أحمد العثماني أصبح من المؤكد أن مهرجان موازين سيعقد دورته العادية في شهر مايو المقبل، مع توقعات المشرفين عليه بنجاح كبير له كما حدث في الدورات السابقة، وبالنظر إلى الاستعدادات الجارية والنجوم العالميين والعرب المشاركين في المهرجان. وكذا التغطية الإعلامية وخاصة العمومية التي لم تتوقف عن تبشير المغاربة ليل نهار بالحدث الجليل الذي ستعرفه مدينة الرباط، في مقابل تجاهل تام لأصوات المعارضين لإقامته وهو أمر تعودنا عليه. بيد أن ما يثير الانتباه هو موقف رئيس الحكومة حيث كان ينتظر منه موقفا حازما و صارما من المهرجان، بالنظر إلى مواقفه السابقة المعارضة لإقامته وأيضا بالنظر إلى برنامجه القائم أساسا على محاربة الفساد، و الذي تتجلى مظاهره بشكل واضح في هذا المهرجان، سواء الفساد المادي أو المعنوي. غير أن المفاجأة كانت صادمة وغير متوقعة، حيث خرج رئيس الحكومة في حوار سابق له مع جريدة المساء بموقف مناقض تماما لمواقفه السابقة، حيث أكد على أن المهرجان سيقام وأن الحكومة لن تمنعه، ولم يظهر أي إشارة سلبية ولو بسيطة ضده، ولم يكتف بذلك بل أصدر توجيها صارما لأعضاء حكومته بعدم الإدلاء بأي تصريح إعلامي ضد المهرجان، وهذا ما تم الاستجابة له ليس فقط من طرف أعضاء الحكومة وإنما أيضا من برلمانيي الحزب وأعضائه عموما، حيث لم نشهد لهم معارضة واضحة لهذا المهرجان المزمع تنظيمه على عكس الدورة السابقة التي خرجوا فيها بمواقف حازمة ضده في البرلمان والإعلام وأيضا في الشارع بتظاهرات واعتصامات ووقفات عديدة ôأما عن تبريره لموقفه الجديد فقد أكد رئيس الحكومة على أن ‘للمهرجان جمهور’يجب احترام رغباته، ولم يذكر حجة أخرى، ويبدو أنه لم ينتبه إلى أن هذه الحجة التي طرحها ليست جديدة وإنما استخدمتها الحكومات السابقة، وسبق له أن انتقدها و اعتبرها غير مقنعة، مما جعل موقفه هذا ضعيفا و غير مقنع بتاتا وضعه في تناقض صارخ مع مبادئه و شعاراته التي رفعها أثناء الحملة والتي على أساسها تم انتخابه من طرف أغلبية الشعب المغربي والذي كان ينتظر منه موقفا منسجما مع مبادئه و مواقفه. غير أن معارضة المهرجان لا تعتمد بتاتا على المقاربة الرقمية أو على مدى استقطابه للمشاهدين و إنما على مجموعة من الحجج تكفي واحدة منها لاتخاذ قرار بإلغائه وهي:
أولا – التبرير الذي طرحه لا يدل على أن المشاهدين لفقرات الدورة موافقون عليه، فمعلوم أن أي استغلال للفضاء العمومي إلا و يجلب له مشاهدين ما دام لا يكلفهم ماديا، فإذا أردنا فعلا أن نعرف حقيقة موقفهم من المهرجان فيجب القيام باستطلاعات علمية للرأي وهذا ما لم تجرأ أي مؤسسة القيام به، باستثناء الاستطلاع الذي أجراه موقع هسبريس والذي أوضح بشكل ملموس أن الأغلبية المطلقة تعارض إقامته، أضف إلى ذلك أننا لم نشاهد أو نسمع مثلا في الدورة السابقة عندما احتدم النقاش حول المهرجان بخروج الناس في مظاهرات أو اعتصامات مؤيدة له وداعية لإقامته، على عكس المعارضين الذين تظاهروا و اعتصموا ضده، حتى في مواقع التواصل الاجتماعي لا نرى لمؤيديه أثر و لو بسيط، فكل ذلك كفيل بإبراز الحقيقة.
و مسألة أخرى هامة لابد من الإشارة إليها وهي أن مقياس المشاهدة ليس معيارا لتبرير إقامة المهرجان وإلا كان لزاما على المسئولين السماح للقنوات الإعلامية العمومية و الخاصة و قاعات السينما بإذاعة الأفلام الجنسية، لأنها تستقطب ألاف المشاهدين وهذا ما يرفضه الذوق السليم، إذن المقدمة الاستدلالية الأولى فاسدة وبالتالي النتيجة فاسدة.
ثانيا – من أهم أوجه معارضة المهرجان تلك التي تستند على الكلفة المادية الباهظة له، في بلد يحتاج لكل درهم من أجل إنعاش الاقتصاد وتوفير الخدمات الاجتماعية، فهل يعقل أن يأخذ المغنون ملايين الدراهم وبالعملة الصعبة في بلد يعاني شبابه ويلات البطالة الدائمة والفقر المدقع، وبعض نسائه لا يجدن مستوصفا للولادة، ألن يؤدي ذلك إلى انتشار الإحباط و الإحساس’بالحكرة’ لدى المواطنين، وهم يرون الملايير تضيع هباء فيما لا يغني ولا يسمن من جوع وتقدم بكل بساطة و بالعملة الصعبة إلى مغنيين ومغنيات أجانب، أضف إلى ذلك الأزمة الاقتصادية العالمية التي تدفع الدول إلى التقشف وصرف الأموال على الأساسيات وليس الترفيهيات، فنجد دولا ألغت مهرجانات غنائية كبرى مثل اليونان وإيطاليا وإسبانيا… مراعاة لهذه الظرفية الحرجة.
ثالثا – مصدر الأموال الضخمة التي تحصل عليه ‘جمعية مغرب الثقافات’ لتمويل المهرجان لازال غامضا ويكتنفه الالتباس، حيث لم تفصح الهيئة بشكل واضح عن ممونيها واكتفت بنفي أن تكون الدولة قد قدمت لها درهما واحدا، وأن الخواص هم من تكلف بذلك، في تناقض صارخ مع مبادئ الدستور التي تؤكد على حق الحصول على المعلومة وعلى الشفافية. فهل يعقل أن يظل هذا المصدر سرا من أسرار الجمعية؟
؟ ؟ ولو قبلنا بتأكيدهم السابق على أن المؤسسات الخاصة هي الممولة، فالتساؤل المطروح هو: أليست هذه المؤسسات مغربية تتعامل مع المغاربة و متأثرة بمحيطهم الاجتماعي؟
، فبدل تبذير هذه الأموال فيما لا يفيد كان من الأولى صرفها في التعليم، مثلا التكفل بالتلاميذ النجباء والفقراء أو تمويل البحث العلمي، أو صرفها في قطاع الصحة أو السكن…- فهو إذن عذر أقبح من ذنب.
رابعا- ما أثار انتباه الملاحظين هذا السخاء الحاتمي غير المحدود الذي تحظى به هذه الجمعية، على عكس ما يحصل مع جمعيات ثقافية أخرى التي تجد عناء شديدا في تمويل أنشطتها الثقافية الجادة والبناءة وعزوف تام من المؤسسات الخاصة عن تمويل أنشطتها إلا من رحم ربك، فلماذا هي وحدها التي ليس لها مشكل في تمويل مهرجانها المكلف ماديا؟ لكن إذا عرف السبب بطل العجب، فهنا تكمن رائحة الفساد وعقلية الريع الاقتصادي، فرئيس الجمعية ليس شخصا عاديا إنما شخصية تتجه إليها أعناق أصحاب المؤسسات والأغنياء للحصول على الرضا والعطف، إنه ‘منيرالماجدي’ المشرف على ثروة العائلة الملكية، فهو مفتاح سحري لتذليل العقبات أمام المؤسسات الاقتصادية للحصول على المشاريع والصفقات المدرة للأرباح الطائلة، وليست هناك طريقة للتقرب منه و إرضائه أفضل من المساهمة في تمويل مهرجانه الغنائي ولو كلفهم ذلك ملايين الدراهم، إنها نفس الحالة التي عشنا فصولها مع فؤاد عالي الهمة في المجال السياسي ولكن هذه المرة على الجانب الاقتصادي، و هو ما يفرض على الحكومة و البرلمان التحقيق في قضية الحصول على هذا الدعم. خامسا- مضمون المهرجان الذي يتفق الجميع أنه يركز على الإثارة والخطاب الجسدي البعيد كل البعد عن المعاني الراقية و الذوق الرفيع و السليم للفن، في انسياق واضح و جلي مع تيار العولمة الثقافية ذات البعد الاستهلاكي والتشيئي لجسد الإنسان وخاصة جسد المرأة، ما يجعل هذه الفقرات في تناقض صارخ مع القيم الأخلاقية و الثقافية للمغاربة. بيد أن أصحاب المهرجان يركزون على ضرورة الانفتاح على الآخر باعتبارها قيمة حضارية هامة على عكس الانغلاق على الذات باعتبارها قيمة سلبية، وهذا صحيح من الناحية العامة، إلا أن هذا الآخر ألا يمتلك فنا يخاطب إنسانية الإنسان وأخلاقه ويعالج مواضيع متعددة بعيدا عن الابتذال و الشهوات، هذا من جانب ومن جانب آخر هل هذا الانفتاح مفروض علينا نحن فقط أم يلزم الجميع، أليس هذه الآخر الغربي وخاصة الأمريكي مطالب بدوره بالانفتاح علينا، فلم نسمع يوما أن مهرجانا أمريكيا غنائيا استدعى أحد رواد الأغنية المغربية لحد الآن.
سادسا – التوقيت الزمني للمهرجان الذي يعقد في فترة حرجة من الموسم الدراسي يفرض على التلاميذ تركيزا أكثر واهتماما مضاعفا بدروسهم وتكثيف الاستعدادات للامتحانات، فنحن في نهاية الموسم بمعنى أن الفضاء العمومي يجب أن يكون منسجما مع هذه الوضع الحرج، على عكس ذلك نجد أن المهرجان يقام في هذه الفترة، كما يستغل ويوجه الفضاء العمومي والإعلامي كلية للتعبئة لإنجاح هذه الدورة، و نحن نعلم أن أكثر رواده من فئة المراهقين التلاميذ الذين سيتركون دراستهم والاستعدادات للامتحانات إلى حين وهذا ما يؤثر سلبا على تحصيلهم العلمي.
سابعا- هل يعقل أن يعقد هذا المهرجان الغنائي في وقت يعاني منه الشعب السوري من محنة لا يعلم إلا الله متى ستنتهي، والتي تفرض علينا شرعا وعقلا أن نقدم له يد المساعدة أو على الأقل التضامن المعنوي، من قبيل تجنب كل مظاهر الترفيه المبالغ فيه وعلى رأسها المهرجانات الغنائية فإذا لم نستجب لنداء الأخوة العربية والإسلامية فعلى الأقل إنسانيا، وهل الحكومة المغربية أقل شأنا من الحكومة السعودية التي قررت إلغاء المهرجان الثقافي الجنادرية الذي لا يركز على الغناء وإنما يركز على باقي الأنشطة الثقافية وعلى رأسها ندوات ومحاضرات المفكرين والعلماء والفلاسفة العرب، على عكس مهرجان موازين. إذن هذه مجمل التبريرات التي يطرحها المعارضون لإقامة هذا المهرجان، ويكفي مبرر واحد من هذه التبريرات لوقفه و منعه أو على الأقل منعه من استغلال الفضاء العمومي وليلجأ إذا شاء إلى الفضاء الخاص (السينمات، الفنادق….) . وأعتقد جازما أن الحكومة لو قررت ذلك لما وجدت معارضة من أغلب النخب وإنما مباركة منهم ومن الشعب، حتى أولئك الذين يحضرون فعالياته، أما القلة القليلة من النخب المتغربة ذات الصوت العالي في الإعلام فلا يجب الاكتراث لها والإذعان لآرائها، فحزب العدالة ملزم بعقد مع كثلته الناخبة التي تدعو إلى إلغاء المهرجان و ليس مع نخبة لا هم لها سوى تدمير أخلاق وقيم الشعب وسلوك أفراده. أما وأن الحكومة قررت عدم منعه أو على الأقل تأجيله إلى ما بعد الامتحانات فإن على أعضاء و نواب الحزب واجب النهي عن المنكر بالتنديد به و بالتصعيد من حركة الاحتجاج لإعادة موازين القوى إلى طبيعتها و أن صمتهم وسكوتهم لن يدعم حكومتهم بل يضعفها، فالقاعدة الحزبية غير معنية بالإكراهات التي تعترض الحكومة، فالتماهي في المواقف و الآراء بين القيادة والقاعدة الحزبية يكون له أضرار كبيرة على مسيرة الحزب و لنا في تجربة اليوسفي ومن ورائه حزب الاتحاد الاشتراكي لعبرة.
كاتب من المغرب