عمل متكاملة تشمل الدفاع عن كل ربوع الوطن وليس فقط القدس، لأن الوطن هو الكل المحتل، بما فيه القدس، التي هي جزء ونواة اساسية في بنيته الوجدانية. في رسم وتنفيذ معالم هذه الاستراتيجية يجب أن تشارك كافة القوى العامة، حتى لا ‘يتفشخر أحد نضالياً أو جهادياً’ على الأخر. وفوق كل ذلك، يجب على كل عربي وفلسطيني، مسلم ومسيحي، أن يكون على دراية بخفايا هذه الاستراتيجية، مواقعهم وواجباتهم فيها، كذلك معرفة دائمة بطريقة عمل القادة القائمين عليها، لأن هؤلاء، وبالتحديد أقصد الساسة الفلسطينيين، من عادتهم ومميزاتهم الممقوتة عدم إدراك مزايا الشفافية، تجنب المصارحة والعمل بسرية وبباطنية تامة، من أجل أن لا يكتشف المواطن والمواطنة نقاط ضعفهم وتقصيرهم في الشأن العام. فيما يتعلق بالعدو، فمعرفته بعزيمتنا في الدفاع عن ‘قدسنا ومقدستنا’ هي جزء من قوة الإرادة العامة، فهو عندما يعتدي ويسلب، يصرح ويوثق ذلك. إذاً، فلما الخوف من منازلته بنفس الاسلوب. الحنكة في ممارسة الحكم حرفة، وفي رضا الأمة ميزة. (ميكافيلوا – ابو الحسن الماوردي). منذ بدأ الله تكوين وتجسيد الخلق -إرادة الهية-، ونفخ في الانسان بالعقل -عتق الإرادة-، وثبت مختلف النواميس -عزم الإرادة-، اكتشف المخلوق أن مقارعة فكرة بفكرة مضادة، كانت دينية أو سياسية، تفتح الافاق لبلورة فكرة ثالثة، ورابعة وحتى خامسة. وحسب ما تفوه به أهل المنطق، العمل بتفاهم على اساس أنساق متوازية من الافكار هو آمر اساسي لكل حكم وإدارة رشيده. (‘المدينة الفاضلة’- الفارابي). انطلاقاً من هذا المبدأ وما يتضمن من قيم سامية، نسأل، فيما يتعلق بالزيارة أو عدم الزيارة، ما يمنع اهل الدين واهل السياسة التفاهم حول صيغ متوازية داخل خطة شاملة، يحترم علي أساسها كل منهم منطق الآخر، كذلك نسئل، لما هم عاجزون عن استكشاف الابعاد الايجابية لهذا النوع من المنطق، ما دام الهدف مشتركا. لماذا اختار الجميع منطلق المواجهة والتنازع باسم القدس، بدل التكاتف، من أجل القدس. لماذا لم يتفاهم كلا الجانبان خلال ‘مؤتمر الدوحة لمناصرة القدس’ على خطة عامة مشتركة، يختار كل منهم لعب الدور الذي يراه مناسبا. لماذا هذا التلاحم الاعلامي حول امر الجميع متفق علي انه مقدس ووطني. أنها هزلية اللامعقول، المعروضة على مسرح ‘بيت الشرق’، والذي يلعب فيها كل ممثل دور المهرج، والمشاهد، بدوره، مذهول وساخط.
أليس هنالك من هو قادر على الخروج عن نص السيناريو، والقول لكل الاطراف المتنازعة، بأننا بين الشك واليقين، على أن كافة الاسباب المعلنة وغير المعلنة ودموع التماسيح المنهمرة ليست من ‘أجلك يا مدينة المدائن’، وأن هنالك ‘لعبة قيادة وقيادات’ ذات مغاز باهتة تحرك المواقف الرافضة والمؤيدة لزيارة هذه المدينة. لو لم يكن ذلك، فلماذا لا يتفق كل الباكين على مصير القدس حول مبادئ عامة يعمل الكل على اساسها ويكون هدفها السامي المشترك تطهير وتأكيد وطنية وقدسية هذه المدينة. أليس الخوف على مستقبل هذه المدينة عنصراً محفزاً وكافياً للتعاون والتكاتف بين مختلف التيارات السياسية والدينية. بغياب ذلك، يحق لكل مواطن ومواطنة حريصين وبجد على القدس ومراقبين للأحداث، الشك فيما يدور من خفايا الامور المتعلقة بزيارة أو عدم زيارة هذه المدينة، خاصة وأن من بين أطلال هذه المدينة يسمع يومياً صدى ‘أذان يشهد وأجراس تقرع’. أن هذا الشك يقترب من اليقين ويتحول لسخط بعد ادارك، أو عدم ادارك، كافة الأسباب الحقيقة الكامنة خلف كل هذا التناقض والتباعد حول القدس.
سماحة الشيخ يوسف القرضاوي، سيادة الرئيس محمود عباس، سماحة مفتي الديار، أمام المسجد الحرام، وزير الأوقاف، المدينة ثابتة وانتم الفانون. تذكروا ما نطق به أحد أنبل واحكم أبناء مدينة غزه الجريحة، المرجعية والعلامة الأمام الشافعي، فيما يتعلق بآمر حسم الجدال، ‘رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب’، والكل حسب نيته وكيفية عمله، له الزائد أو الناقص من الأجر. وتمعنوا فيما يستند اليه كل من ليست له غايه في تعميق التجافي وإنما في تثبيت قواعد التآزر، ‘الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية’. هل يحق، أيها الربع، أن نعود للماضي وللعامة الناس لتعريفكم برأس الحكمة، وتذكيركم، وانتم سادة القوم والقول، بأنه إذ استمرت الآراء المتناقدة والمشادات، سوف يأتي يوم لا تكون فيه ‘القدس لنا’. من الأفضل أن يحسم فوراً هذا الجدال وأن لا يطول أمده. من لا يؤيد فكرة الزيارة فليبق في مسجده وكنائسه ‘يبتهل ويصلي إلى لله’ من أجل سلامة القدس، ومن يريد الزيارة ويؤيدها ‘فليرتحل ويرتجل’، والكل منا ومعاً ندعو، أن تستجاب صلاة ودعاء المبتهلين، وأن تسدد خطوات المترحلين المرتجلين، كانوا هؤلاء مجاهدين أو مقاومين، لما فيه الخير والبركة لمستقبل هذه المدينة واهلها. وصدقاً مع الله عمل يحاسب عليه في الأخرة- وصدقاً مع الواقع السياسي عمل يحاكم عليه في الدنيا- من الواجب حسن الظن وتفهم رأي المؤيدين، الصادقين النوايا، فيما يتعلق بآمر زيارة مدينة القدس، وأن لا يعتقد أن حسن الظن والتفهم هذا هو موقف ضد جهة اخرى. وكذلك يجب احترام وتفهم رأي غير المؤيدين، الصادقين النوايا، فيما يتعلق بآمر هذه الزيارة، وأن لا يعتقد بأن هذا الاحترام والتفهم هو مساندة موقف ضد موقف آخر. لسنا في حاجة لزيادة حدة الجدلية والمشادات القائمة، بل في حاجة لوضع ثوابت متوازية يعمل على أساسها الجميع، ونلتقي كافة في ذلك الحيز المشترك، كما تفعل كافة المكونات اليهودية والاسرائيلية عندما يتعلق الآمر بالشؤون المصيرية العامة. حالياً، القدس هي الخيار والحيز الوسط العام. هذه المدينة ليست في حاجة لمن هو مع أو من هو ضد، إنما هي في أشد الحاجة لمن ‘هم لها’. بغض النظر عن المنطلقات والمرجعيات الدينية والوطنية، هنالك اروقة وأزقة وساحات شاسعة للتعاون، وهي في انتظار كل من يريد أن ‘يشد الرحال وينوي الرباط’ ليس فقط إليها وفيها، وإنما في ولكل مدينة وقرية من مدن وقري فلسطين، والتي حسب علمي، لم يحدد الله سعة معالمها، بل وسع في أكنافها وربط أرضها بسمائها.
قضية القدس، يا سادة، ليست قضية تحريم، تطبيع، مهرجانات، مؤتمرات ودعوات، كذلك، وما هو الأهم، ليست قضية تخوين أو تجريم، وإنما قضية مساندة، ثبات، تكاتف ومصداقية. مساندة بالمال والعتاد، وثبات، عملاً لا قولاً، وتكاتف، بل وتسامح، بين ‘الرأي الصائب والرأي الذي يحتمل الصواب’، ومصدقيه في الحجة الدينية والممارسة السياسية، القائمة على ادماج المبادئ واختلاف الاساليب الهادفة ‘لتحرير فلسطين، كل فلسطين، وعاصمتها القدس’. المنطق والتاريخ علمنا، يا أهل الشورى وأهل الدين، أن الهزيمة تقع بعد أن ‘يلتفوا علينا من خلف الجبال’، ونحن في الوديان، نبحث عن ‘الغنائم وجنات النعيم’، والنصر يأتي من خلال ‘الانتشار ثم الانقضاض’. هكذا أمرنا رب العالمين، حفز عليه رسولنا الكريم، ونفذ حسب ذلك القادة العسكريون، ابتداء بخالد وانتهاء بصلاح الدين. وأنتم يا إخواننا أبناء شعب المسيح وحاملي فخر الصليب، ليست أسطورة ‘حصان طروادة’ عنكم ببعيد.’ كاتب فلسطيني يقيم في اسبانيا